جميع الثورات العربية تبدو أنها متشابهة إلى حد بعيد رغم خصوصية كل منها في الأحداث التفصيلية. وحاولت قوى الثورة المضادة في كل بلد أن تخلق جوا تسوده الاضطرابات والانقسامات، ليتهيأ لها الأمر للانقضاض على الثورة، وهذا ما حدث في معظم الثورات.

الجزء الثاني

مطالب موحدة

تشابهت الأوضاع السياسية والاقتصادية بين بلدان الربيع العربي، فـمن استبداد بالحكم وتنكيل بكل المعارضين، مرورا بأوضاع اقتصادية منهارة تئن تحت وطئتها الشعوب، إلى تزاوج بين المال والسلطة أفضى إلى الفساد ونهب الثروات .. هذه الأوضاع المتشابهة قادت إلى أن تكون مطالب الثوار موحدة باختلاف بلدانهم. فرغم أن شعارات الثورات كانت مختلفة في كلماتها، إلا أن جوهرها ومضمونها كان واحدا.

في مصر، رفع الثوار شعار “عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية”. وفي تونس كان أحد الشعارات الأبرز في الثورة هو “شغل، حرية، كرامة وطنية”. وبالطبع، فإن هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام” كان أحد الهتافات الرئيسية التي نادى بها الثوار في البلدين.

هتافات الثورة هنا وهناك لخصت كل مآسي الشعبين وآمالهم في المستقبل كذلك، وكان بينهما تماثل إلى حد بعيد، وهذا مفهوم في سياق أن الواقع الذي قامت عليه الثورتان متشابه.

أما في ليبيا، فلم تختلف مطالب ثوارها عن تونس ومصر، فـبعد أسبوع على اندلاع الثورة بث المنسق العام لائتلاف الثورة عبد السلام المسماري في 22 فبراير/شباط 2011 بيانا أسماه “بيان انتصار ثورة 17 فبراير المباركة” عبر إذاعة “صوت ليبيا الحرة “، ولخص فيه أهداف تلك الثورة في 5 نقاط هي: بناء دولة ليبيا الموحدة الحرة المدنية الكاملة السيادة، ووضع دستور يستمد شرعيته من إرادة الشعب وثورة 17 فبراير المظفرة، ويستند إلى احترام حقوق الإنسان وضمان الحريات العامة.

كما تضمنت أهداف الثورة المعلنة الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، وبناء المؤسسات الوطنية على أسس تكفل المشاركة الواسعة والتعددية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة، وحق التمثيل لكل فئات وشرائح الشعب الليبي.

وشملت أيضا التأكيد على وحدة الشعب الليبي والتراب الوطني وتماسك نسيجه الاجتماعي، واحترام كافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية أسوة بأعضاء المجتمع الدولي، وحماية وصيانة أرواح وممتلكات كل الموجودين على أرض ليبيا من مواطنين وأجانب.

وفي اليمن، ظهرت الشعارات في بداية الثورة اليمنية كأنها استفادت كثيرا ونهلت من ثورة الشباب المصرية وشعاراتها، وخصوصا بعدما سهل الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي وصول تلك الشعارات إلى الثورات اللاحقة. أُخذت الشعارات من ثورة النيل في البداية كما هي، دون تعديل، باستثناء الأسماء المصرية وإبدالها بأسماء يمنية كي تناسب الحالة الخاصة بها، ثم ما لبثت شعارات الثورة اليمنية أن تطورت حتى أخذت شكلها الخاص مع تقدم عمر الثورة، فطُعّمت الشعارات بنكهة محلية يمنية.

كان من أهم الشعارات المشتركة بين الثورتين هو “الشعب يريد إسقاط النظام”. ومن حيث مطالب الثوار، كان شباب ثورة 11 فبراير يطمحون إلى رحيل صالح من السلطة، وإقالة أفراد عائلته والمقربين منه من مناصبهم العسكرية الحساسة، وأن يتم إصلاح قانون الانتخابات، وأن تكون هناك ديمقراطية حقيقية تضمن تكافؤ الفرص. ولا يخفى في ذلك من تماثل وربما تطابق مع الثورات العربية الأخرى.

وفي الحالة السورية، جرى التأسيس للثورة حول مطالب وشعارات وطنية جامعة لكافة الفئات، تمحورت حول الكرامة والحرية، إضافة إلى مطالب اجتماعية، وتجاوز التحريض والنزعات الطائفية، وصولا إلى المطالبة بإسقاط النظام.

