الساحة الليبية المشتعلة بنيران الحرب والنزاعات منذ سنوات، تشهد في الآونة الأخيرة تفاهمات وتحركات بين الفرقاء المتشاكسين في الداخل، والقوى الإقليمية في الخارج.

في الأسبوع الأخير من ديسمبر/كانون الأول 2020، أجرى وفدان “مصري وتركي” رفيعا المستوى زيارة متزامنة إلى العاصمة الليبية طرابلس، مقر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا.

عودة “القاهرة” إلى طرابلس بعد قطيعة استمرت 6 سنوات كاملة، حملت مؤشرات على بداية وضع جديد، قد تشهده ليبيا، خاصة وأن الجانب التركي الذي يدعم الوفاق، أظهر مرونة وأطلقت وزارة خارجيته تصريحات إيجابية بشأن إمكانية تطوير العلاقات وإزاحة الخلافات مع مصر.

هذه التحركات المصرية التركية المتزامنة أزعجت الإمارات الطرف الأكثر تشددا والداعي باستمرار إلى فكرة الحل العسكري والحسم من قبل قوات اللواء الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر، الذي أطلق تصريحات تتوعد تركيا وخصومه في الوفاق.

موقف متقدم

في 30 ديسمبر/كانون الأول 2020، اتخذت تركيا موقفا متقدما تجاه مصر، عندما أعلن وزير خارجيتها “مولود تشاووش أوغلو”، أن “جهودا تبذل لتحسين العلاقات بين أنقرة والقاهرة، وأنهما تسعيان لتحديد خارطة طريق نحو ذلك”.

وذكر أن “مصر في الاجتماع الأخير لمنظمة التعاون الإسلامي أزالت اعتراضاتها على بعض القضايا”، وأضاف: “نحن نعمل مع مصر وفقا لمبدأ عدم مواجهة بعضنا البعض في المنابر الدولية”.

وقال: “هناك اتصالات على مستوى استخباراتي ضمن المساعي لتحسين العلاقات مع مصر، إلى جانب قنوات الحوار المستمرة بين وزارتي خارجية البلدين”.

وشدد أن “التوازنات مختلفة مع دول الجوار والدول الأخرى، ومع مرور الوقت ستدخل في مسارها الصحيح”.

تصريحات “تشاووش أوغلو” أعقبت زيارتين متزامنتين إلى العاصمة الليبية طرابلس، قامت بهما مصر وتركيا اللتان تقفان على طرفي نقيض منذ بداية الصراع.

إنهاء قطيعة

لأول مرة منذ سنوات يزور وفد مصري رسمي رفيع المستوى، العاصمة الليبية طرابلس، مقر حكومة الوفاق الوطني، وذلك في إطار مساع لتذليل العقبات وإنهاء قطيعة دبلوماسية بين البلدين تواصلت لسنوات على خلفية الحرب التي شنها خليفة حفتر بدعم من الإمارات ومصر آنذاك.

ضم الوفد المصري 6 من كبار رجال المخابرات ووزارتي الخارجية والدفاع، برئاسة نائب رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء “أيمن عبد البديع”.

مثلت الزيارة نقلة في الملف الليبي، حيث تسعى القاهرة إلى حلحلة الأزمة بعيدا عن التدخل العسكري، خاصة أن مصر بحسب تقارير إعلامية متواترة، كانت من أشد المعارضين للحملة العسكرية التي شنها حفتر للسيطرة على طرابلس.

وحسب مراقبين، فإن مصر كانت تتخوف من سيناريو التوسع التركي في ليبيا، إذا ما فشل حفتر، وهو ما حدث تماما، بعدما قضى الجنرال الليبي 14 شهرا، في محاولات لاحتلال طرابلس وفشل، لذلك بدت إستراتيجية مصر الجديدة، في ليبيا تتجه نحو إقامة علاقات سياسية مع الفاعلين السياسيين في طرابلس.

