بقلم علي عبداللطيف اللافي

كل الليبيين وبغض النظر على انتماءاتهم الفكرية والسياسية وتوجهاتهم سواء أنصار ( ديسمبر ـ سبتمبر ـ فبراير)، يبحثون عن حل وهو جميعا قد ملّوا المناكفات والتباينات والصراعات مثلما ملّوا الحروب والمعارك ولغة البنادق.

الليبيون يُريدون انهاء المرحلة الانتقالية رغم مفترق الطرق الذي أدت اليه التطورات الأخيرة ومسلسي “التمطيط” و”الارجاء” وتغيير الاشكال والتفاهمات واللقاءات وتعدد المسارات وصولا للإعلان عن النية في تشكيل لجنة قانونية من قبل البعثة لاختيار أسماء السلطة التنفيذية خاصة في ظل تأكيد البعثة منذ يومين أنه “لا رجوع للخلف وان العملية السياسية متواصلة وأنه لا تراجع عن موعد الاستحقاقات الانتخابية” في ما نفى عضو لجنة الحوار السياسي “عبدالرزاق العرادي” سيناريو بقاء السراج.

وكل ذلك يطرح تساؤلات عدة على غرار أي رهانات مستقبلية، وأي تحديات جسام أمام المبعوث الاممي الجديد أي البلغاري “نيكولاي ملادينوف”، وأيُّ آمال وأيُّ عقبات في ظل إنجاز وحيد متفق عليه للبعثة منذ نهاية مايو الماضي، وهو تأبيد وقف اطلاق النار وكل شيء ما عدا ذلك فقابل للنقض والارجاء والتغيير والتبديل؟

تأكيدات “وليامز” في اجتماع 15 ديسمبر

عقدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة “ستيفاني وليامز”، أول أمس الثلاثاء 15 ديسمبر اجتماعاً لملتقى الحوار السياسي الليبي عبر تقنية الاتصال بالفيديو، حيث أفادت بأن الاجتماع جاء لاطلاع أعضاء الملتقى على نتائج التصويت على مقترحين بشأن إيجاد نسبة توافقية للتصويت على آلية اختيار السلطة التنفيذية.

وأيضا لاطلاعهم على خطط البعثة للمضي قدماً في تنفيذ كافة نقاط خريطة الطريق التي تم التوافق عليها في تونس الشهر الماضي، كما أكدت أن العملية السياسية مستمرة وخاصة فيما يتعلق بإيجاد سلطة تنفيذية موحدة وأيضا فيما يخص التحضيرات اللازمة لإجراء الانتخابات في موعدها في 24 ديسمبر 2021.

وفي ذلك السياق أعلنت ستيفاني عن عزمها القيام بتشكيل لجنة استشارية من أجل تذليل العقبات أمام عملية اختيار السلطة التنفيذية، منوهةً إلى أن البعثة مصرّة على السير بعزم في هذه العملية، وأنه لا مجال لإضاعة الوقت وتمييع الاستحقاقات التي تم التوافق عليها في خارطة الطريق، كما أعلنت عن عزم البعثة على تشكيل لجنة قانونية من أعضاء لجنة الحوار للعمل على استكمال الشروط وتمهيد الطريق أمام العملية الانتخابية، علاوة على نيتها عقد اجتماع للجنة مطلع العام المقبل.

واختمت الممثلة الخاصة بالإنابة قائلةً: “إنني ملتزمة بالكامل، وقد غادر القطار المحطة بالنسبة إلى هذا المسار، ولم يعد من مجال للعودة إلى الوراء. التوقعات عالية على المستوى الدولي، لكن الأهم أنها عالية أيضاً لدى الشعب الليبي، دعونا لا نخذلهم، لنكن اذكياء ومتطلعين إلى المستقبل، ولنعمل معاً”.

ليبيا في نهاية 2020 ومفترق الطرق المعقد والملغم

خلال الأيام الماضية ملَّ الليبيون شعبا ونُخبا من سياستي أو بالأحرى مسلسلي “الارجاء و التمطيط”، وأصبح هناك يقين أن هناك أكثر من تعثّر وان حالة انسداد المسار السياسي ماضية ومستمرة حيث لم تقتصر ملامح التعثر على هذا المسار وحده – أي السياسي- فهي قد امتدت أيضا للمسار العسكري وبقية المسارات (قابلية الامتداد للمسارين الاقتصادي والدستوري) وكلا المسارين الأخيرين فيه نقاط تجاذب وتباين بين طرفي الصراع رغم انطلاق المحادثات الاقتصادية أول أمس الثلاثاء في جنيف.