كان شعار “الشعب السوري ما بينذل” واضحا خلال مسيرات الثوار. كما بات شعار “الله سوريا حرية وبس”، يكمل ثنائية الكرامة والحرية، بوصفهما مركبا التأسيس للثورة السورية، ومع ازدياد الدم المسفوك بدأت تظهر شعارات مطالبة بالقصاص كما في هتاف “الشعب يريد إعدام بشار”.

ما يؤكد وحدة الأوضاع ووحدة المصير بين البلدان العربية هو أن التشابه في الشعارات والأهداف لم يكن موجودا في ثورات 2011 فقط، بل جاءت الموجة الثانية التي شهدتها ثورات الربيع العربي في الجزائر والسودان ولبنان والعراق عام 2019 لتحمل ذات المطالب أيضا، ونفس المضمون الذي حوته شعارات الموجة الأولى في 2011.

في الجزائر، حضر هتاف “يسقط كل العسكر”، وجاء الثوار الجزائريون بهاشتاج وشعار “يتنحاو قاع”، أي  بمعنى “يسقطون جميعهم”، والذي استلهمت منه الثورة اللبنانية شعارها “ينقلعوا كلهم”، فيما كان شعار “كلن يعني كلن” وجها آخر للهاشتاج الجزائري “قاع سي قاع”، وللشعار المصري “الشعب يريد إسقاط النظام”.

أما في العراق فاستخدم المتظاهرون شعار “شلع قلع” للدلالة على الرغبة باقتلاع شيء ما من جذوره، أو للدلالة على فعل ثوري حقيقي لا يستثني أحدا.

وفي السودان كان أشهر شعار احتجاجي هو “تسقط بس”، ووجد كتّاب سودانيون أن الشعار اختزل في دلالته التأويلات الثورية السياسية والشعبية، وتمكن من إيجاز المطالب السودانية في كلمتين فقط.

ووصف أحد الكتاب السودانيين هذا الشعار بـ”الطاقة الأكثر تعبيرا عن مخزون صاف للغضب والحزن والمرارة”، فقد كان كفيلا بالتعبير عن الرغبة في التغيير الجذري، والمطالبة بإسقاط الحكومة جميعها دون شروط.

تشابه وسائل المستبدين

الوحدة التي أبدتها الشعوب العربية في ثورات الربيع العربي من حيث المطالب والشعارات، قابلتها وحدة من الحكام المستبدين أيضا في وسائلهم لاحتواء الانتفاضات الشعبية ضد حكمهم.

تنوعت أساليب النظم العربية الاستبدادية من استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، مرورا بإلقاء الخطابات العاطفية للتأثير على طوائف الشعب المختلفة، وصولا إلى تقديم تنازلات للثوار بعد فوات الأوان وتصاعد سلم المطالب الشعبية.

في مصر، قتلت قوات الأمن خلال الـ18 يوما من ثورة يناير ما يقرب من 1075 متظاهرا في 22 محافظة مختلفة في وقائع مختلفة، وأصابت 1588 فردا آخرين. وخرج مبارك على الشعب بخطاب يركز على عواطفه قال فيه: ” “أريد أن أختتم عملي من أجل الوطن بما يرضي الله والشعب، وبما يضمن تسليم رايته ومصر عزيزة وقوية، بما يحفظ الشرعية ويحترم الدستور”، بعدما ذكَّر الشعب بأنه “يعتز بما أمضاه من سنين في خدمة مصر وشعبها”.

تزامن ذلك مع تنازلات قدمها النظام كإقالة الحكومة وتعيين حكومة جديدة كلفها بالتجاوب مع مطالب الشباب، كما عين مبارك نائبا له (الراحل اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة وقتها) وكلفه ببدء حوار وطني مع القوى السياسية المختلفة، وأكد عدم نيته الترشح لولاية رئاسية جديدة.

كذلك أعلن بدء مناقشة تعديل المادتين 76 و 77 من الدستور، المتعلقتين بالفترات الرئاسية. لكن كانت تأتي كل خطوات من هذه الخطوات بنتائج عكسية نظرا لأن هذه القرارات لم تأت في توقيتها المناسب، حيث لم يعد يرض الثوار حينها بعض الإصلاحات المحدودة التي يسهل النكوص عنها.

