بقلم يوسف لطفي

تهدف هذه الورقة لاستعراض الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي على امتداد مراحله السابقة منذ اندلاع الثورة الليبية في فبراير2011 وحتى هجوم 4 إبريل 2019 الذي شنته قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس وما تبع ذلك من آثار على المشهد السياسي والأمني.

الجزء الخامس

:الأقليات غير العربية

أما الأقليات غير العربية مثل الطوارق والتبو فقد وظفهم القذافي كورقة عسكرية وسياسية. فشكل من الطوارق وحدات عسكرية مقابل منحهم الجنسية الليبية وقام بجلبهم من مالي والنيجر وضمهم لوحدات عسكرية خاصة قاتلت خارج البلاد في لبنان ومالي كما استغل التبو كورقة ضغط على تشاد والنيجر وأبعدهم عن المناصب المهمة.

وظلت معظم مكونات هذه القبائل مهمشة، وسُحبت الجنسية من التبو في التسعينات ثم في عام 2008 وجرى حرمانهم من خدمات التعليم والصحة والتعيين في وظائف الدولة، وظلت مناطق هذه القبائل دون أي تطوير أو بنى تحتية بينما عزز القذافي نفوذ خصومهم العرب “الزوية”.

أما الأمازيغ فكان لهم نصيبهم الوافر من التهميش في ظل موجة العروبة والقومية وقد وصف القذافي -في خطاب 1997- الدفاع عن الأمازيغية بأنه “مؤامرة استعمارية”.

المصالح القبلية:

لقد ارتبطت مصالح القبيلة طوال حقبة القذافي بالشخصيات المتنفذة في نظامه، ومع انهيار النظام في الثورة وجدت القبيلة نفسها على الهامش فلم يكن للقبائل موقف جماعي واضح من الثورة بل خرجت بعض الشخصيات القبلية كـ صالح الاطيوش أحد أعيان قبيلة المغاربة في 14 فبراير 2011، وعقيلة صالح –رئيس برلمان طبرق- في14 فبراير2011 في بيانات مبايعة لنظام القذافي.

هذه العوامل (ارتباط مصالح القبيلة بالنظام، غياب موقف جماعي من الثورة، انحياز بعض الشخصيات البارزة للنظام، وانطلاق الثورة من مدن بنغازي ودرنة) أفقدت المكون القبلي في الشرق دوره في حراك الشارع وقيادة المعركة طوال عمر الثورة.

تجاوزت حالة الثورة الشعارات والنزعات القبلية وبسقوط كامل المنطقة الشرقية خلال مدة قصيرة -خمسة أيام- وهيمنة الثوار عليها اختفت كل الأصوات القبلية الموالية للنظام مما سمح بضم كل مكونات المنطقة الشرقية القبلية تحت غطاء الثورة.

ذلك ما لم يحدث في المنطقة الغربية حيث استمر القتال حتى مقتل القذافي مما أدى لظهور أطراف قبلية ومناطق والت النظام وقاتلت معه كورفلة، ورشفانة، تاورغاء، ترهونة، سرت، رقدالين وغيرها من المناطق والقبائل بينما قاتلت أطراف أخرى النظام كمصراتة، الزاوية، جبل نفوسة وككلة، والزنتان، وهو الأمر الذي كان له الأثر الأكبر في إشعال النزاعات بين هذه الأطراف بعد انتهاء الثورة في حين لم تشهد المنطقة الشرقية نزاعات بين القبائل والمناطق بل أخذ النزاع فيها شكلا آخر بسبب انصهار القبائل والشخصيات الموالية للنظام في بوتقة الثورة.

طغى المناخ الثوري على المنطقة الشرقية، ولم توظف النزعة القبلية في الصراع العسكري إلا لاحقا في عملية الكرامة -حيث استغلت كراهية القبائل الشرقية للثوار ذوي الأصول الغربية لحشد القوى القبلية لقتالهم- بينما أخذ الصراع مع الموالين للنظام في المنطقة الغربية طابعًا قبليًّا مناطقيا في مرحلة مبكرة.

وقد ساهم هذا في تشكيل خارطة التحالفات السياسية والعسكرية والذي انعكس بدوره على المنطقة الشرقية، فاصطفت كتائب ثوار الشرق مع المكونات الثورية بالمنطقة الغربية مما دفع بمكونات قبائل المنطقة الشرقية التي تجاوزتها الثورة لتوثيق تحالفها مع تيار الثورة المضادة”.