إرجاء وتمطيط وتعثرات للحوار السياسي وتلويح بالانسحاب

حوالي ثلاثين عضواً لَوّحوا بداية الأسبوع الجاري بالانسحاب من المفاوضات احتجاجاً على مقترح البعثة -الذي ينص على خفض نسبة التصويت داخل الملتقى وخلق نصاب جديد لتمرير آلية اختيار شاغلي السلطة التنفيذية المقبلة- وطالب الأعضاء المحتجون في بيان لهم بـ “توقف البعثة عن اتخاذ أي خطوة بشأن المقترحين الأخيرين، أو التعديل على آلية التصويت المتفق عليها سابقاً”، مؤكدين أن “المضي في هذا النهج، قد يجعل من الاستمرار في الحوار أمراً غير ذي جدوى”، ملوحين بالانسحاب، وفقاً للبيان.

وأفادت مصادر من الحوار السياسي الليبي بأن البعثة الأممية في طريقها للتراجع عن آلية التصويت الجديدة “50+1” من كل منطقة، بعد ارتفاع عدد الرافضين لمقترح البعثة بشأن تغيير نصاب التصويت إلى 34 عضواً، ما يشكل تهديداً حقيقياً بإيقاف الحوار، لعدم اكتمال النصاب القانوني للتصويت.

تهديد جديد للمسار العسكري

في المسار العسكري أيضا ورغم التفاهمات المنجزة وتسمية اللجنة بلجنة العشر بديلا عن لجنة 5 زائد 5، فان البعض اعتبر ان وزير الدفاع المفوض في حكومة الوفاق “صلاح النمروش” قد أدار ظهره إلى الاتفاق الموقع بين اللجنة العسكرية الممثلة لحكومته ونظيرتها من الشرق الليبي ذلك أن تصريحاته المحذرة في أكثر من قناة أجنبية خلال الأيام الماضية ثم وكما هو معلوم توقيعه اتفاقية عسكرية جديدة مع باكستان، هي الثانية من نوعها في ظرف شهر واحد، بعد توقيع اتفاقية مشابهة مع إيطاليا، للتعاون في المجالات العسكرية.

وذلك يعد حسب البعض مخالفةً لنصوص بارزة وصريحة في تفاهمات العسكريين، الموقعين في جنيف وغدامس، حتى أن البعض اعتبرها استفزازات ترمي لتعكير الأجواء وإفشال المسار العسكري، ولكن الثابت انها ليست من طرف واحد ذلك ان التحشيدات والمناورات والاستفزازات التي تقوم بها قوات حفتر لم تتوقف أصلا بل زادت وتيرتها وهي ما يعني ان التهديدات للمسار العسكري وان بقيت متحكم فيها فإنها موجودة وقابلة للتوظيف لإرباك تراكمي للعملية التفاوضية برمتها.

تعدد العوامل وعقدة حوارات (2017-2018) تتكرر مجددا واشكالات التواصل تُعقد الأمور

عُقدة حوارات 2017 – 2018 في ضواحي العاصمة التونسية تعود لسطح الاحداث حيث واجهت يومها لجنة الحوار (وفدي مجلس “النواب” و”المجلس” الأعلى) بشأن نقطة تقليص أعضاء “الرئاسي” من تسعة إلى ثلاثة أعضاء، وأيضا استحداث منصب رئيس للحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية” واسعة الصلاحيات.

ومعلوم أن المشكلة التي واجهت ممثلي المجلسين هي فعليا أزمة التوافق على آلية الترشح للمناصب أو اختيار الأعضاء، وبعدها انفرط فعليا عقد الحوار، لتهاجم قوات “حفتر” في نهاية 2018 بعض مدن الجنوب ثم لينقضّ “حفتر” على كل المفاهمات بما فيها مفاهمات “ابوظبي2” الموضوعة يومها على مقاسه ويقدم على الاعتداء على جنوب العاصمة صبيحة 4 أبريل 2019، والثابت أنه لابد من التحذير من فشل الحوار السياسي لأن الترتبات ستكون خطيرة بل أن الانعكاسات قد تكون دامية حال الدخول في حرب.

