الفيتوري شعيب

يتبين أن التوافق الليبي لن يكون سهلًا، بل إنه سيعتريه أزمات كثيرة، خاصة في ظل وجود عقبات من قبل الفاعلين الليبيين الراغبين في استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه، ويتضح هذا الأمر من مقترح مشروع المقاعد البرلمانية والردود عليه والإجراءات المصاحبة له.

صدر عن المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا مقترح قانون ترسيم الدوائر الانتخابية وتوزيع المقاعد الخاصةكآلية تشريعية وتنفيذية لإجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021، وذلك في مراسلة مبهرة إلى البرلمان الليبي المنعقد في طبرق.

وقد جاء مشروع مقترح القانون مُغايرًا لما كان سبقه في الانتخابات التي سبق إجراؤها في البلاد بعد ثورة فبراير 2011، سواء انتخابات المؤتمر الوطني العام في 2012 “الجسم التشريعي الأول بعد ثورة فبراير، أو حتى انتخاب البرلمان الحالي في 2014، مما أثار ردود أفعال غاضبة وقويةتنتقد بشدة هذا المقترح، والآليات التنفيذية والتوزيعية للمقاعد التي احتواها، في غرب البلاد وكذلك شرقها.

وبالتالي، نحاول في هذه الورقة قراءة هذا المقترح والدلالة التي يحملها، وصولا إلى المآلات التي قد تترتب على هذا المقترح القانوني في العملية السياسية في البلاد، سواء اعْتُمِد من قبل البرلمان، أو لم يُعتمد، وكذلك أثره على الموعد المتفق عليه حواريًّا لإجراء الانتخابات في 24 ديسمبر2021 .

مقترح مشروع القانون

قَسَّم مشروع القانون المقترح من المفوضية العليا للانتخابات البلاد إلى ثلاث مناطق انتخابية رئيسية، وهي:

  1. المنطقة الانتخابية الشرقية

  2. المنطقة الانتخابية الجنوبية

  3. المنطقة الانتخابية الغربية

بينما قسَّم المقترح هذه المناطق الانتخابية الثلاث إلى (32) دائرة انتخابية رئيسية، و(98) دائرة انتخابية فرعية، ليكون على إثر هذه الدوائر مجموع المقاعد الانتخابية المستحقة للبرلمان الجديد للمناطق الثلاثة (234) مقعدًا، بزيادة عن البرلمان الحالي والذي سبقه المؤتمر الوطني العامبـ 34 مقعدًا.

ويتضح مدى الزيادة المقترحة سواء في عدد الدوائر الانتخابية التي استقرت في انتخابات 2012 و2014 بـ(13) دائرة انتخابية رئيسية، لتكون في هذا المقترح بــ (32) دائرة رئيسية.

وكذلك الزيادة في عدد المقاعد الانتخابية التي استقرت في انتخابات 2012 و2014 بـ(200) مقعد، لتكون في هذا المقترح (234) مقعدًا بزيادة 34 مقعدًا.

والملاحظ أيضًا أن الزيادة في الدوائر الانتخابية كانت جُلها في المنطقة الشرقية، مما يترتب على ذلك زيادة الحصة الانتخابية في عدد المقاعد المقررة في البرلمان.

وبالتالي يمكن أن تتغير التركيبة السياسية البرلمانية إن أُقرَّ هذا المقترح، سواء في التكتلات البرلمانية، المبنية على أساس من المحاصصة باعتبار الأقاليم الثلاث التاريخية (برقة وفزان وطرابلس)، أو من ناحية التوجه السياسي الذي اعتراه استقطاب حاد طيلة السنوات الماضية من عمر الأزمة الليبية.

جدلية توزيع المقاعد والمعايير

اعْتُمد في توزيع المقاعد الانتخابية بحسب المفوضية العليا للانتخابات على معياريين، هما: المعيار السكاني، والمعيار الجغرافي، والخلط بينهما.

وهذه الطريقة لم تكن مستعملة من قبل في الانتخابات السابقة بالرغم من أن الدولة في الانتخابات السابقة كانت أكثر استقرارًا مما هي عليه الآن، كما أن التشظي والانقسام الموجود اليوم لم يكن حاصلًا من قبل

وبالتالي فإن استحداث معايير جديدة في وجود أزمة وانقسام حاد في البلاد ستكون له تبعات قد تؤثر سلبًا على إجراء الانتخابات.

كما أن إدخال المعيار الجغرافي في بلاد ذات مساحة شاسعة، لن يكون معيارًا دقيقًا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإنه سيؤثر كذلك سلبًا على المعيار السكاني المعمول به سابقًا خاصة في التجربة الليبية الناشئة.

كما أن القاعدة الأكثر قبولًا على نطاق واسع لعملية إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية تركز على أن تكون الدوائر الانتخابية متساوية نسبيًّا في أعداد السكان؛ حيث يُعتبر التمثيل من خلال تعداد السكان مبدأ أساسيًّا من مبادئ الديمقراطية، كما تُترجم هذه القاعدة في الدول التي تستخدم دوائر انتخابية فردية كمبدأ لتحقيق المساواة في أعداد السكان ما بين الدوائر الانتخابية.