وفي تونس، استخدمت قوات الأمن القوة المميتة ما أدى إلى استشهاد حوالي 219 متظاهرا بالرصاص. وخلال أيام الثورة الأولى أقال ابن علي عددا من الوزراء بينهم وزير الداخلية، ووعد بمعالجة المشاكل التي نادى بحلها المتظاهرون، كما أعلن عزمه عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014.

وتم فتح المواقع المحجوبة في تونس كاليوتيوب بعد 5 سنوات من الحجب، بالإضافة إلى تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية تخفيضا طفيفا.

ولم يخل خطاب ابن علي من حديث عاطفي تضمنت عبارات كقوله: إن “التونسيين متسامحون” وأنه أمضى أكثر من 50 سنة في خدمة تونس في مختلف المواقع، وقدم كل التضحيات للبلاد”.

أما في اليمن، فكان علي عبد الله صالح يكرر دائما أن ما يهمه هو تنمية اليمن، وأن السلطة لا تهمه في شيء. لكن الواقع كان ينافي كلماته، وربما كانت جمعة الكرامة وحدها في 18 مارس/آذار 2011 خير دليل على اليد الباطشة التي واجه بها نظام صالح مطالب المحتجين، حيث ارتقى في يوم واحد 52 من المتظاهرين، وأصيب المئات بجروح.

وانتهج صالح نهج مبارك وابن علي أيضا في تقديم تنازلات بعد فوات الأوان، حيث قال في كلمة أمام البرلمان في جلسة استثنائية عقدها مجلسا الشعب والشورى: “لا للتمديد، لا للتوريث، ولا لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء”، داعيا المعارضة إلى العودة للحوار والمشاركة في حكومة وحدة وطنية.

وأعلن صالح أنه لن يسعى لفترة ولاية جديدة بعد انتهاء ولايته الحالية عام 2013. كما تعهد بعدم تسليم مقاليد الحكم لابنه أحمد علي عبد الله صالح بعد انتهاء فترة ولايته.

أما في الثورة السورية وعلى ما يبرز فيها من وحشية غير مسبوقة ومجازر نفذها نظام بشار الأسد بحق شعبه تجاوزت بمراحل ما نفذه باقي المستبدين العرب في شعوبهم، إلا أنه في بدايات الثورة حاول بشار تقديم تنازلات أيضا كنظرائه من الحكام العرب.

أمر بشار بتشكيل لجنة لدراسة إلغاء العمل بقانون الطوارئ الذي كان قد طبق في سوريا لمدة 48 عاما، كما أصدر مرسوما بالشروع في عمل دستور جديد للبلاد.

الثورات المضادة وأخطاء الثوار

باستثناء الثورة السورية، نجحت باقي ثورات الموجة الأولى للربيع العربي في الإطاحة برأس النظام في كل بلد. وبدأت مرحلة تدافع أخرى بين الثوار على اختلاف توجهاتهم من جهة، وفلول الأنظمة القديمة من جهة أخرى.

حاولت قوى الثورة المضادة في كل بلد أن تخلق جوا تسوده الاضطرابات والانقسامات، ليتهيأ لها الأمر للانقضاض على الثورة، وهذا ما حدث في معظم الثورات.

في مصر تمكن الجيش من الإجهاز على ثورة 25 يناير، واسترجاع سلطة لم تخرج من يديْه أصلا. وغرقت سوريا في حرب أهلية مدمرة مصحوبة بتمزق نسيجها المجتمعي بعد أن تحولت إلى ساحة لتصارع إستراتيجيات إقليمية ودولية كبرى.

أما ليبيا التي أطيح فيها بحكم القذافي في إطار ثورة 17 فبراير، استحال أمرها إلى انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة وانتشار السلاح على نطاق واسع.

وعن اليمن، فقد تحولت ثورته السلمية إلى تحارب داخلي بسبب تآمر علي عبد الله صالح المتحالف مع الحوثيين والحسابات القاصرة للجوار العربي.

وربما تبقى تونس استثناء في المشهد العام من خلال نجاحها في تأمين مسار سياسي سلمي وديمقراطي، لكنها لم تصل إلى بر الأمان بعد.

ويرى محللون أنه لا لوم على الشعوب في تعثر الثورات التي قامت بها، وأنه لا يمكن أن يترتب على التعثر الراهن للثورات الكفر بقدرة الشعوب على التغيير، فالشعوب قامت بدورها الطبيعي في مقاومة الظلم والاستبداد. لكن المشكلة تكمن في أن القيادات الثورية ارتكبت بعض الأخطاء التي ساعدت قوى الأنظمة القديمة في الالتفاف على الثورات الشعبية.

