مما لا شك فيه أن تدخل تركيا في ليبيا قلب موازين المعادلة هناك تماما، وباتت حكومة الوفاق الشرعية بفضل الدعم تركيا هي القوة رقم واحد على أرض ليبيا، بعد دحر ميليشيات جنرال الإمارات المتمرد خليفة حفتر.

تركيا قلبت المعادلة في ليبيا

ويؤكد هذا الأمر ما حدث مؤخرا من لقاء وفد مصري مسؤولين ليبيين تابعين للوفاق، على هامش زيارة إلى العاصمة طرابلس، هي الأولى من نوعها منذ ست سنوات.

هذا وجاءت زيارة الوفد المصري تزامنا مع زيارة وزير دفاع تركيا خلوصي أكار، إلى طرابلس، وتحذيره في خطابه أمام القوات التركية، قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر وداعميه من عواقب أي محاولة لاستهداف القوات التركية في ليبيا، وذلك بعدما دعا حفتر قواته إلى “حمل السلاح مجددا لطرد المحتل التركي”.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الليبية محمد القبلاوي، قال إن “الوفد المصري وعد الجانب الليبي بإعادة عمل السفارة (المصرية) من داخل العاصمة طرابلس في أقرب الآجال”.

كما أوضح القبلاوي أن الوفد المصري بدأ اجتماعاته خلال زيارته إلى طرابلس بلقاء وزير الخارجية محمد الطاهر سيالة، بحضور مدراء الإدارتين العربية والتعاون الدولي.

ولفت مُتحدث الخارجية الليبية أنه جرى “استعراض كافة مجالات التعاون بين البلدين والاتفاق على تطويرها لآفاق أرحب وتذليل كافة العقبات لضمان الظروف المناسبة لتواصل الشعبين الشقيقين”.

كما تم الاتفاق على برمجة سلسلة من الاجتماعات بين الخبراء والمختصين في البلدين من وزارتي الخارجية والوزارات الأخرى لتحقيق الأهداف التي جاءت من أجلها هذه الزيارة، بحسب القبلاوي.

فتحي باغاشا والوفد المصري

من جانبها، قالت وزارة الداخلية الليبية، في بيان، إن الوزير فتحي باشاغا بحث مع الوفد المصري التحديات الأمنية المشتركة وسبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين الشقيقين.

وأضاف البيان إلى أنه تم خلال الاجتماع، الذي حضره رئيس جهاز الاستخبارات الليبية عماد الطرابلسي، مناقشة سبل دعم اتفاق وقف إطلاق النار ومناقشة مخرجات لجنة 5+5 (وهي اللجنة العسكرية المشتركة لليبيا المنبثقة عن مؤتمر برلين – يناير كانون الثاني 2020) من أجل تأييد المجهودات الأممية بشأن الحوار السياسي والخروج من الأزمة الراهنة بالطرق السياسية والسلمية.

وأشارت الداخلية الليبية إلى أن الاجتماع يأتي ضمن سياساتها الأمنية الرامية إلى “توطيد علاقات التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة وأهمية العمل المشترك بين القاهرة وطرابلس”، ونشرت الداخلية صوراً لجانب من لقاء باشاغا مع الوفد المصري.

كما بثت قناة “فبراير”، المُقربة من حكومة الوفاق، فيديو للحظة استقبال باشاغا والطرابلسي الوفد المصري، برئاسة اللواء أيمن بديع نائب رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية. ومعروف أن بديع هو مسؤول الملف الفلسطيني في جهاز الاستخبارات المصرية، كما يرأس اللجنة الوطنية المصرية المعنية بالشأن الليبي. وقالت تقارير إخبارية إن الوفد المصري يضم مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين.

يأتي ذلك بعد شهور من توقف المواجهات العسكرية بين قوات حكومة الوفاق وقوات حفتر عند مدينة سرت (منتصف الساحل الليبي). وكانت حكومة الوفاق، عبر تدعم تركي، قد صدَت هجوما لحفتر على العاصمة طرابلس، واستعادت منه السيطرة على العديد من المدن قبل توقف القتال.