إن التواصل عن بعد عبر جلسات افتراضية والمعتمد من البعثة الأممية، كرّس التعثر وعمليات الارجاء وأسهم في تباعد وجهات النظر ولم يفلح في أي تقدم رغم طول المدة (23 نوفمبر-14 ديسمبر) بينما ساهمت الجلسات المباشرة في ضاحية قمرت التونسية في قطع خطوات كبيرة رغم قصر المدة (9-15 نوفمبر)، والدليل الثاني يتمثل في أن الحوارات التي تمت في جلسات مباشرة في المسارين الاقتصادي والعسكري عرفت تقدم مطرد ونجاحات كبيرة.

عوامل أخرى عديدة أسهمت في تعقيد المفاوضات حيث كرّست عقلية الصراع على السلطة بين الفرقاء والكيانات القائمة، وذلك عبر تحريك وتغذية صراع دائر منذ حوالي سبع سنوات ذلك أن أطراف عديدة تعمل بأشكال مختلفة لتقويض الحوار حين يسير في اتجاه يخالف أطماعهم ورغباتهم.

وبالتالي هم – ومُشغّليهم – بالمرصاد لأي نجاحات والدفع نحو الدائرة المفرغة ذاتها بل والعمل أن تفقد كل التفاهمات السابقة في المسارات الأخرى قيمتها الحقيقية والتي ابتهج الجميع بها في وقت سابق.

مبعوث أممي جديد وآمال عريضة في نجاح مرتقب للمسار السياسي في يناير المقبل

مساء الثلاثاء 15 ديسمبر الحالي، وافق مجلس الأمن الدولي على تعيين البلغاري “نيكولاي ملادينوف” مبعوثا أمميا جديدا وهو شخصية معروفة على المستوى الدولي، حيث شغل عضوية البرلمان الأوروبي بين عامي 2007 و2009، بل وكان ضمن الوفد الأوروبي إلى كل من العراق وأفغانستان والأراضي الفلسطينية المحتلة.

تولى ملادينوف منصب وزير الدفاع في بلده بلغاريا من يوليو 2009 إلى يناير 2010، كما تولى حقيبة وزارة الخارجية بين سنتي 2010 إلى 2013، قبل أن يتم تعيينه ممثلا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة بالعراق في أغسطس 2013، ثم منسقا خاصا لعملية السلام في الشرق الأوسط في فبراير 2015، وقد سبق للدول الافريقية رفض تسميته خلفا لسلامة في سبتمبر الماضي.

ومعلوم أنه كان يشغل خلال الفترة الماضية منصب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط إضافة الى أنه راج بشأنه منذ أسابيع أنه قد يكون مستقبلا رئيس لحكومة بلاده.

من جهة أخرى انطلقت الثلاثاء المحادثات الاقتصادية برعاية بعثة الأمم المتحدة في جنيف، لإقرار إصلاحات اقتصادية وقد ترأست المحادثات كل من “مصر” و”الاتحاد الأوروبي” و”الولايات المتحدة” وتم بحث آليات واستراتيجيا تلبية حاجات الليبيين وكيفية إقامة ترتيبات اقتصادية أكثر استدامة بهدف دعم الاقتصاد الليبي المتعثر، وفعليا ضم الاجتماع ممثلين عن فرعي المصرف المركزي ووزارة المالية وديوان المحاسبة والمؤسسة الوطنية للنفط، فضلاً عن أعضاء لجنة الخبراء الاقتصادية الليبية.

تم التركيز في الاجتماع أكثر على مناقشة إصلاح العملة والأزمة المصرفية وتوحيد الميزانية إضافة إلى تحديد جدول زمني لتنفيذ الإصلاحات. وقد جاءت المحادثات أعلاه جاءت بعد خطوات استئناف إنتاج النفط بشكل كامل مع التحفظ على الإيرادات التي تحصلت عليها المؤسسة حتى الآن لحين إحراز مزيد من التقدم نحو ترتيب اقتصادي أكثر ديمومة.

