بقلم بلال التليدي

ثمة سؤال محير يُطرح بخصوص السياسية الأمريكية تجاه الإسلاميين، وهل سيقع تغير فيها في عهد الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، أم ستبقى محكومة بنفس الأطر السياسية التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟

وهل ستعيد إنتاج محددات إدارة أوباما في التعامل مع الإسلاميين، أم أن لبايدن تصوراً جديداً لهذه السياسة؟

دواعي هذا السؤال كثيرة، منها حالة الترقب التي تعرفها بعض المحاور الإقليمية التي تواطأت مع سياسة ترامب، واستثمرت عدم وضعه محدد الديمقراطية في حساباته، فبنت سياسة إقليمية ترتكز على مواجهة تيار الإسلام السياسي، بل ومواجهة منطق التحولات السياسية في الوطن العربي. ومنها أيضاً، حالة الارتياح لدى بعض تيارات الإسلاميين، التي خلفها فوز جو بايدن في الانتخابات الأمريكية، بل امتدت حالة الارتياح للقوى السياسية التي تعاني واقع انسداد النسق السياسي.

مؤكد أن هناك اختلافاً في التعاطي مع السياسة الأمريكية، لكن هذه السياسة، لا تبنى وفق هذه الأمزجة، بل لا تخضع بالمرة لنمط ومحددات، يمكن الاطمئنان معها، إلا أن وصول الديمقراطيين سينتج عنه انفراج في السياسة الأمريكية تجاه الإسلاميين، أو أن بقاء الجمهوريين في إدارة البيت الأبيض يعني استمرار نفس السياسة التي لم تكن تعير التحولات السياسية والديمقراطية أدنى اعتبار في تكييف المصلحة القومية الأمريكية.

الذين يستبشرون، والذين ينزعجون، من وصول جو بايدن إلى الإدارة الأمريكية، يشترك موقفهم في شيء واحد، هو اعتبار لحظة أوباما معيارية، من وحيها، يتم تقييم السياسة الأمريكية تجاه التحولات السياسية، واتجاه إدماج الإسلاميين.

فهؤلاء جميعاً، يحملون في ذاكراتهم ومخيلاتهم لحظة الربيع العربي، بكل تحولاتها ومخاضاتها، وبشائرها ومخاطرها، لكنهم يتغافلون عن شيء مهم، هو أن السياسة الأمريكية لدعم التحولات السياسية في العالم العربي، لم تبدأ في عهد الديمقراطيين، وإنما بدأت في عهد الجمهوريين، وأن مبادرة ترقية الديمقراطية، جاءت عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أي في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.

صحيح أن الجمهوريين اشتغلوا على فك معضلة الإسلاميين، وطرحوا سؤال أفق التحولات السياسية، والجهة التي يمكن أن تستفيد منها، وما العمل في حالة صعود الإسلاميين، واشتغلوا على توفير أجوبة لمنع هذا السيناريو، من ذلك العمل على تقوية التحالفات مع القوى الليبرالية، أو تنشئة حلفاء جدد، أو الرهان على الفعل المدني ذي الطبيعة العلمانية والحقوقية، ودعم حرية الإنترنت، وغيرها من الخيارات، لتجنب الوقوع في معضلة وصول الإسلاميين إلى الحكم.

في حين، لم يكن الديمقراطيون في هذه الفترة، يفعلون أكثر من إزاحة الشكوك وتبديدها، والإقناع بإمكانية التعامل مع الإسلاميين، وأن ذلك لن يغير في شيء من المصالح الأمريكية، بل على العكس من ذلك، فإن ذلك سيشجع على تحول الإسلاميين وعلمنة سلوكهم، بالشكل الذي سيفقدهم قواعدهم الانتخابية التي تعاقدت معهم لاعتبارات مرجعية وعقائدية، كما سيقلص من توسع الظاهرة الإرهابية أو العنفية، وسيحقق أعلى منسوب من المصالح الأمريكية في المنطقة.

في المحصلة، ما يستخلص من هذه المحاججة، أن السياسة الأمريكية لدعم التحولات السياسية، لم تكن ديمقراطية، ولا جمهورية، وإنما كانت أمريكية خالصة، وأن جهد الجمهوريين أو الديمقراطيين، هو محاولة إحداث تعديلات، لا تمسّ بالنسق والتوجه العام لهذه السياسة، وأن ما يحكم هذه السياسة في البدء والمحصلة، هو المصلحة الأمريكية الصرفة.

نعود الآن لطرح سؤال السياسة الأمريكية تجاه الإسلاميين، لنخلص إلى ما كان يحكم إدارة أوباما، ليس هو دعم التحولات السياسية وإدماج الإسلاميين، بل ما كان يحكمه، هو مصلحة أمريكا التي اقتضت في تلك المرحلة أن ترتبط بسياسة دعم التحولات وإدماج الإسلاميين.