“ها نحن هنا”.. “شاهد” خلوصي أكار يتوجه إلى ليبيا برفقة كبار قادة الجيش بعد هذيان حفتر عن الحرب

في رسالة تحدي للانقلابي الليبي خليفة حفتر ومموليه في الإمارات، وصل وزير الدفاع التركي، خلوصي، أكار، اليوم السبت، برفقة ضباط من كبار العسكريين إلى ليبيا، في زيارة لتفقد عناصر القوات التركية المتمركزة هناك.

وأظهرت الصور التي جرى تداولها ورصدتها “وطن” لحظة وصول وزير الدفاع التركي واستقباله من قبل نظيره الليبي صلاح الدين النمروش، الاستقبال الذي وصفه بالمهيب وذلك في قاعدة بوستة البحرية.

ويلتقي الوفد التركي على جدول زيارته، رئيس المجلس الأعلى للدولة في حكومة الوفاق خالد المشري، ووزير الدفاع صلاح الدين النمروش، ووزير الداخلية فتحي باشاغا، فيما يعتزم أكار وقادة الجيش زيارة مقر قيادة القوات التركية في ليبيا، لعقد لقاء مع عناصر القوات المتمركزة هناك.

الجدير ذكره، أن هذه الزيارة تأتي بشكل مفاجئ بعد دعوة الانقلابي خليفة حفتر قواته إلى طرد القوات التركية من ليبيا، زاعماً أن ذلك يمكن له أن ينهي الحرب في بلاده، متجاهلاً الدور الإماراتي المشبوه في دعم المرتزقة.

الجدير ذكره، أن اتهامات متبادلة بين أطراف النزاع الليبي انطلقت مؤخراً، حيث اتهمت قوات بركان الغضب التابعة للحكومة الشرعية قوات حفتر بالبدء بتحركات عسكرية على جهة سرت الجفرة، في حين اتهمت جماعات الانقلابي حفتر الطرف الآخر بحشد الآلاف من العناصر الأجنبية عند منطقة بوقرين ومناطق شرق مصراته، مدعومة بأسلحة تركية متطورة حسب وصفه.

الامارات

الجدير ذكره، أن الإمارات تمول الانقلابي خليفة حفتر وذلك من أجل إزاحة حكومة الوفاق الشرعية والمعترف بها دولياً، في حين دفعت أبوظبي بآلاف المرتزقة من روسيا والسودان ودول أخرى للقتال في ليبيا بجانب حفتر.

التصعيد الحاصل يطرح أسئلة عدة بشأن النتائج التي توصلت، إليها اللجنة العسكرية والتي وصفت بأنها نتائج إيجابية ومتفق عليها من الجانبين، وما إن كانت ستنهار أم أنها غير قابلة للتفعيل في ظل الوقت الراهن، خاصة بعد الإخفاق في المسار السياسي.

تدريب القوات الليبية

وقبل أيام قليلة أعلنت عملية بركان الغضب، الثلاثاء أن الجيش التركي يواصل تدريب القوات التابعة لحكومة الوفاق.

وعرضت عملية بركان الغضب عبر صفحتها بموقع “فيسبوك” بعض الصور، قالت إنها في مركز عمر المختار بالعاصمة طرابلس، وتُظهر جانباً من عمليات تدريب قوات الوفاق على الرماية ضمن برنامج تدريبي ينفذه الجيش التركي في إطار مذكرة التعاون الأمنية العسكرية المبرمة بين البلدين.

فيما قال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة الليبية اللواء أحمد المسماري، إن الجيش الليبي لا يزال ملتزما بوقف إطلاق النار، وأن هذا يأتي استجابة لنداءات الدول الصديقة والشقيقة والمجتمع الدولي ومخرجات اللجنة العسكرية 5+5، مشيرا إلى أن الأتراك لا يريدون حلولا سلمية وهدفهم السيطرة على ليبيا بقوة السلاح، بحسب قوله.

**************
من أين يحصل حفتر على هذه الجرأة؟

بقلم ياسين اكتاي

كان هدف الشعب الليبي من الثورة التي قام بها قبل عشر سنوات ضمن معركة تقرير المصير، هو وضع حد للاستبداد الذي كان بمثابة آخر هدية من قبل أنظمة الاستعمار والاحتلال طيلة قرن من الزمن. أما القذافي الذي حكم البلاد باستبدادية لا ترحم طيلة أربعين عامًا، فقد كانت خطاباته تبدو وكأنها وطنية بامتياز، وأفعاله من الغرابة بمكان.

