بقلم مالك المغربي

قبل الثورة، كانت السيدة بيضاء تعيش حياة بسيطة ومستقرة وآمنة مع عائلتها، في منزلها بتاورغاء. كانت تعمل في مصنع للخياطة والتطريز، ومثل غيرها، طموحة وتخطط لإنشاء مشروعها الخاص في الحياكة، كي تؤمّن حياة كريمة لها ولعائلتها. لكن الثورة والحرب حوّلتا حياتها وحياة عائلتها إلى كابوس طويل الأمد.

الجزء الأول

لتجربة التشرد والفاقة، خاصة لفترات طويلة، أضرار نفسية واجتماعية فادحة على البشر والمجتمعات. السيدة بيضاء مصباح عمر، وهي ربة بيت وأم لبنتين وتمتهن الخياطة والتطريز وتبلغ من العمر 47 عاماً، هي إحدى ضحاياها.

عندما أُجبر أبناء منطقة تاورغاء على ترك منازلهم، انتقلت السيدة بيضاء رفقة عائلتها إلى ثاني أكبر المدن الليبية، بنغازي.

وخلال أحداث الربيع العربي، قامت الثورة الليبية في 17 شباط/ فبراير 2011 ضد نظام معمر القذافي، واندلعت حروب المقاومة في عدة مناطق ومدن بين كتائب النظام والثوار.

شهدت مدينة مصراتة الواقعة في المنطقة الوسطى من شمال ليبيا أعنف المواجهات الدامية طيلة ثمانية أشهر، إلى أن انتصر الثوار على كتائب النظام وبلغوا العاصمة طرابلس.

خلال هذه الأحداث، استغلت كتائب النظام منطقة تاورغاء، التي كان يقطنها قرابة 30 ألف نسمة وتبعد عن مصراتة 40 كيلومتراً، والمناطق المجاورة لها، كمواقع تمركز لقواتها العسكرية، ونقطة إطلاق لقصف المدينة بالصواريخ، كما جنّدت شباب المنطقة ضد ثوار مصراتة واعتدت على المدنيين العزل، إضافة إلى اعتقال وتصفية معارضين لنظام القذافي.

خلّفت هذه الأحداث الشنيعة جرحاً غائراً بين المنطقتين، أساسه كراهية وحقد عميقان لدى أهالي مصراتة ضد سكان منطقة تاورغاء. ولذلك، بعد هزيمة القذافي، كانت ردة فعل أهالي مصراتة طرد جميع أهالي تاورغاء من منازلهم، ليعيشوا مهجرين داخلياً في جميع مناطق ليبيا وفي المخيمات.

بعد سنتين قضتهما في بنغازي، عاشت خلالهما على المساعدات المقدَّمة للنازحين، انتقلت السيدة بيضاء إلى العاصمة طرابلس، بسبب عدم قدرة زوجها على استلام راتبه في بنغازي، وعاشت في أحد المخيمات المخصصة للنازحين من تاورغاء.

كان المخيم في طرابلس عبارة عن مباني مهجورة كانت تحتضن سابقاً الأكاديمية البحرية في طرابلس، أي أنها ليست مكاناً مخصصاً للسكن العائلي.

وُضعت السيدة بيضاء مع عائلتها في مكتب إداري تحوّل إلى غرفة لإيوائهم. لم يكن فيه باب يمكن غلقه، ولا نوافذ تصدّ الرياح وتحميهم من البرد، رغم أن المخيم يقع على البحر. وكانت دائمة القلق من أن يصيب أي مكروه بناتها بسبب كثرة الاعتداءات في تلك المنطقة.

“عشت أنا وأسرتي حياة صعبة جداً خلال فترة النزوح، لم أشعر فيها بالاستقرار أو الاطمئنان أبداً رغم المحاولات، فالحياة في المخيمات مزرية جداً. كانت المياه تملأ الغرفة عند هطول الأمطار، وكان البرد شديداً لعدم وجود نوافذ، حتى باب الغرفة كان عبارة عن قطعة خشب موضوعة هنالك.

