عربي بوست لا تزال حالة الجمود العسكري في جبهة سرت- الجفرة هي السائدة، بينما تجري في الكواليس مفاوضات بين قوى عالمية وإقليمية تهدف لنزع فتيل حرب مدمرة قد تتجاوز آثارها الحيز الجغرافي لليبيا، فهل يمثل دخول الولايات المتحدة على الخط لمجابهة النفوذ الروسي بدايةَ فرض الحل السياسي؟

ثُقل دبلوماسي في مواجهة وجود فعلي

يأتي التدخل الأمريكي من خلال مكالمات ترامب الهاتفية مع نظيرَيْه الفرنسي والمصري وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد؛ داعمي خليفة حفتر، في محاولة على ما يبدو من جانب واشنطن لأن تُلقي بثقلها “الدبلوماسي” لتثبيت وقف إطلاق النار في ليبيا، فيما تعيد موسكو عبر مرتزقة فاغنر إعادة الانتشار والانسحاب خلف خطوط المواجهة، مع التأكيد على رغبتها في إيجاد حل سلمي.

والصراع في ليبيا بين أكبر قوتين نوويتين في العالم لا يتّسم حتى الآن بالحدّة، كما أنه ليس على نفس المستوى، ولا ينظر له الطرفان من نفس المنظار؛ فواشنطن تعتبر ليبيا مساحة نفوذ أوروبية، إذ إن أغلبية النفط الليبي تستورده دول جنوب أوروبا وليست الولايات المتحدة الأمريكية، والأمر ينطبق كذلك على الغاز، حيث أصبحت واشنطن تنافس طرابلس على السوق الأوروبية، بعدما كانت مستورداً صافياً له.

لكن ليبيا تستحوذ على اهتمام واشنطن في نقطتين رئيسيتين، أولاهما “الحرب على الإرهاب”، والذي يمثل هدفاً استراتيجياً لها منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وتنظيم “داعش” الإرهابي حاول تأسيس إمارة بسرت ما بين 2015 و2016، ومازالت عدة عناصر إرهابية منتشرة في وسط وجنوب ليبيا، حسب تقرير للأناضول.

والنقطة الثانية، رفض الولايات المتحدة محاولات روسيا تأسيس قاعدتين بحرية وجوية في سرت والجفرة بالقرب من الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، لكن ومع هزيمة “داعش” في سرت، أصبح تقليص النفوذ الروسي في ليبيا على رأس أولويات القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم).

ولا تسعى واشنطن لإرسال قوات قتالية إلى ليبيا مثلما فعلت في سوريا، إلا بشكل محدود، كما كان قبل بداية هجوم الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، على العاصمة طرابلس في 4 أبريل/نيسان 2019، فترامب، وقُبيل أشهر من خوضه انتخابات رئاسية حاسمة مازال وفيّاً لوعوده التي أطلقها في حملته الانتخابية في 2016، بعدم التورّط في مزيد من الحروب الخارجية.

لذلك تركز واشنطن على الجهد الدبلوماسي، ودعم مواطنتها ستيفاني وليامز، على رأس البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة (منذ مطلع مارس/آذار الماضي)، لتحقيق وقف إطلاق النار، واستئناف اجتماعات 5+5 العسكرية بين الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية وميليشيات شرق ليبيا بقيادة حفتر، كما جرت مؤخراً عدة اتصالات بين الرئيس الأمريكي ونظرائه في تركيا وفرنسا ومصر، من أجل تثبيت وقفٍ لإطلاق النار.

جلسة للجنة العقوبات في مجلس الأمن

في هذا السياق، يمكن قراءة موافقة مجلس الأمن الدولي، فجر اليوم الخميس 23 يوليو/تموز، على طلب ليبيا بعقد جلسة للجنة العقوبات نهاية يوليو/تموز الجاري، بحضور الدول المتورطة في دعم العدوان على طرابلس، وذلك وفق تغريدة لمندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة طاهر السني، عبر حسابه على موقع “تويتر”، قال فيها إن “مجلس الأمن برئاسة ألمانيا ودعم عدة دول، يستجيب لطلب ليبيا بعقد جلسة استماع خاصة للجنة العقوبات وفريق الخبراء”.