ولا شك أن تلك الأفعال والخطابات كانت تدغدغ مشاعر شعبه بل عموم الشعوب العربية كذلك، لا سيما في بداية الأمر، حيث كانت تشعر بنوع من الانتصار الذاتي أمام ما خلفته فيهم سنوات الاستعمار العجاف.

تمامًا حينما قام القذافي بنصب خيمته في حديقة فندق ماريني بفرنسا خلال زيارته إلى هناك، وأصر على عقد لقاءاته الرسمية في الخيمة، حيث أعطى ذلك شعورًا -وإن كان مزيفًا- من النظرة من الأعلى إزاء الغرب في الظاهر.

إلا أن تكاليف هذا المشهد كان مكلفًا للغاية، فسرعان ما اتضحت الصورة بشكل أكبر وتحول الحديث نحو الحجم الهائل للمشتريات من فرنسا، والأموال الليبية المغدقة كالنهر الذي لا ينضب ماؤه على فرنسا، مما أفرز حالة من الإحراج لدى الرأي العام العربي، وبات لا يشك بأنّ ما جرى مجرد مسرحية. ولم تكن مظاهر الغطرسة هذه إزاء الغربيين، سوى تمثيلية استعراضية باهتة، تُخفي تحت أقنعتها استعمارًا أشدّ غلاظة وإثمًا.

وفي المقابل كانت اعتراضات اليسار الفرنسي وكل شرائح المعارضة على ما وصفته بالإذلال جرّاء فعل القذافي، لا تحمل أيّ معنى ذي أهمية. حيث أن الاستعمار الفرنسي كان يركز على مكاسبه بالدرجة الأولى، ولم تكن لديه مشكلة من صدور هذا النوع من الممارسات والخطابات ما دام قد أحكم استعماره على اقتصاد البلاد.

إلى أن جاء الربيع العربي، فأعطى فرصة للشعب الليبي للتخلص من هذا التناقض التعيس، والدفاع عن الوطن والكرامة أمام هذا النوع المنافق ذي الوجهين من الاستبداد. ولا شك أنّ الشعب الليبي لم يفوّت هذه الفرصة فقرّر خوض ثورته.

واليوم نجد أن حفتر الذي ما هو سوى انعكاس لنظام القذافي، لكن بطريقة أشد قساوة ودناءة في الاعتماد على المستعمرين وتمويلهم؛ يحاول إعادة ترميم ما بقي من ذلك النظام، ويتهم تركيا التي لم تأت إلا بدعوة من الشعب الليبي ذاته، بأنها دولة استعمارية.

خرج حفتر في الذكرى الـ69 لاستقلال ليبيا، في مراسم ضمن ما يُسمّى القيادة العامة في بنغازي، دون ذرة من الحياء والخجل، متناسيًا أنه قبل بضعة شهور فقط قد فرّ متخاذلًا أمام تقدّم قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، وراح يتهم تركيا ويتطاول عليها بالقول؛ “لا قيمة للاستقلال ولا معنى للحرية طالما أنّ أرضنا الطاهرة يلوثها الجيش التركي، كما لن يكون هناك أمن وسلام. ولا خيار أمام العدو المحتل إلا أن يغادر سلمًا وطوعًا أو بقوة السلاح والإرادة القوية”.

إن الجيش التركي لم يكن يومًا على الإطلاق ليلوث تراب ليبيا الطاهر، بل إنه هناك يواجه عميلًا يريد تسليم بلاده للمحتلين، هذا العميل هو حفتر.

نعم قد ألقى حفتر خطابه ضمن المراسم التي أقيمت في بنغازي، لكن كما ذكرنا في المقال السابق، أنه حتى أهالي بنغازي ليسوا في صف حفتر ولا راضين عنه. وأن ما لا يقل عن 150 ألف مهجّر من بنغازي، يشير بقوة إلى أنّ المدعو حفتر لا يمكن له بأي حال أن يدّعي تمثيلهم، ولا يملك أي حق في ذلك.