وتعتبر الدوائر الانتخابية المتساوية في أعداد السكان ضرورية إذا ما أردنا أن يتحلى الناخبون بأصوات ذات وزن متساوٍ في عملية انتخاب الممثلين.

وهذه القاعدة أُهملت بطريقة أو أخرى في المقترح المقدم من المفوضية العليا للانتخابات، كما أنها لم تراعِ المناطق المكتظة بالسكان، في حين غلَّبت عليها مناطق أخرى أقلَّ منها عددًا، أو حتى ساوت بينهما، وهذا ما استهجنه كثيرون من المتابعين والمراقبين.

كما أن اعتماد المفوضية في توزيع المقاعد الانتخابية على معيار جدلي المعيار الجغرافيأمام معيار متفق عليه المعيار السكاني، أو لم يكن عليه خلاف بين المجتمع على أقل تقدير، في ظل أزمة سياسية تعصف بالبلاد قد يكون له مساوئه أكتر من فوائده.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إحداث متغيرات ومعايير غير منضبطة في الانتخابات يجب أن تبتعد عنه العملية السياسة المقبلة في ليبيا جد خطير، باعتبار أنها بُنيت على توافقات وحوارات، وليس على أسس من الدستور والقانون الصريح، بل في ظل عمليات وديناميكيات مختلفة منذ آخر انتخابات أُجريت في البلاد في 2014.

جدل ورفض

ما أن أعلنت المفوضية العليا للانتخابات مقترح مشروع قانون ترسيم الدوائر الانتخابية في ليبيا، إلا وارتفعت الأصوات الرافضة لهذا المقترح من شرق البلاد وغربها، إلا أن حالة الغضب والرفض أتت من المنطقة الغربية أكثر، باعتبار أن مشروع القانون مغاير لما كان عليه في الانتخابات السابقة التي جرت في ليبيا، سواء في حالة انتخاب المؤتمر الوطني العام، أو البرلمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مقاعد التمثيل للمنطقة الغربية مقارنة بالمنطقة الشرقية لم تكن عادلة من ناحية التوزيع السكاني.

وقد تباينت الردود والبيانات الرافضة لهذا المقترح؛ حيث أعلنت هيئة إقليم طرابلس في بيان لها رفضها مقترح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، واصفة إياه بـتلاعبالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات بمعايير الانتخابات.

مشيرة إلى أنه مقترح يخل بمبدأ المواطنة ويُقسِّم الليبيين إلى درجات، متسائلة باستهجان عن أي معيار تجري المساواة فيه بين مدينة يزيد سكانها عن مئتين وخمسين ألفًا وأخرى لا يزيد سكانها عن أربعين ألفًا!، معتبرة أن ذلك يضرب في الصميم مبدأ أصيلًا من مبادئ الديمقراطية (صوت لكل مواطن) ولا تحترم معيار التعداد النسبي للسكان فضلًا عن أنها لا تهيئ الأرضية المناسبة لإجراء الانتخابات في موعدها.

وهي بذلك تؤجج الرأي العام وتُفقد المواطن الثقة في القائمين على العملية الانتخابية، وتخلق مبررات مسبقة لرفض نتائجها.

بينما رفضت مكونات سياسية واجتماعية من مدينة ترهونة هذا المقترح، معتبرين إياه غير مقبول على الإطلاق، باعتبار أنه لم يأخذ في اعتباره لا حجم السكان سنة 2012، ولا تطور الكتلة البشرية في مدينة ترهونة سنة 2020، وأنه سيؤدي إلى خلق فجوات في جدار الوحدة واللُّحمة الوطنية ويهدد حال تطبيقه مفهوم التداول السلمي للسلطة، وحقوق الإنسان ويجعل السلم الأهلي عرضة للانتهاك، ملوِّحين بمقاطعة انتخابات 2021 المقبلة إذا نُفِّذ هذا القانون.

وبمثلها، أعربت الفعاليات المدنية بـ ورشفانة، معتبرين أن المقترح كان صادمًا ومخيبًا ويهدف إلى عرقلة الانتخابات أو دفع الناس نحو عدم المبالاة بالمشاركة.

كما أثار المقترح حفيظة بعض أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، موجهين اتهامات لرئيس المفوضية بخرق القوانين، وطالب بعضهم بضرورة إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية التي يعوِّل عليها الكثيرون في الانتخابات المقررة ونجاحها.

لجنة للصياغة

وفي ذات مقترح المشروع الانتخابي، اقترحت المفوضية العليا للانتخابات على البرلمان تشكيل لجنة لدراسة هذا المشروع قبل الاعتماد، مقترحة تكوين اللجنة من: اللجنة القانونية والدستورية في البرلمان، وأعضاء من مجلس المفوضية للانتخابات، ومستشاري الانتخابات في بعثة الأمم المتحدة؛ الأمر الذي رآه مراقبون محاولة غير صائبةلإقحام البعثة في أمور تشريعية وتنفيذية يجب أن تكون خالصة داخليًّا.