كنّا نخاف باستمرار من أن يتم الاعتداء علينا من قبل المسلحين وسرقتنا، ونتوقع في أي لحظة أن يخرجوننا من المكان. كنت أخاف كثيراً على بناتي بما أنهنّ لا يعرفن المنطقة، فهنّ لا يذهبن إلا إلى المدرسة”.

لم تعرف السيدة بيضاء وأسرتها حياة كريمة ومطمئنة طيلة فترة النزوح، ولم تنته معاناتها في المخيم. أصيبت بشظية في تموز/ يوليو 2016، إثر اندلاع شجار بالقرب من مصرف كانت تحاول سحب راتب زوجها منه. ارتدّت الشظية على وجهها، إلا أنها نجت من الموت، لكن وجهها تشوه، فاحتاجت إلى عناية طبية خاصة ومكلفة جداً، زادت في صعوبة وضعها المالي، واضطرتها إلى العمل كعاملة نظافة في إحدى الشركات الخاصة لسد الرمق.

كانت لديّ رغبة في أن أعمل في الحياكة والتطريز، ولكن لم أحصل على وظيفة في هذا” المجال، ولا على المال الكافي لأشتري آلة خياطة، فأجبرت على العمل في أدنى الوظائف حتى أساعد عائلتي في الحصول على مدخول نعيش منه. كان همي الوحيد هو ألا تنام بناتي جائعات”، تروي.

رغم محاولات السيدة بيضاء خلق حياة مستقرة لها ولعائلتها، كانت أوضاعهم تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. فعندما أصيبت بالشظية، انهارت كل قدراتها على الاستمرار، وكرهت الحياة التي كتبها الله لها وأصابها اليأس والقنوط. كانت فترة مأساوية عرفت خلالها اضطرابات نفسية ونوبات اكتئاب، ولم تجد حلاً إلا بالصبر حتى يكتب الله لها حياة أفضل.

ميثاق الصلح وصانعات السلام

مع نهاية عام 2015، بدأت الضغوط المحلية والدولية والوساطات لخلق سلام وصلح بين المنطقتين المتصارعتين، مصراتة وتاورغاء. باءت بالفشل في البداية إلى أن تمكنت المنطقتان من تكوين لجان مصالحة منبثقة عن مجالسها المحلية، تمثل الأطراف المتنازعة، للجلوس والتفاوض.

وجرى التوصل إلى ميثاق الصلح الذي أُعلن عنه في مدينة مصراتة في الثالث من حزيران/ يونيو 2018. نص الميثاق على تمكين أهالي تاورغاء من الرجوع إلى منطقتهم حتى يتمكنوا من نسيان الماضي الأليم، لأن وحدة ليبيا هي الأهم وهي المخرج الوحيد لاستقرار الوطن.

تقول السيدة بيضاء: “عندما أُعلن عن المصالحة، فرحنا كثيراً، وقررت الرجوع إلى بلدي. كانت عائلتي و14 عائلة أخرى من أولى العائلات التي عادت للاستقرار من جديد في تاورغاء. في البداية كان منزلي وكل المنازل في المدينة مدمرة ومحترقة وغير صالحة للسكن.

أقمنا في إحدى المدارس لفترة مؤقتة حتى يُعاد تأهيل المدينة، مثل إرجاع المياه والكهرباء والخدمات كالمراكز الصحية، المتاجر، المدارس وغيرها. كنّا نخاف من أن يُعتدى علينا، فالمدينة كانت مثل مدن الأشباح في الليل. كانت فترة صعبة أرهقتني نفسياً أكثر مما مضى”.