وأضاف أنه “من المقرر عقد هذه الجلسة نهاية الشهر (يوليو/تموز الجاري)، بحضور الدول التي ورد اسمها في التقارير الأممية، والمتورطة في انتهاك حظر السلاح، ومحاولات تهريب النفط وغيرها من الخروقات لقرارات مجلس الأمن”.

وكانت وزارة الخارجية الليبية، أعلنت الخميس الماضي، أنها تقدّمت بطلب رسمي لمجلس الأمن الدولي بنيويورك لعقد جلسة للجنة العقوبات، بحضور الدول المتورطة في دعم العدوان على طرابلس، وقال المتحدث باسم الوزارة محمد القبلاوي، في بيان آنذاك: “نسعى أن تكون الجلسة بحضور الدول المتورطة في انتهاك حظر السلاح، والتي أسهمت في دعم العدوان على طرابلس وضواحيها، منذ شهر أبريل/نيسان العام الماضي”.

روسيا وإعادة تقييم الموقف من حفتر

تركّز زاشنطن الآن من خلال “أفريكوم” على تتبع نشاط روسيا وشركة فاغنر في ليبيا، وتسليط الأضواء عليه، سواء ما تعلق بإرسال طائرات حربية روسية إلى قاعدة الجفرة الجوية، أو الأدلة المتعلقة بزرع فاغنر ألغاماً بالأحياء الجنوبية لطرابلس، للضغط عليهما، بالتنسيق مع حلفائها، للانسحاب من ليبيا.

وتاريخياً، انتهت مساعي الاتحاد السوفييتي لإيجاد موطئ قدم في ليبيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945) باتفاق الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، على استقلال ليبيا في 1951، وقطع الطريق أمام موسكو للتموقع جنوب البحر الأبيض المتوسط.

غير أن استراتيجية موسكو في ليبيا أكثر تقدماً من واشنطن، فهي تمتلك مئات المسلحين من مرتزقة فاغنر على الأرض، وطائرات حربية متطورة، ومنظومات دفاع جوي، ويمكن القول مع بعض التحفظ، إن قاعدة الجفرة الجوية أصبحت قاعدة روسية بامتياز، لذلك كانت موسكو أول من تحدث عن أن خط سرت الجفرة خط أحمر، حسبما نقله نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي أحمد معيتيق عن مسؤولين روس.

فليس من السهل أن تتخلى روسيا عن هدف سعت له منذ عقود، وربما منذ قرون، وهو الوصول إلى المياه الدافئة، وأيضاً محاصرة حلف الناتو من الجنوب، رداً على تمدده فيما تعتبره حديقتها الخلفية في الغرب (أوروبا الشرقية).

لكن موسكو تركت خطاً للرجعة، إذ نفت مراراً مشاركة عسكريين روس في ليبيا، كما أنها تدعو علناً إلى إيجاد حل سياسي، وقد تدفع هزائم ميليشيات حفتر في المنطقة الغربية، موسكو إلى مراجعة حساباتها وإعادة ترتيب أوراقها قبل احتراق آخر بطاقة لديها، فالمراهنة على حصان خاسر لا تتفق مع البراغماتية الروسية.

ماذا تريد حكومة الوفاق؟

من جانبها تسعى تركيا للتواصل مع واشنطن وموسكو لإيجاد حل سلمي، وهذا ما يعكس اتفاق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي على التعاون الوثيق في ليبيا، وزيارة وفد روسي إلى العاصمة أنقرة، الثلاثاء، لبحث الوضع في ليبيا.