المطالبة بدولة فيدرالية وحكم ذاتي

في ظل نشأة هذه التحالفات، برز تيار آخر خارج سياق الصراع الثوري الجاري، تيار له مطالبه وأجندته الخاصة به التي لم تلقَ اهتماما من أي من مكونات الساحة –حتى من حلفائه- وهو التيار الفيدرالي الذي ظهر بتمثيل رسمي لأول مرة في مارس 2012 في مؤتمر أعلن فيه عن تشكيل مجلس برقة التأسيسي وجيش برقة بقيادة حميد الحاسي –عقيد سابق في الجيش- طالب فيه التيار بالحكم الذاتي ومقاطعة الانتخابات.

اعتصم مؤيدو التيار الفيدرالي لاحقا في الموانئ النفطية، وأغلقوا الطرق المؤدية لغرب البلاد، وهاجموا بعض مراكز الانتخاب في بنغازي كما هاجموا طائرة مروحية تحمل موادًّا خاصة بالانتخابات بالرشاشات احتجاجًا على توزيع المقاعد في المؤتمر الوطني العام.

ورغم أن المنطقة الشرقية حظيت بستين مقعدا في المؤتمر الوطني (البرلمان) وتحصلت على وزارة سيادية (الدفاع) و6 حقائب وزارية في حكومة زيدان (الصحة، الإسكان، الشؤون الاجتماعية، الثقافة، الزراعة) كما كان منصب نائب الرئيس من نصيب المنطقة وتم تعديل تقسيم مقاعد لجنة صياغة الدستور إلى 20 مقعدا لكل إقليم استجابة لمطالب الشرق إلا أن احتجاجات التيار تصاعدت حتى بلغت مرحلة إغلاق الموانئ النفطية في 2013.

وذلك الإغلاق استمر لقرابة ثلاث سنوات تكبدت خزانة الدولة فيها خسائر تقدر بمبلغ 125 مليار دولار. كما عمل جهاز حرس المنشآت -بقيادة إبراهيم الجضران– على ابتزاز المؤتمر الوطني ومطالبته بأكثر من 300 مليون دولار كمستحقات للجهاز.

جدير بالذكر أن عمليات إغلاق النفط لم تقتصر على الشرق فقد قامت كتائب الزنتان بإغلاق منشآت النفط عدة مرات للضغط على المؤتمر الوطني، وقد شجعت عمليات الإغلاق وسائل إعلام تحالف “الثورة المضادة” على النكاية في خصومهم الذين كانوا في واجهة الحكم.

وقد عادت عمليات الإغلاق بنتائج كارثية على اقتصاد البلاد، فبالإضافة إلى مبلغ 125 مليار دولار كلف إغلاق كتائب الزنتان حقول النفط 25 مليار دولار.

اقتصر دور التيار الفيدرالي منذ ظهوره على “التشويش” ولعِبَ دورًا في زعزعة الاستقرار أكثر من التيارات الأخرى، فإغلاق الموانئ النفطية تسبَّبَ في أزمة اقتصادية استنفذت الاحتياطي النقدي الذي تراجع من 120 مليار دولار في 2012 إلى 70 مليار دولار في 2016 مما سبب انخفاضا كبيرا في قيمة العملة الليبية مقابل الدولار.

ورغم علو صوت التيار إلا أنه لم يحظَ بشعبية كبيرة لأسباب عدة منها:

  1. تركيبة مدن بنغازي ودرنة السكانية حيث ترجع أصول نسبة كبيرة من سكانها للغرب الليبي – فالتيار يغلب عليه العنصر القبلي العنصري.
  2. عدم وجود أطراف داخلية وخارجية قوية داعمة لمطالب التيار.
  3. طغيان الطابع القبلي على التيار واتسامه بالعنصرية والجهوية -وهي نزعة تم توظيفها لحشد أنصار التيار خلال القتال في عام 2014.
  4. أعمال التخريب التي قام بها التيار في مراحل مبكرة، واستمرت في التصاعد، وتسببت بخسائر مالية ضخمة.

وقد فشل التيار الفيدرالي في تحقيق أي من مطالبه بعد تفجر الصراع في 2014 وانضمامه لتحالف “الثورة المضادة” لافتقاره لمقومات الاستقلال والقيادة ولسيطرة خليفة حفتر ومن خلفه حلفائه الإقليميين على القرار السياسي لهذا التحالف.

النزعة القبلية والحياة السياسية

لا شك أن النزعة القبلية المناطقية لعبت دورا كبيرا في تشكيل ملامح الساحة السياسية في مرحلة ما بعد الثورة، لكن غلب على هذا الدور طابع التوظيف. ففي كل الصراعات السياسية لم تكن القبيلة فاعلًا سياسيًّا مستقلا وإنما كانت مفعولا به.

