بقلم طارق الكحلاوي

أهم حدث في المعادلة الليبية هذا الأسبوع هو القرار الروسي للظهور العسكري العلني في ليبيا عبر إرسال مقاتلات سوخوي وميغ إلى ليبيا.

يُعد ذلك توجها جديدا من موسكو التي حرصت في السنوات الأخيرة، خاصة منذ 2017 عندما قررت خوض غمار الانخراط في الصراع العسكري في ليبيا؛ أن يكون حضورها مموها تحت غطاء قوات مرتزقة تتبع شركة فاغنرالروسية القريبة من الكرملين.

لكن هذا القرار إذ يبدو انغماسا أكبر في الملف الليبي، فهو في علاقة وطيدة بتراجع حفتر، ومن ثمة احتمال التخلي عنه لمصلحة البديل الأبرز، سيف القذافي، إضافة إلى المراهنة على التقسيم والحفاظ على مجال نفوذ في الشرق الليبي كخيار أخير.

كان إعلان الجنرال تاوسند منذ يومين عن تحرش مقاتلات روسية بطائرات استطلاع أمريكية في المجال الجوي الليبي وصور تلك المقاتلات على الأراضي الليبية؛ جزءا من حملة دعائية أمريكية تواصلت في الأمم المتحدة عبر ممثلة واشنطن، لوضع خط أحمر أمام التوغل الروسي العلني في المجال الليبي.

طبعا واشنطن غير معنية بتوسيع تدخلها في ليبيا، وتبدو أكثر اهتماما بتشجيع خفي للدور التركي كواجهة تحدث توازنا أمام الوجود الروسي.

لكن ما يحدث يعكس قرار موسكو كشف وجهها علنا بوصفها عراب حفتر، خاصة بعد فشل الأخير في اقتحام طرابلس وتراجعه في معاقله في الغرب الليبي، خاصة خسارته لقاعدة الوطية الاستراتيجية.

يجب أن نعود إلى الإحداثيات الأساسية على مدى عشرات السنين في الموقف الروسي في خصوص ليبيا، لكي نفهم إلى أين تتجه موسكو في المستقبل:

أولا، الطموح الروسي في إيجاد موطئ قدم في الحوض الغربي للمتوسط، وتحديدا في الساحل الليبي، أمر قديم. كان ذلك مثلا طلبا واضحا وأساسيا لستالين في مباحثات مؤتمر بوتسدام” (1945) عندما ناقش المنتصرون وضع ليبيا في إطار ترتيبات ما بعد الحرب.

ورغم فشله في ذلك، ضمنت ليبيا موقعا قويا كمزود للسلاح خلال حكم الملك إدريس السنوسي، وبشكل أكبر في مرحلة العقيد معمر القذافي. وقام بوتين باحياء الدور الروسي منذ سنة 2000، وخاصة بعد لقائه بالقذافي في 2008.

في السنوات الأخيرة وبعد ضمان موطئ قدم في المياه الدافئة، في الحوض الشرقي في طرطوس، يتجه بوتين إلى تفعيل الحلم القديم في إقامة وجود روسي على الساحل الليبي، ربما في بنغازي.

ثانيا، توسيع النفوذ الروسي إلى خرائط النفط والغاز يعد خيارا استراتيجيا لبوتين الذي يسعى بوضوح إلى أن يكون لاعبا محددا في التوازنات الكبرى للطاقة، والمعركة الأخيرة حول الأسعار والتي جعلته في مواجهة دول الأوبك؛ آخر الأمثلة على ذلك.

بوتين مهتم بشكل خاص للتموقع في الشرق الليبي بمعزل عن حفتر، إذ هناك يكمن الجزء الأكبر من الخزان الاحتياطي النفطي، أيضا توجد بعض أهم المرافق اللوجيستية في تصدير النفط.

ثالثا، الورقة الليبية هي ورقة تفاوضية أساسية لدى بوتين في مواجهة الطرف الأوروبي لإنهاء العقوبات الاقتصادية الأوروبية، خاصة لأن ليبيا منصة أساسية لأي هجمةللهجرة غير النظامية في اتجاه الساحل الأوروبي.