لكن الحكومة الليبية الشرعية لا يمكنها أن تقبل بأقل من تحرير كامل لمحافظتي سرت والجفرة، إن سلماً فسلم أو حرباً فحرب، فالأمر لا يتعلق باختيار، وإنما بسيادتها على كامل التراب الليبي، ورفضها لتقسيم بلادها أو وقوع أجزاء منها تحت احتلال أي قوة أجنبية.

وحتى إن أفسحت الحكومة الليبية بقيادة فائز السراج، للمفاوضات والحلول السياسية، إلا أنها بالموازاة مع ذلك تحشد الآلاف من قواتها في جبهة سرت الجفرة، وبشكل غير مسبوق منذ معركة تحرير سرت من تنظيم “داعش” في 2016، استعداداً لمعركة محتملة إن أخفقت الجهود الدبلوماسية في إعادة المحافظتين إلى سيادة الدولة.

حفتر عقبة في طريق المخرج السياسي

وبحسب رويترز، اتفقت تركيا وروسيا، الأربعاء 22 يوليو/تموز، على مواصلة السعي لوقف إطلاق النار في ليبيا، لكن أنقرة قالت إن حفتر لا يحظى بالشرعية، وعلى قواته الانسحاب من مواقع مهمة حتى يخرج أي اتفاق يُعتد به إلى النور.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين لرويترز “توصلنا للتو لاتفاق مع روسيا على العمل في سبيل وقف لإطلاق النار في ليبيا، يكون مستداماً ويُعتد به”، وأضاف أن أي اتفاق يجب أن يستند إلى عودة لما وصفها بأنها خطوط الجبهة في ليبيا عام 2015، ما يستدعي انسحاب قوات حفتر من سرت والجفرة، مضيفاً أنه “حتى يكون وقف إطلاق النار مستداماً يتعيّن إخلاء الجفرة وسرت من قوات حفتر”.

وتُهدد مصر التي تساند حفتر بإرسال قوات إلى ليبيا إذا حاولت حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا السيطرة على سرت، وأعطى البرلمان المصري الضوء الأخضر يوم الأحد للتدخل عسكرياً في ليبيا.

وقال كالين إن أي انتشار مصري في ليبيا سيُعرقل جهود وقف القتال، وسينطوي على مجازفة بالنسبة للقاهرة. وتابع “أرى أنها ستكون مغامرة عسكرية خطيرة بالنسبة لمصر”، وتضمّن الاتفاق الذي توصلت إليه روسيا وتركيا، يوم الأربعاء، بخصوص جهودهما لوقف إطلاق النار دعوةً لإجراءات للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى مَن يحتاجونها، وجهوداً لتعزيز الحوار السياسي بين الأطراف الليبية المتناحرة.

لكن كالين أشار إلى أن حفتر انتهك اتفاقات سابقة لوقف إطلاق النار، ولا يُعد شريكاً يمكن الاعتماد عليه، مشيراً إلى أن شخصيات أخرى في الشرق يجب أن يكون لها دور، وقال “لا نعتبره (حفتر) طرفاً يحظى بالشرعية على أية حال”. وأضاف “لكنْ هناك برلمان آخر في طبرق، وهناك لاعبون آخرون في بنغازي، سيتعين إجراء المفاوضات بينهم”.

وفي ظل تلك المعطيات والتحركات، التي تمثل قمة جبل الجليد الظاهرة على السطح بينما الجبل نفسه مختفٍ تحت المياه، يبدو أن الكواليس تشهد مفاوضات ماراثونية بين الأطراف الإقليمية والدولية بهدف التوصل لحل ترضى به الأطراف، وهو ما يبدو شديد الصعوبة في ظل تشابك المصالح وتداخلها، فهل يكون للثقل الدبلوماسي الأمريكي الكلمة الأخيرة، أم أن الوجود الروسي الفعلي على الأرض يعقد الأمور؟.

______________

مواد ذات علاقة