وحسب مراقبين، فإن من أبرز الأخطاء في هذا الشأن هي أن الفاعلين (التقليديين وغير التقليديين) في حركة التغيير لم يستطيعوا بلورة مشروع سياسي مناسب للحظة التاريخية، بل أخذت القوى التقليدية المبادرة، وتخبطت في إدارتها للمرحلة الانتقالية، ثم انتكست تجربة التحوّل السياسي، بعد تدخل الدولة العميقة.

بينما يرى آخرون أن الخطأ الذي ارتكبه الثوار – خصوصا في مصر- هو أنهم تركوا الميادين مبكرا، والثقة في أن بإمكانهم العودة إلى الشارع في أي لحظة وبنفس الزخم.

لكن فاتهم آنذاك أن الثورة المضادة لن تترك لهم الفرصة، بل ستعمل بكل إمكاناتها الضخمة على إضعافهم وقمعهم وتشويههم أمام الرأي العام حتى يفقدوا تأثيرهم. كما أن الخلافات البينية بين التيارات التي شاركت في الثورة كان لها بالغ الأثر في عدم عودة الشارع لزخمه الذي شهدته أيام الثورة.

كذلك فإن الثوار قد أخطؤوا في فهمهم لتوازنات القوى الداخلية والخارجية، حيث اعتقد كثيرون أن قدرتهم على الحشد في الميادين كافية لتمرير رغباتهم، وأساءت هذه الأطراف تقدير المدى الذي قد تصل إليه قوى الثورة المضادة وأجهزة الدولة العميقة في سعيهم لعرقلة المسار الديمقراطي الوليد، واسترجاع سلطتهم.

كما لم يستطع الثوار تقدير حجم الخوف الذي تملك بعض الدول الإقليمية من ثورات الربيع العربي، وبناء عليه ظنوا أن بإمكانهم تحييد هذه الدول بمجرد الحوار معهم وطمأنتهم.

لكن ربما كان الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الجميع هو عدم توحدهم على أهدافهم الثورية الخالصة، بل استبدل كل منهم أهداف الثورة العامة بأهدافه الحزبية الخاصة سواء كان ذلك بقصد أو دون قصد، ما جعل من قوى الثورة المضادة تلعب على هذه التناقضات، وتصفي فصائل الثورة فصيلا تلو الآخر، حتى استتبت لها الأمور.

الأمل في التغيير

الظن بأن ملف التغيير في العالم العربي قد انتهى هو ظن خطأ تماما من الناحية النظرية والعملية. فربما ما يميز الثورات بشكل عام هو أنها لا تأتي بقرار من فرد أو جماعة، بل هي نتيجة طبيعية لتراكم أوضاع معينة على مدار سنوات، واستجابة لمجموعة من المسببات.

وبالتالي، فإنه ما دامت الأسباب التي قامت من أجلها ثورات الربيع العربي باقية، فإن احتمالية حدوث موجات أخرى من الثورة تظل قائمة كذلك.

وقد أكدت الموجة الثانية لثورات الربيع العربي التي حدثت في 2019 أن الشعوب لن تموت، وأنه إذا حدث وفشلت في مرحلة من مراحل الثورة، فإنها لا تستسلم للواقع بالكلية، بل تثور وتطالب بحقوقها محاولة تدارك أخطاء التجارب السابقة.

لكن الأهم هو أن تكون القوى السياسية التي قادت الثورة في مراحلها الحرجة منفتحة على النقد البناء، وأن تراجع ذاتها في قراراتها وإستراتيجياتها التي اتبعتها خلال الفترة الانتقالية لتعرف ما كان منها صحيحا وما كان سقيما.

وربما الخطوة الأهم في ذلك حاليا تكمن في سعي من تولوا الأمر بعد ثورات الربيع العربي لامتلاك روايتهم الخاصة المتكاملة عما حدث خلال هذه الفترة، على أن تتسم هذه الرواية بالشجاعة والموضوعية، وأن يقدموا ما توصلوا إليه من نتائج للرأي العام وللأجيال الجديدة، ليستفيدوا منها ويتفادوا تكرار الأخطاء في الفرص القادمة، الحادثة لا محالة.

____________