بقلم مالك المغربي

قبل الثورة، كانت السيدة بيضاء تعيش حياة بسيطة ومستقرة وآمنة مع عائلتها، في منزلها بتاورغاء. كانت تعمل في مصنع للخياطة والتطريز، ومثل غيرها، طموحة وتخطط لإنشاء مشروعها الخاص في الحياكة، كي تؤمّن حياة كريمة لها ولعائلتها. لكن الثورة والحرب حوّلتا حياتها وحياة عائلتها إلى كابوس طويل الأمد.

الجزء الثاني

في عام 2016، قام صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة بتدريب مجموعة من النساء من خلال ورش العمل لكتابة وثيقة المرأة للسلم المجتمعي التي تدعو للسلام وتغيير خطاب العنف. انتُخبت مجموعة من النساء للتكفل بنشر أهداف هذه الوثيقة في جميع مناطق ليبيا وكانت السيدة الشويهدي من ضمن المنتخبات على المنطقة الوسطى.

تقول الشويهدي: “عندما علم السيد يوسف زرزاح، رئيس لجنة الحوار والمصالحة عن مصراتة، بوجود نساء يعملن في مجال بناء السلام، وبأني منتخبة عن وثيقة المرأة للسلم المجتمعي عن المنطقة الوسطى، استدعاني لأجتمع مع السيدة صافار لأول مرة، لنمثل المرأة في الحوار والصلح مع تاورغاء.

كان يجب أن يكون معي شخص يدعو للسلام رغم تأثير ضرر الحرب فيه، لتكون رسالتنا أقوى تأثيراً لدى الطرف الآخر”.

وتشير إلى أن “العمل على تنفيذ السلام المجتمعي الإيجابي أصعب من إشعال الحروب. إعادة الأمور إلى ما كانت عليه مثل التبادل الاقتصادي والارتباط الاجتماعي وغيرها أمر صعب جداً، لهذا ندعو دائماً لإيقاف الحرب”.

وتضيف: “لا يمكن أن يكون للحرب وجه جميل أبداً، فهي دائماً بشعة ومدمرة للمجتمعات. من هذا المنطلق جاءت فكرة تأسيس مراكز للدعم النفسي والأسري للمدينتين، لمساعدة الأشخاص الذين عانوا من اضطرابات نفسية واجتماعية، سواء بسبب فترة التهجير التي عاشها أهالي تاورغاء مثل السيدة بيضاء، أو بسبب الاعتقال أثناء فترة الاشتباكات والحروب مثل السيدة صافار”.

تهتم بنات تاورغاء بالمشاركة في برامج الدعم النفسي الاجتماعي والاقتصادي، سواء في تاورغاء أو في مركز طمينة. وكانت السيدة بيضاء إحدى المشاركات في برامج الدعم التي يقدمها مركز طمينة.

تروي بيضاء: “تعرفت على مركز طمينة عن طريق ضغط وإصرار من إخوتي، فقد رأوا أنني بحاجة ماسة للمساعدة، وفعلاً ذهبت للمركز وقلت لنفسي أنني لن أخسر شيئاً”.

عن مهمة المركز الأساسية، تشرح السيدة الشويهدي: “نساعد أهالي مصراتة على التفكير بشكل سليم في ما يعتبرونه ظلماً لهم، ونساعد أهالي تاورغاء على تجاوز مخاوفهم من أهالي مصراتة”، مضيفةً: “شيئاً فشيئاً، ستعود المياه الى مجاريها ويعود الرابط الاجتماعي بين المنطقتين ويتحقق السلام المجتمعي”.

وتروي السيدة بيضاء: “كنت مترددة في البداية وخائفة ومنعزلة عن الآخرين، خاصة عن المشاركات من مصراتة. لم أتقبل فكرة الجلوس معهنّ ومشاركتهنّ الحديث بسبب ما حدث سابقاً بين المنطقتين. لكن شيئاً فشيئاً، بدأت أنسجم معهنّ بفضل الأنشطة التي كسرت الجليد الذي كان بيننا، واكتشفت أنني كنت مخطئة في ظني بهنّ. كانوا طيبات جداً. الدنيا فانية، وكلنا ليبيون في نهاية المطاف. يجب أن نكون إخوة وأن نساعد بعضنا البعض”.