وقال بيان صادر على المحادثات في جنيف أن “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تواصل تسيير عمليتي المراجعة المالية الدولية لحسابات فرعي المصرف المركزي، التي وصلت إلى منتصف الطريق تقريباً”، واصفاً إياها بـ”العملية الحيوية الهادفة إلى تيسير إعادة توحيد المصرف ووضع آليات وطنية للمساءلة بشكل كامل”، ومن جانبها، قالت وليامز “آمل بصدق أن يتم التوصل خلال اليومين المقبلين لاتفاق على خطوات ملموسة بشأن قضايا إصلاح العملة، وأزمة تسوية الصكوك، والأزمة المصرفية بشكل عام، وتوحيد الميزانية، ووضع جدول زمني واضح للإجراءات التي يتعين اتخاذها لتنفيذ هذه الإصلاحات”. منوهةً إلى أن “الوقت ليس في صالح الليبيين، ونحن بحاجة إلى التحرك بسرعة، وحسم هذه الخطوات المهمة خلال اليومين المقبلين”.

في سياق متصل من المنتظر أن يباشر المبعوث الجديد مهامه بعد أسابيع حال اكمال “وليامز” لخطواتها الأخيرة في الحوار السياسي، وهو ما يعني آمالا عريضة يعقدها الليبيون في أن يتم ترتيب خارطة طريق تسمح لاحقا بإدارة “البلغاري” لفريقه والوصول بالليبيين للاستحقاقات الانتخابية المقررة في 24 ديسمبر2021 .

المطلوب من “ستيفاني” أولا وخلال الأيام القادمة تفكيك بقية الألغام في طريق التفاهمات وإنجاز عملية الترابط بين المسارات الأربع (العسكري – الاقتصادي – السياسي – الدستوري) والتوافق على أسماء شاغلي السلطة التنفيذية ( رئيس حكومة ونائبين له وأعضاء ثلاث للمجلس الرئاسي) إضافة الى تكريس دورية انعقاد مجلس النواب موحدا، ثم تماهيه ثانيا مع “المجلس الأعلى للدولة”.

وبعدها سيكمل البلغاري إدارة فريقه المتكون من 200 موظف أممي، لتسهيل خطوات توحيد المؤسسات على الأرض والمضي في تهيئة الظروف الموضوعية لإنجاز الانتخابات بشقيها الرئاسي والتشريعي.

وقبل كل ذلك تقديم الخدمات اليومية لليبيين حتى يستعيدوا الثقة بأجهزة دولتهم ويؤمنون فعليا بوحدة بلادهم الترابية والسياسية ومن ثم الاستفادة بثرواتهم والتي حاول البعض ويحاول أن يحولها الى لعنة عليهم، وأن تسهم تلك الثروات في تنمية ليبيا والرقي بشعبها لا أن تمر أموالها وعائداتها عبر قنوات لأطراف خارجية وإقليمية وهو ما حدث منذ أكثر من خمس عقود مضت.

الليبيون لهم آمال كبيرة وعريضة ولكنهم واعون أن الصراع في بلادهم ما هو الا حرب بالوكالة تُغذيها وتُديرها أطراف إقليمية خادمة لسياسات قوى ومحافل دولية وشركات عابرة للبلدان والقارات، تسعى أولا وأخيرا لنهب ثرواتهم وتحويل كل ليبيا إلى جسر ومعبر وممر يسير للعمق الافريقي، وهو ما يعني أن تحديات جسام ستكون أمام حكومة الوحدة الوطنية المرتقبة والتي ستتعدد أمامها المطالب مما سيضطرها أن تعمل بالتوازي على جبهات ومسارات عدة.

لا شك أن المبعوث الاممي سيجد نفسه في وضعية ان يكون “كوبلر2” وأن “وليامز” التي سيخلفها ما هي الا “ليون 2″، فهي خطّطت وخطّت وخاطت ملامح المرحلة القادمة في ليبيا بكل التفاصيل وأرست مفاهيم ومفاهمات ووقائع وملامح الحكومة والمؤسسات وحددت الأسماء والمسميات مثلها مثل “ليون” سنة 2015، وهو – أي البلغاري- سيشرف عمليا على التنفيذ وسيبقى له طبعا مساحة ضيقة لوضع بصماته الشخصية ولو تنفيذيا.

***

علي عبداللطيف اللافي ـكاتب ومحلل سياسي وباحث مختص في الشؤون الافريقية

___________

المصدر: جريدة الراي العام