الوفد التركي

في نفس توقيت زيارة الوفد المصري، شهدت طرابلس أيضا، توجه وفد عسكري تركي رفيع المستوى، على رأسه وزير الدفاع “خلوصي أكار” ورئيس الأركان “يشار غولر”، وقادة القوات في الجيش، حسب وكالة “الأناضول”.

وذكرت الوكالة، أن الوفد التركي، التقى رئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري”، ووزير الدفاع “صلاح الدين النمروش”، ووزير الداخلية “فتحي باشاغا”، كما أجرى الوفد زيارة لمقر قيادة القوات التركية في ليبيا، والتقى عناصر القوات المتمركزة هناك.

لم يقف الدور التركي حتى الآن على حدود طرابلس والمنطقة الغربية، ففي مطلع يناير/كانون الثاني 2021، أعلنت مواقع عربية عن اتصال رئيس برلمان طبرق “عقيلة صالح”، المحسوب على معسكر الشرق، المدعوم من القاهرة وروسيا، مع مسؤولين في تركيا خلال الأيام الماضية.

وأوردت تقارير، أن “صالح” أبدى من خلال تواصله مع أنقرة استعداده للتعاون مع تركيا، وإنهاء الخصومة، في حال تمت الموافقة على توليه رئاسة المجلس الرئاسي ضمن المساعي القائمة للتوصل لتسوية سياسية للأزمة.

“تركيا” لم تبد أو يصدر عنها أي ردة فعل تجاه التواصل مع “عقيلة صالح”، ونتائج ذلك التواصل، لكن عدم إغلاقها الباب أمام رئيس برلمان “طبرق”، يؤكد أن الفكرة مطروحة، وأن صالح ليس حفتر.

تربص الإمارات

“الإمارات” بدورها لم تكن غائبة عن مستجدات الأحداث، وتطورات الوضع السياسي في ليبيا، فهي وإن كانت تراقب تحركات القاهرة وأنقرة، فإن ذلك لا يعني عدم فاعليتها، وتحريك بيدقها في البلد المأزوم.

ظهر ذلك في 24 ديسمبر/كانون الأول 2020، عندما دعا “حفتر” للاستعداد لطرد القوات التركية وميليشياتها من الأراضي الليبية، قائلا: “يجب أن نصوب نيران أسلحتنا نحو تركيا”.

وقال خلال احتفالية نظمتها في مدينة بنغازي، القيادة العامة للجيش (الموالي له)، بمناسبة الذكرى 69 لاستقلال ليبيا: “لا قيمة للاستقلال ولا معنى للحرية ولا أمن ولا سلام وأقدام الجيش التركي تدنس أرضنا الطاهرة. ولا خيار أمام العدو المحتل إلا أن يغادر سلما وطوعا أو بقوة السلاح والإرادة القوية”.

وخلال زيارته إلى طرابلس، رد عليه “أكار” قائلا: “يجب أن يعرف حفتر القاتل ومجرم الحرب وداعموه، أنه سينظر إليهم باعتبارهم هدفا مشروعا في حالة شن أي هجوم على القوات التركية”.

وفي 1 ديسمبر/كانون الأول 2020، نشرت صحيفة “فورين بوليسي” الأميركية، تقريرا صادرا عن المفتش العام لعمليات مكافحة الإرهاب في إفريقيا، التابع للبنتاغون، أورد إعلان وزارة الدفاع الأميركية، أن “الإمارات تساعد في تمويل مرتزقة فاغنر الروسية في ليبيا، وهذا من شأنه تعقيد علاقة الولايات المتحدة الوثيقة مع الدولة الخليجية”.

كما أورد التقرير أن “هناك اشتباها في استخدام الإمارات متعاقدين عسكريين روسا للمساعدة على تعتيم دورها في الصراع بليبيا”.

ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 28 ديسمبر/كانون الأول 2020، تقريرا أمميا سريا، كشف انتهاك الإمارات حظر الأسلحة في ليبيا خلال عام 2020، بعد أن أقدمت على رفع عدد شحنات الإمدادات العسكرية إلى حفتر، بالتزامن مع محاولات الدولة الخليجية لإنقاذ حملته على طرابلس والتصدي لنفوذ منافستها الإقليمية تركيا”.