وتضيف: “استمرت التدريبات التي شاركت فيها لمدة شهرين، وتمحورت حول الدعم النفسي ومكافحة خطاب الكراهية. كانت جميعها مفيدة جداً بالنسبة لي ولغيري وأضافت لنا الكثير، إضافة إلى أن أجواء المركز كانت مريحة جداً ومليئة بالمحبة، فشعرت أني ضمن أسرة”.

تؤكد السيدة الشويهدي أن “باب المركز مفتوح دائماً لتنفيذ شراكات مع مؤسسات أخرى سواء دولية أو محلية، للعمل معاً لتحقيق نفس الأهداف. فلولا الدعم الذي قُدّم لنا من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والسفارة الإيطالية في ليبيا لكانت المهمة أصعب”.

وتتابع: “عملنا أيضاً مع مؤسسات محلية مثل منظمة أطوار ومؤسسات دولية مثل منظمة الإغاثة الدولية، وبفضل ذلك استطعنا تحقيق نتائج رائعة، رغم قلة اهتمام الدولة بالمبادرات المشابهة. فقد تم تقديم الدعم النفسي لـ200 طفل تقريباً إلى حد الآن، من جميع المناطق المجاورة، وكان الهدف تعزيز شعورهم بالأمان وخلق الود والمحبة بينهم. كما تم تدريب 80 سيدة من مختلف المناطق، لكسر الجليد بينهن وإعادة السلام المجتمعي الإيجابي وخلق شركات في ريادة الأعمال وغيرها”.

وداعاً ليلى …

بفضل التدريبات التي شاركت فيها بيضاء في مركز طمينة وإصرارها على تأمين حياة أفضل لها ولعائلتها، بدأت تستعيد ثقتها بنفسها تدريجياً وتتعافى من الاضطرابات النفسية التي كانت تعاني منها.

لم تبدأ معاناة السيدة بيضاء مع الثورة الليبية، بل كانت جذورها قديمة وعميقة، تعود إلى الطفولة. فعندما كانت في المدرسة، كان زملاؤها يسخرون منها، زاعمين أنه لا يمكن أن يكون اسمها بيضاء وهي ذات بشرة سمراء. “تألمت جداً من هذا الموقف، وصرت أطلب من الناس أن يدعوني ليلى بدلاً من بيضاء”، تقول.

ولكنها أخيراً، تمكنت من إعلان اسمها الحقيقي على الملأ، بعد أن عاشت لسنوات باسم مستعار، يجنّبها الوصم والتعليقات العنصرية.

لم تعد هنالك حاجة للتخفي وراء اسم “ليلى”. صارحت الناس بأن اسمها الحقيقي بيضاء، وأن عليهم أن يخاطبوها به من الآن فصاعداً.

كذلك، تمكنت أخيراً من تأسيس مشروعها الخاص الذي لطالما حلمت به، والاندماج في المجتمع من جديد، ما منحها طاقة إضافية توظفها لمساعدة غيرها من النساء المتضررات.

“مع انتهاء التدريبات شعرت أنني إنسانة جديدة كلياً وقوية. قمنا نحن المتدربات بخلق شراكات مع بعضنا البعض، حتى أن إحدى السيدات من مصراتة أعطتني آلة خياطة لأعمل عليها، وأنا أساعدها في تسويق منتجاتها من الحلويات في تاورغاء”.

مكّنت آلة الخياطة بيضاء من إنشاء مشروعها الخاص في الحياكة والتطريز، بعد سنوات من التمني والانتظار، وتحقيق حد أدنى من الاستقلالية المالية والتوازن النفسي.