بجانب عمل لجان المصالحة، نشط تيار مكوّن من نساء ناشطات في سبيل نشر السلام المجتمعي بين الأطراف المتنازعة، وعملن بشكل خاص على مساندة النساء. من بين هؤلاء الناشطات السيدة آسيا الشويهدي من مصراتة، والسيدة آمال بركة من تاورغاء. أسسن “فريق السلام النسائي تاورغاء-مصراتة”.

جمعت الصدفة والصداقة كل من الناشطتين عندما كانت كل منهما تبحث عن شخصية أخرى تمتلك نفس طموحاتها وأهدافها، وتكون قد تضررت من الصراعات ومؤمنة بقضية تحقيق السلام فعلياً بين المنطقتين المتنازعتين في السابق، مصراتة وتاورغاء، وإرجاع المياه بين أبنائهما إلى مجاريها، لتعملا معاً لتحقيق الأهداف المشتركة.

كان منزل السيدة آسيا يقع في الخط الأمامي أثناء الحرب علی مصراتة وأجبرت على النزوح حتى تحرير المدينة من كتائب القذافي. أما السيدة آمال، فقد عاشت مهجرة في طرابلس منذ الثورة إلى أن تحققت المصالحة.

منذ بداية الأحداث، عرفت كلتاهما أن ما يحدث من انقسام بين المجتمعات في ليبيا خطأ ويجب إصلاحه، فانطلقن على هذا الأساس في السعي إلى إصلاح ما يمكنهما إصلاحه ومساعدة مجتمعاتهما.

آمال بركة تبلغ من العمر 48 عاماً، ونزحت إثر الثورة، بعد أن كان طموحها أن تكون سيدة أعمال وتاجرة في تاورغاء تملك متاجر مثل والدها الذي كان يشجعها على ذلك، ولكن الأحداث غيّرت كل طموحاتها.

أما آسيا الشويهدي، ابنة مصراتة التي تبلغ من العمر 45 عاماً، وأم لصبيين، فكانت تهوى الرياضة وتطمح إلى أن تكون مدربة رياضة وأن تؤسس نادياً خاصاً بها.

ولكن في شباط/ فبراير 2011، تغيّر كل شيء، فقد كان منزلها الذي تعيش فيه مع أسرتها على الخط الأمامي لمعارك المقاومة، وعند اقتحام كتائب القذافي لمدينة مصراتة، دُمّر بيتها وأجبرت على العيش مهجرة.

تأسس “فريق السلام النسائي تاورغاء-مصراتة”، في أيار/ مايو 2018، في مكتب وزير الدولة للنازحين والمهجرين السيد يوسف جلالة، وتكونت نواته الأولى من هاتين السيدتين.

تروي السيدة بركة: “عندما كنت في أحد الأيام في المطار للذهاب في رحلة عمل، كنت أبحث عن شريكة من الطرف الآخر لنعمل معاً لخلق السلام بجميع أنواعه. كان الشرط أن تكون متضررة بأي طريقة من الحرب لتكون مؤمنة بما نريد فعله.

وبالرغم من أن هذا كان صعباً بعض الشيء، إلا أن الصدفة جمعتني بالسيدة الشويهدي. تحدثنا كثيراً وانطلقنا بعد أن اعتُمدنا من قبل وزارة المهجرين والنازحين في الداخل والخارج كفريق السلام النسائي تاورغاء-مصراتة”.

من جانبها، تروي السيدة الشويهدي أنه “بالرغم من أن 3 حزيران/ يونيو 2018 كان يوم إعلان ميثاق المصالحة، إلا أن كل الحضور كانوا من الرجال ولم تكن المرأة موجودة”.

لكن منذ ذلك اليوم، تتابع، “صار للمرأة صوت ودور مهم لاستكمال تحقيق السلام”، وتضيف: “عملنا سوياً من خلال جلسات حوارية على دعم العودة مع باقي النساء من الطرفين لزرع الثقة والشعور بالأمان”، معلّقة: “فريقنا يُعتبر مثل روافد مجرى المياه، فقد كنا داعمات ودافعات لعملية المصالحة التي يقودها الرجال”.