ومن الغريب للغاية أن نجد أحدًا مثل حفتر يتحدث عن الاستقلال والحرية، وهو الذي يتصرف كالمحتل في كل مكان يستولي عليه، ويلوث كرامة الشعب الليبي، ويقدّم بلاده لفرنسا وعيال زايد والسيسي صاحب الانقلاب. من الواضح للغاية أنّ الاستقلال الذي يتحدث عنه ليس استقلال ليبيا، كما أنّ الحرية التي يحكي عنها ليست حرية الشعب الليبي كذلك.

حتى في بنغازي التي استولى عليها بطريقة ما، نجد أنّ أهاليها يبحثون عن مخرج يخلصهم من حفتر وميليشياته. وهذا يؤكد مرة أخرى على أنّ حفتر ليس سوى فاقد للشرعية منذ البداية، حتى في بنغازي نقطة انطلاقه. ولم يصل إلى الواجهة إلا من خلال الانقلاب على الحكومة الشرعية من خلال الأسلحة التي حصل عليها. وحينما وجد معارضة من أهالي بنغازي، قام بتهجير ما لا يقل عن 250 ألف منهم، وقتل الآلاف وسجن آلاف أخرى مثلهم.

إنّ ما فعله وقام به حفتر من ممارسات، يندرج في نطاق الجرائم ضدّ الإنسانية التي يجب أن تخضع لمحاكمة في المحاكم الجنائية الدولية. وفي واقع الأمر يكفي أن ننظر إلى المقابر الجماعية التي خلفها وراءه في ترهونة، التي كانت قد احتلها من خلال انقلابه لفترة من الوقت، سنجد تلك المقابر تكشف كل يوم عن مكنون تلك الجرائم الدموية التي قام بها حفتر. وهذا بدوره يكشف بكفاية عن طريقة الحكم التي يُدير بها المناطق التي يجثو فوق صدور أهلها، في كل من طبرق وبنغازي.

إلى جانب كل هذا، تعتبر محاولة هذا المجرم اليوم التطاول على تركيا، ومحاولة إلقاء التهديدات الفارغة، ليس سوى انعكاسًا لعدم معرفة هذا الشخص بحدوده.

لا شك أن هناك من يقوم بتحريض حفتر في الوقت الراهن، وتأليبه لإعادة فتح جبهة صراع ضد تركيا. لماذا؟ هل لأجل ألا يخسروا ما بقي في أيديهم؟ أم أنهم كانوا يرون في وقف إطلاق النار فرصة لإعادة تجميع القوى، والآن رأوا أنهم تمكنوا من ذلك فيريدون أن يعيدوا الكرّة؟

بغض النظر عمّا يبحثون عنه ويسعون إليه، المهم أنهم لن يلاقوا سوى حتفهم، أمام تركيا التي لا تتحرك إلا وفق إرادة ورغبة الشعب الليبي.

ولا شك أنّ زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، قبل أمس، إلى ليبيا، قد أرسلت بهذه الرسائل بأوضح صورة وأجلاها. ولقد كان من المهم للغاية تركيز أكار على حقيقة أنّ المجازر التي ارتكبها الانقلابي تتكشف مرة أخرى من خلال 21 مقبرة جماعية تم العثور عليها في ترهونة.

إنّ سكوت وتغاضي العالم عن حفتر، بل والتعامل معه كطرف شرعي خلال المحادثات الدولية التي تجري في الوقت الحالي، يعتبر أمرًا في غاية الغرابة، فضلًا عن كونه غير مقبول على الإطلاق. وفي هذا الصدد نجد أنّ السيد أكار قد أعرب عن اعتقاده بأن حكومة الوفاق الوطني لن تتخلى عن ملاحقة هذه الجرائم ضد الإنسانية.

وهذا أمر مهم للغاية في الحقيقة، لأن تحويل هذه القضية إلى أروقة محكمة الجنائيات الدولية، سيؤدي بدوره إلى إعادة ترتيب أوراق شرعية كلّ طرف في الساحة الليبية الآن.

لا يمكن على الإطلاق بأن يكون لمن ارتكب جرائم ضدّ الإنسانية بحق الشعب الليبي، ولا يملك أيّ ذرة من الاحترام، كلمة أو قول في تحديد مستقبل ليبيا. لكن كما قال أكار وأكد على ذلك بوضوح؛ إنّ تركيا ترى أنّ ليبيا هي لليبيين، وأن الشرعية الأساسية للوجود التركي هو إرادة ورغبة الشعب الليبي.

______________