وجاء في التقرير الذي أعدته “لجنة خبراء الأمم المتحدة” المنوطة بها مراقبة حظر الأسلحة، أن “أعداد الرحلات الجوية العسكرية الإماراتية ارتفع إبان قتال حفتر، للحيلولة دون انهيار هجومه الذي امتد لعام كامل، على الحكومة الليبية المعترف بها دوليا في طرابلس”.

ومني “حفتر” بهزائم كبرى منتصف 2020، وخسر سائر الأراضي التي سيطر عليها في الغرب، وتقهقرت قواته حتى خط “سرت – الجفرة”، ما شكل صدمة لحلفائه الثلاثة، الإمارات وفرنسا ومصر، خاصة الأخيرة التي صارت قلقة على مستقبل مشروعها في الجارة الغربية.

بعد تلك الهزائم تراجعت “القاهرة” بشكل كبير عن دعم “حفتر”، بينما ظلت الإمارات تستخدمه كورقة أساسية، وتغذي به الصراع وتشعل من خلاله الحرب، بينما كانت رؤية مصر متباينة، وتسعى إلى مسلك مختلف عن الحملات العسكرية المستمرة، التي تؤدي إلى خسائر كبيرة، إضافة إلى تعقيد الوضع، وإطالة أمد الأزمة.

كل الأطراف داخل ليبيا باتت مدعومة بقوة من القوى الإقليمية، فهناك شحنات ومعدات عسكرية، كثيفة نقلتها أنقرة، جوا وبحرا، إلى حكومة الوفاق في طرابلس.

وبدوره يتلقى “حفتر” في وسط وجنوب ليبيا تعزيزات عسكرية، ومجندين جدد قادمين من الجنوب، بعضهم غير ليبيين، بحسب تقرير “مجموعة اﻷزمات”، وهي منظمة دولية مستقلة تراقب الوضع في ليبيا، بالإضافة إلى استمرار الإمدادات الإماراتية لقوات “حفتر” في الشرق.

إدراك الواقع

الصحفي الليبي “عمر الحاسي”، قال “للاستقلال”: “الإمارات وسياستها المتبعة في ليبيا، تريد أن تخلق منها سوريا أخرى، فهذه المرة لو اندلعت حرب لن تكون كسابقتها، من حيث الخسائر والقتل وتدمير المدن، وستنخرط فيها القبائل بشكل أوسع، وستشهد قتل أعداد كبيرة من المدنيين”.

وأضاف: “المذابح والمقابر الجماعية التي وجدت في المدن التي سيطر عليها حفتر من قبل، مثل تلك التي وجدت في ترهونة، ما زال التحقيق فيها مستمرا، مع المطالبة بمحاكمته دوليا، وكذلك التخريب الذي حدث في مدن الغرب شاهد على البربرية والغوغائية التي تمتعت بها قواته المدعومة إماراتيا بالإضافة إلى مجموعات فاغنر الروسية سيئة السمعة”.

وذكر الصحفي الليبي: “مصر وإن تورطت في دعم حفتر من قبل، لكنها دولة ذات ثقل وتمتلك الرؤية التي ترى بها إلى أين يمكن أن تسير الأوضاع في حالة اندلاع حرب، وهو ما يمكن أن يؤثر عليها باعتبارها تمتلك حدودا شاسعة مع ليبيا، وكذلك قد يقضي على الفرص المستقبلية في التعاون والمشاركة في مستقبل البلاد، إذا ما توسع النزاع ودخلت ليبيا في فوضى عارمة”.

وختم “الحاسي” حديثه بالقول: “النموذج السوري قائم، ومستعص على الحل، رغم المؤتمرات الكبرى والتدخلات الدولية، لذلك فإن مصر وتركيا كذلك لا تريدان الوصول إلى هذه المرحلة حاليا، ولجأتا إلى الحوار مع الجبهات في الشرق والغرب، دون اعتبار لموقف الإمارات الساعي إلى إفشال المحادثات، والعودة إلى مربع الصفر من جديد”.

____________