مكنني العمل من ادّخار بعض المال لأساعد به زوجي في توفير حاجيات أسرتنا الأساسية، ومع مرور الوقت استطعنا الانتقال للعيش في مكان خاص بنا خارج المدرسة التي كنّا نقيم فيها. بنينا منزلاً صغيراً جداً ومتواضعاً على أرض يمتلكها زوجي.

رغم أن سقفه مصنوع من صفائح الحديد وكان مرآباً للسيارات، إلا أننا كنا مرتاحين فيه، ولأول مرة منذ زمن طويل شعرنا بالاستقرار والاطمئنان… أنشأنا أيضاً مزرعة صغيرة للخضروات بجانب المنزل، توفّر لنا أساسيات الطعام”.

منذ عودة أهالي تاورغاء إلى منطقتهم، لم تسجَّل أي حالة اعتداء أو جريمة، ويعيش الناس في أمان في المنطقة المحيطة بهم.

“الآن بعد أن استقرّت حياتي من خلال مشروع الحياكة الصغير، أطمح إلى جعل المشروع أكبر، وإنشاء معمل خياطة، إضافة إلى بناء منزل لائق لعائلتي”، تقول بيضاء.

تحقيق الاستقرار صعب

خلال نفس الفترة، ورغم عدم تأسيس مركز للدعم النفسي والأسري في تاورغاء، بسبب قلة الدعم والاهتمام، كانت السيدة بركة بصفتها منسقة فريق الدعم النفسي الاجتماعي في المجلس المحلي لتاورغاء تعمل مع فريق على تنفيذ أنشطة مشابهة لبرامج مركز طمينة وبأهداف أخرى مثل المساعدة في إعادة توطين الناس الذين قرروا العودة للعيش من جديد في المنطقة ودعمهم للتأقلم والاستقرار، إضافة إلى تحفيز باقي الأهالي للعودة بدل العيش كلاجئين في المخيمات.

منذ بداية الأزمة التي مرّت على أهالي تاورغاء، لم تتوقف السيدة بركة عن مساعدة ودعم أبناء المدينة. كانت البداية عن طريق مبادرة مؤسسة الأسرة المنتجة التي تهدف إلى دعم اقتصاد العائلات التاورغية من خلال بيع وتسويق منتجات الحرف اليدوية التي تشتهر بها تاورغاء.

وقالت السيدة بركة: “مهمة تحقيق الاستقرار من جديد صعبة جداً وتحتاج إلى وقت ودعم كبير خاصة من الناحية النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فنسبة الأشخاص المضطربين نفسياً مرتفعة جداً، خاصة بين النساء والأطفال، بسبب ما مرّوا به خلال النزوح وفترة الحرب، ويحتاج الضحايا إلى الكثير من العمل لاستعادة توازنهم. يتم هذا من خلال جلسات الدعم النفسي، أو عن طريق محاضرات وأنشطة وبرامج اجتماعية نقوم بها داخلياً وبمجهود ذاتي، رغم عدم وجود مكان مخصص وبيئة تلائم البرامج التي نريد تقديمها”، مضيفةً: “لو توفّر هذا سيساعدنا كثيراً”.

تهتم السيدة بركة بنساء تاورغاء من خلال مساعدتهن على خلق فرص عمل أو إنشاء مشاريع ريادية أو صقل المواهب والحرف، مثل الصناعات التقليدية والحياكة والتطريز وغيرها، لرفع مدخولهن وتمكينهن من تأمين حياة كريمة لهن ولعائلاتهن.

ومؤخراً، اختارت السيدة بيضاء ضمن عدة نساء أخريات للمشاركة في مخيم تدريب مكثف في مجال الحياكة والتطريز، يقدّمه مختصون في تطوير القطاع الخاص وريادة الأعمال.