وأن السؤال اليوم ينبغي أن يعاد صياغته بشكل يبحث موقع الإسلاميين في تقدير صناع القرار السياسي الأمريكي للمصلحة الأمريكية، وهل بقي الوضع على ما هو عليه، أم حدثت تحولات ومتغيرات في السياسة، أعادت تعريف السياسة الأمريكية بالشكل الذي لم يعد فيه الإسلاميون جزءاً من ماهيتها؟

ما من شك أن وضع الإسلاميين في اللحظة التي أمسك فيها أوباما السلطة، كان يتميز بسمات عامة، لا تتخلف إلا في حالات محدودة، فالحركات الإسلامية كانت تمثل القوة السياسية الأولى في المشهد السياسي العربي، والاستثناءات التي شذت عن هذه القاعدة، تخص الدول التي تعيش حالة الانسداد السياسي المطلق (تونس، سوريا، ليبيا).

كما عرفت فترة أوباما، التي امتدت لدورتين رئاسيتين، أوج توسع الجماعات الإرهابية، وتحول بنيتها وتكتيكها، وامتداد النطاق الجغرافي لأهدافها، فضلاً عن تبلور تقييم أمريكي، يقدر أن النظم السياسية الاستبدادية العربية لم تعد قادرة على تأمين المصالح الأمريكية، وأن هذه المصالح أضحت مهددة بفعل توسع الظاهرة الإرهابية، وعدم قدرة  هذه الأنظمة على إنتاج سياسات اقتصادية واجتماعية تقضي على المحددات التي تغذي هذه الظاهرة.

اليوم، تغيرت الخارطة كثيراً، فالإسلاميون، باستثناء حالة المغرب التي تعيش في مربع التدبير الحكومي، وتونس الذي خرجت منه، لكن لا تزال ضمن البنية السياسية، باستثناء هاتين الحالتين، فأغلب التجارب إما تعيش وضعاً منسداً (مصر)، أو تعيش حالة عدم استقرار سياسي (اليمن وليبيا)، أو تعيش تراجع موقع الإسلاميين في المعادلة السياسية (تراجع موقعهم في الجزائر بسبب الحراك، تراجعهم في العراق بسبب تراجع عام للسُّنة في البنية السياسية، تراجعهم في الانتخابات الأردنية، وانحسار مشروعهم السياسي في السودان).

في المقابل، تراجعت أيضاً مؤشرات الظاهرة الإرهابية، ووقع انكفاء كبير على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والصحية بسبب جائحة كورونا، وبرزت محاور أخرى في السياسات الدولية، أصبحت أكثر أهمية من قضية الديمقراطية ودعم التحولات السياسية.

فثمة اليوم صراع على مصادر الطاقة، أعاد النظر في كل المحددات التحالفية، فاختطت في الحساسات الاستراتيجية الأمريكية، المخاطر التي تشكلها إيران، مع المخاطر التي تشكلها تركيا، بالشكل الذي أصبح فيه التوقع، بأن السياسة الأمريكية الجديدة، يمكن أن تتجه لتبئير الصراع مع تركيا، وتطويق مساحته مع إيران، ضمن حسابات مدروسة.

الخلاصة، أن السياسة الأمريكية الجديدة التي ستنتهجها إدارة جو بايدن تجاه الإسلاميين لن تكون محكومة بمنطق السياسة العامة التي تنحسب على كل الإسلاميين، وإنما سيتم التعامل مع كل حالة على حدة، بحسب المحددات التفصيلية للمصلحة الأمريكية في كل بيئة سياسية، وأنه بسبب هذا التوجه يمكن أن نتوقع عدم انسجام هذه السياسة، وربما تناقض مفرداتها، بين سياسة تصبّ في مصلحة الإسلاميين هنا، وسياسة قد تعاكس تطلعاتهم هناك.

بناءً على هذا التقدير، لا يستبعد أن يستفيد إسلاميو البيئات السياسية المنسدة (مصر تحديداً)، فالمصلحة الأمريكية على المدى المتوسط والبعيد، لن تكون مأمونة باستمرار نظام عبدالفتاح السيسي، إلا إن استبق الأمر، واتخذ خطوات في اتجاه الانفراج السياسي على الأقل في بعده الحقوقي.

كما أن استمرار بعض المحاور الإقليمية في اللعب الطويل باستثمار ورقة مواجهة تيار الإسلام السياسي، لن يطول كثيراً، وقد يكون من الممكن أن تشهد المنطقة تحولات في الموقع، في ضوء السياسات الجديدة التي ستنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه بعض دول الخليج (السعودية تحديداً)، إذ لا يستبعد في حالة مضيّ جو بايدن في اتجاه إبرام اتفاق نووي مع إيران، أن تتجه السعودية إلى تصحيح علاقتها بتركيا، وتجميد ورقة استهداف الإسلاميين إلى حين.

بكلمة، لن تكون السياسة الأمريكية تجاه الأمريكيين لوحة موحدة تُحكَم بنفس الأزرار، بل سيكون بعضها محكوماً بالمصلحة الأمريكية المناسبة لكل بيئة سياسية، وسيكون البعض الآخر، متكيفاً مع المتغيرات التي ستحدث جراء سنّ سياسات أخرى في المنطقة.

وستبقى مصر، منطقة الثقل الاستراتيجي، محكومة بمنطق حذر، تزاوج فيها السياسة الأمريكية بين الضغط السياسي والحقوقي، وبين مراقبة الكسب السياسي المتوقع من قبل الإسلاميين، وردود الفعل الإسرائيلية.

***

بلال التليدي ـ كاتب ومحلل سياسي مغربي

_____________