وعلى إثر هذا المقترح، تكون الاجتماعات بالعاصمة الإيطالية، روما، بحضور البعثة الأممية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات إضافة إلى أعضاء من اللجنة القانونية والدستورية بالبرلمان لمناقشة هذا المشروع، إلا أن أطيافًا سياسية اعتبرت ذلك غير مقبول، لعدة أسباب، لعل أبرزها إشراك المفوضية فيه، باعتبار أن دورها يقتصر على أن يكون تنفيذيًّا فحسب.

كما أن المجلس الأعلى للدولة الجسم الاستشارياعتبر ذلك مخالفًا لاتفاق الصخيرات الذي تسير عليه العملية السياسية في البلاد، معتبرًا أنه جزء أصيل في إنشاء واعتماد مشروع قانون الانتخابات، مستندًا في ذلك إلى المادة 23 من الاتفاق السياسي والتي تنص على تشكيل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لجنةً مشتركة بينهما قبل شهرين من انتهاء عمل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، مهمتها اقتراح مشروعي قانوني الاستفتاء والانتخابات العامة الضروريين لاستكمال المرحلة الانتقالية والتشريعات الأخرى ذات الصلة، وتقدم مشاريع القوانين لمجلس النواب لإقرارها. وبالتالي، فإن عمل هذه اللجنة قد عُرقِل وَوُئدت في مكانها.

الاعتماد: مساره ومصيره

لاعتماد هذا المقترح وتمريره من قبل مجلس النواب الحالي، المكوَّن من (200) عضو انتخابًا، وأقل بكثير من هذا العدد حاليًّا بسبب الاستقالة أو المقاطعة أو غيرهما، يحتاج إلى اعتماده موافقة 120 صوتًا، يمثلون دوائر انتخابية من جميع أنحاء البلاد (شرقها وغربها وجنوبها)، في ظل وجود انقسام حاد بين أعضاء البرلمان، من جهة، وأنهم يمثلون دوائر انتخابية لا تقبل هذا التوزيع للانتخابات المقبلة، باعتبار أن قاعدتها الشعبية ترفضه كما هي الحال في غرب البلاد، وحتى شرقها. وقد جرى التعبير عن ذلك مجتمعيًّا وتنظيميًّا عبر أجسام سياسية وبيانات شعبية.

كما أن المجلس الأعلى للدولة يرى أنه جزء من اعتماد أو رفض مقترح هذا المشروع، ويجب أن يبدي فيه الرأي قبل اعتماده، وهذه عقبة أخرى في الاعتماد، باعتبار أن المجلس الأعلى للدولة من الواضح أنه لن يُقرَّه في هذه الصورة وهذه الشكلية والتوزيعية للمقاعد الانتخابية المقترحة من المفوضية.

وبالتالي، فإن تمرير هذا المقترح من قبل المجلس الأعلى للدولة، أو حتى البرلمان في طبرق لن يكون واقعيًّا وإنما هو عثرة أخرى أمام التوافق على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد.

خاتمة

يتضح من مقترح المشروع، والردود التي عليه، وكذلك الإجراءات المصاحبة له، من مداولة أو اعتماد، أن التوافق عليه لن يكون سهلًا، بل إنه ستعتريه أزمات كثيرة، خاصة في ظل وجود عقبات من قبل الفاعلين الليبيين الراغبين في استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه؛ للاستفادة منه في تحقيق بعض الغايات، وهذا من شأنه أن يهدد بانهيار عملية الاستقرار في البلاد.

كما أن إنشاء أو استحداث معايير خاصة لعملية إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية كما هي الحال في المقترحفي ظل دولة تمر بأزمة سياسية حادة إما أن تعطي الأولوية إلى المعايير السابقة، أو تقبل التناقضات في تشكيلات معينة للدوائر الانتخابية، وهذا الأخير لن يكون مقبولًا في دولة تتجاذبها الانقسامات والصراعات مثل ليبيا.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اعتماد هذا المقترح لإجراء الانتخابات المقبلة، في 24 ديسمبر/كانون الأول2021، لن يكون بالسهولة، بل سيضاف إلى الأزمات القانونية والدستورية المتراكمة على الأزمة الليبية ككل؛ الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة أمام جدوى هذا المقترح وطرحه في مرحلة انتقالية جد صعبة من عمر البلاد، في ظل تركيز دولي على إجراء الاستحقاق الانتخابي في موعده المحدد.

وبالتالي، فإن السيناريو الأقرب للتطبيق وإنجاح العملية الانتخابية في موعدها هو: الخروج من هذا الاختلاف الذي أثاره هذا المشروع، والاعتماد على القانون الانتخابي السابق سواء في انتخاب المؤتمر الوطني، العام 2012، أو البرلمان، في 2014، كآلية توافقية لإنجاح الانتخابات وتجنيب البلاد مزيدًا من التشظي والانقسام.

***

الفيتوري شعيب ـ كاتب ليبي

__________

الجزيرة للدراسات

مواد ذات علاقة