وقالت السيدة بركة: “كنت ولا زلت أتابع حياة بيضاء، فهي وأسرتها من أولى العائلات التي عادت إلى تاورغاء لتكافح وتستقر وتربّي أطفالها في أمان. تغيرت كثيراً منذ عودتها. كانت دائماً منطوية وخائفة، أما الآن، فتبدو قوية ومنفتحة جداً وتبتسم طوال الوقت، ودائماً تسألني إذا كان هنالك أحد يحتاج إلى مساعدة… هي تشعر جداً بمعاناة غيرها بحكم الحياة التي عاشتها، وتحاول جاهدة أن تساعدهم، وتُعتبر الآن شخصاً فعالاً في الفريق النسائي بتاورغاء”.

تمكنت السيدتان آسيا وآمال مؤخراً من تحقيق طموحاتهن بعد استقرار مدنهن. أنشأت الأولى نادياً رياضياً نسائياً، تستغله أحياناً لتقديم محاضرات توعوية تهم المرأة، بحضور جمع من نساء الجهة. أما الثانية، فقد افتتحت أول متجر لبيع الملابس في تاورغاء، مدفوعة بحرصها على توفير أساسيات العيش في المنطقة.

عندما تُفرّق الظروف بين جيران كانوا مترابطين جداً، يصعب إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه، ووضع نهاية للحقد والكره يحتاج إلى عمل طويل وكل قصة نجاح تشكّل بقعة ضوء، ولو صغيرة.

نستطيع اليوم أن نرى نساء من أبناء المنطقتين أنشأن مشاريع ربحية صغيرة مشتركة وعلاقات صداقة قوية أدّت إلى تفعيل مبادرات تُعزّز السلام.

ولكن عودة الأمور إلى طبيعتها لا تزال تحتاج إلى الكثير من الجهود. من أصل 49 ألف نسمة هم عدد أبناء تاورغاء حالياً، نجح فقط 15 ألفاً في العودة والاستقرار، بعد مرور عامين على ميثاق المصالحة.

فبالرغم من تأكيد المجلس المحلي للمدينة عودة أهم الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن ليستقر في المدينة، إلا أن الدمار الكبير الذي لحق بمنازل المواطنين يمنع الكثيرين من العودة، فكثيرون لا يمتلكون القدرة على إصلاح منازلهم بجهود ذاتية.

بعد الثورة والحروب… الكورونا

حالياً، خدمات مركز طمينة شبه متوقفة. فمنذ إعلان منظمة الصحة العالمية أن فيروس كوفيد-19 تحوّل إلى وباء عالمي في آذار/ مارس 2020، أعلنت ليبيا مثل باقي دول العالم جملة من الإجراءات الاحترازية، منها فرض حظر تجوّل ومنع الاختلاط الاجتماعي، ما أدى إلى إيقاف البرامج في مركز طمينة.

“أساليب التدريب التي نقدّمها تعتمد بشكل أساسي على الاختلاط والتواجد المباشر أمام المدرب ويصعب استعمال أساليب أخرى مثل التدريب عبر الإنترنت لعدة أسباب”، تقول السيدة الشويهدي، وتضيف: “للأسف، الخوف من انتشار فيروس كورونا وضرورة اتّباع الإجراءات الوقائية جعلت مهمتنا صعبة، فقد استقبلنا خلال الفترة الماضية العديد من الطلبات من أشخاص يرغبون بالاشتراك في برامج المركز”، وتتابع: “إذا استمر هذا الحال سيؤثر سلباً على المجتمعات التي تسعى نحو الاستقرار والتغيير”.

*أنجز هذا التحقيق بدعم من مؤسسة كانديد، ضمن برنامج المنحة الصحافية للعام 2020.

*شكر خاص للجان المصالحة في تاورغاء ومصراتة، فريق السلام النسائي تاورغاء-مصراتة، مؤسسة أطوار للأبحاث والتنمية المجتمعية، ووحدة التواصل والإعلام في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا.

***

مالك المغربي ـ صحافي ومصور وصانع أفلام وثائقية مستقل مقيم في ليبيا، ويعمل منذ 2017 صحافياً استشارياً مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا.

____________