تطمح الشويهدي وبركة إلى مساعدة مجتمعاتهما لإحلال السلام بين الطرفين، وتمكين أهالي تاورغاء من الاستقرار من جديد في موطنهم. قمن بالعديد من المبادرات لتمتين العلاقات بين أهالي المدينتين، كان أبرزها زيارة أول طفل يولد في تاورغاء بعد العودة، وتسليم عائلته هدايا مقدَّمة من أهالي مصراتة، إضافة إلى المساهمة في تخفيف حكم السجن المؤبد أو الحكم بالإعدام على بعض السجناء، ومنهم مَن سعيتا إلى إطلاق سراحه.

السلام المجتمعي الإيجابي

ضمن بنود ميثاق الصلح بين المنطقتين، ورد تعهد بإنشاء مراكز للدعم النفسي والأسري في مصراتة وتاورغاء، تعمل على إعادة تأهيل المتضررين من الحرب الذين عانوا نفسياً خلال حياة التشرد أو نتيجة للاعتقال والاعتداء، من جميع فئات المجتمع.

تأسس مركز طمينة للدعم النفسي والأسري أولاً، واختير أن يكون مقرّه في قرية طمينة التي تربط بين المنطقتين حتی يخدم أبناء كل من تاورغاء ومصراتة إلى حين يتم تأسيس مركز تاورغاء، ولأن أغلبية المتضررين من أبناء مصراتة يعيشون بالقرب من هذه المنطقة.

قُدِّم للمركز دعم محلي ودولي. دعمه المجلس المحلي لمدينة مصراتة بتخصيص مبنى يكون مقراً له، وقامت لجنة المصالحة في مصراتة بتعيين نخبة من الكوادر النسائية التي تعمل في مجال عمله لتتولى مسؤولية قيادته، بما أن المرأة تشعر أكثر بمعاناة غيرها من فئات المجتمع، خاصة لو مرت بنفس الظروف التي عاشها المحتاجون للدعم. كما تلقّى دعماً من السفارة الإيطالية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبر صندوق تحقيق الاستقرار في ليبيا الممول من الدول الصديقة لليبيا.

أعيد تأهيل المركز وجُدّد بشكل كامل، وجُهّز ليكون بيئة مناسبة لأداء مهماته، كما جرى تدريب إطارات في ثلاثة تخصصات هي علم الاجتماع، علم النفس والصحة النفسية.

كانت السيدة الشويهدي عضوة في إدارة المركز وزميلتها السيدة آمال صافار مديرته، وكلتاهما عضوتان في لجنة الحوار والمصالحة عن مصراتة.

السيدة صافار بدورها هي إحدى المتضررات من الحرب، وكانت تدعو للجلوس مع الطرف الآخر للحوار وتحقيق السلام، وتمتلك خبرة في الشؤون الاجتماعية، بما أنها عملت في عدة مجالات تعنى بالشؤون الاجتماعية وشؤون المرأة في مؤسسات العهد السابق، حتى وصلت إلى منصب “أمينة شؤون المرأة بأمانة مؤتمر الشعب العام” الذي يعادل وزيرة.

وبسبب عملها قبل الثورة مع نظام القذافي، اتُّهمت بالخيانة من قبل الطرفين المتنازعين. في البداية، اتهمها أهل مدينتها بموالاة النظام، ثم عندما رفضت أن تدلي ببيان تأييد لحكم القذافي، اتهمها أنصاره بالخيانة، وتعرّضت لاعتداء واعتُقلت مع كامل أسرتها من بيتها في منطقة طمينة في مصراتة، وعوملت بقسوة شديدة ولم يشفع لها لدى جلاديها أنها كانت حاملاً بطفل.

يتبع في الجزء الثاني

***

مالك المغربي ـ صحافي ومصور وصانع أفلام وثائقية مستقل مقيم في ليبيا، ويعمل منذ 2017 صحافياً استشارياً مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا.

____________