في تقرير حديث (أيار/ مايو 2020) لنشرية غرفة الحربالالكترونية، التابعة لمعهد الحرب للجيش الأمريكي (مؤسسة تتبع وزارة الدفاع) تم خاصة التأكيد على هذه النقطة في تفسير الاهتمام الروسي بليبيا، حيث ذكّر التقرير بتصريحات سابقة للقذافي يهدد فيها أوروبا بفتح الهجرة غير النظامية الافريقية ويجعل أوروبا سوداء، أيضا بتذكير بوتين نفسه بهذه التصريحات في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وهو ما اعتبره مراقبون أوروبيون تهديدا روسيا ضمنيا.

بالمناسبة، من المعلوم أن موسكو بصدد تنشيط قناة تفاوضية مع إيطاليا مؤخرا لثنيها على دعم حكومة الوفاق، ومن المعروف الحساسية الخاصة في إيطاليا (يمينا وحتى يسارا) تجاه موضوع الهجرة غير النظامية.

رابعا، تتالت المؤشرات على سعي موسكو في السنين الأخيرة لإقامة علاقة خاصة مع سيف القذافي، بما يشير إلى أنها غير معنية بحصر علاقتها بحصان واحد، وأنها فكرت منذ فترة في حصان بديل.

تقارير نشرتها وكالة بلومبرغ الأمريكية (آذار/ مارس 2020)، أيضا موقع الديلي بيست الأمريكي، وقبلهما موقع “The Dossier Centre”، كشفت عن وثائق تشير إلى لقاءات في الزنتان في نيسان/ أبريل 2019 بين سيف ووجوه روسية معروفة بقربها من الكرملين مختصة في الدعاية الإعلامية والانتخابات؛

عرضت على سيف استراتيجيةمن أجل تجسيم طموحه السياسية وتعزيز شبكته الإعلامية، وعلى رأسها قناة الجماهيرية، إضافة إلى صفحات التواصل الاجتماعي.

الواضح أن اللقاءات تهدف لتحضير سيف كزعيم قادم لليبيا. ومن المعروف أن بعض استطلاعات الرأي التي حصلت قبل تلك اللقاءات تشير إليه بوصفه أكبر شعبية من حفتر نفسه.

خامسا، في إطار الاستراتيجية الروسية عموما، والتي تستهدف قضم مواقع نفوذ وتعزيز التحالف مع بكين في مواجهة النظام القطبي الأحادي الأمريكي؛ في اتجاه خلق وضع توازن القوىوفق مبدأ “Equilibrium”، فإن روسيا غير معنية بمواجهة مفتوحة مع واشنطن، وستسعى لتجنب مواجهة مع الأتراك مثلما الأتراك حريصون على تجنب المواجهة مع الروس في سوريا وليبيا.

إزاء كل ذلك، وخاصة تقدم قوات حكومة الوفاق في الغرب الليبي، وتصدع جبهة حفتر ببروز عقيلة صالح وقبيلة العبيدات كطرف يأخذ مسافة من الجنرال المتقاعد، فإننا إزاء وضع انقسام واقع بين الشرق والغرب.

بناء على هذه النقاط الخمس، فنحن إزاء خلاصة كالتالي:

لن يتخلى الروس عن دورهم في ليبيا، بل سيعززونه من أجل التموقع على الساحل الليبي لأغراض استراتيجية وعسكرية، وكورقة تفاوضية إزاء الأوروبيين.

وإن فشل حفتر نهائيا في الغرب فإنهم لن يترددوا في اقتراح خطة سلامتقوم على تقسيم ليبيا، وهم لن يتوانوا في هذا السياق، وبمعزل عن أي ضغوط إماراتية تريد حربا أيديولوجية بلا توقف، على إيجاد بديل لحفتر في شخص سيف ، وتقديمه للشرق الليبي كزعيم ليبيا الجديدة تحت النفوذ الروسي.

___________

مواد ذات علاقة