ويتضح هذا في فقدان القبيلة -ممثلة بوجهائها والشخصيات النافذة فيها- لموقف سياسي خاص بها أو معبر عن رؤيتها السياسية المستقلة لأي من القضايا المهمة والمحورية في الصراع الدائر وإنما يأتي “موقف” القبيلة تأييدا لهذا الطرف أو ذاك متأثرا بالمصالح والغنائم الممكن تحصيلها.

و لا يخلو الأمر من وجود شخصيات بارزة تنتسب لهذه القبائل تملك مواقف سياسية مستقلة لكن عندما يتعلق الأمر بالتمثيل الرسمي للقبيلة فالمواقف السياسية المستقلة تغيب تماما. وعليه فإن القبيلة تعد عنصرا مهما وفاعلا في الصراع لكنها ليست محركة للأحداث.

ويتجلى هذا بوضوح في ضعف التيار الفيدرالي سياسيا فرغم امتلاكه لكل وسائل الضغط والقوة العسكرية اللازمة لإحداث تغييرٍ إلا أن دوره لم يتعدَّ “التخريب” في مراحله الأولى 2012-2013 والتوظيف من قبل “الثورة المضادة” بعد هذا. فالتيار يخوض حاليا حربًا في طرابلس تحت قيادة خليفة حفتر يعارضها معظم أنصاره .

الشواهد على غياب الإرادة والهوية السياسية في القبيلة كثيرة ولعل هذا من تركات النظام السابق إذ حرص على تغييب دور القبيلة ككيان اجتماعي إلا في سياق خدمة النظام وربط موقف القبائل بممثليهم فيه، وهذا جرَّدَ القبيلة من مكانتها ودورها ككيان مستقل.

فجاء دور معظم القبائل بعد الثورة مماثلا لما كان عليه قبلها مع اختلافات بسيطة بسبب انتشار السلاح الذي عزَّزَ من قدرة القبيلة على مساومة السلطة على مغانم ومكاسب محددة. وبالتالي تلخص دور القبيلة في البحث عن الغنيمة ومنافسة القبائل الغريمة عليها دون اعتبار للعواقب السياسية.

عاشرًا : الصدام بين الثورة والثورة المضادة

مقارنة بدول الربيع العربي تُعد ليبيا الأكثر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بفهم خارطة التحالفات ومكوناتها. ويرجع ذلك لكثرة العناصر الاجتماعية والعسكرية والسياسية الفاعلة.

لكن حالة الاستقطاب التي ظلت تتضح يوما بعد يوم صهرت هذه العناصر في معسكرين. معسكر المنتصرين بعد الثورة ومعسكر المنهزمين أو الثورة والثورة المضادة. هذا التلخيص مخل حين يتعلق الأمر بالقراءة الدقيقة لطبيعة مكونات هذه التحالفات وأهدافها لكنه يعطي فهما عاما لمسار الأحداث والصراعات الدائرة .

كانت أهم العوامل التي صاغت تحالف الثورة المضادة :

  1. قانون العزل السياسي.
  2. هيمنة الثوار والإسلاميين على المشهدين العسكري والأمني.
  3. تجاوز الثوار كيان القبيلة وارتباط مصالحها بعناصر من النظام السابق.
  4. التمويل الخليجي والدعم الدولي.
  5. التنافس المناطقي القبلي.
  6. الجهوية في الشرق – والتي كانت محركًا أساسيا للقوى القبلية للانضمام لتحالف الثورة المضادة لطرد الثوار ذوي الأصول الغربية.

لقد شكَّلت هذه العوامل نقطة التقاء مصالح بين أهم عناصر الثورة المضادة (تحالف القوى الوطنية، التشكيلات والشخصيات العسكرية الموالية للنظام، القوى القبلية). ولضعف موقف هذا التحالف على الصعيدين العسكري والسياسي لجأ لمواجهة تحالف الثورة بوسائل أخرى فعمل على محورين:

  1. تفكيك الكيانات والتحالفات الثورية العسكرية.
  2. إسقاط المؤتمر الوطني .

حيث بدأت الثورة المضادة في حشد المظاهرات أمام مقرات كتائب الثوار مطالبةً بحلها وإبدالها بقوات من “الجيش”. ورغم غلبة الطابع المدني على هذه المظاهرات إلا أنها لم تخلُ من حمل المتظاهرين السلاح والمتفجرات محلية الصنع مما أدى لتبادل إطلاق النار وسقوط ضحايا وقتلى في بعضها، كان أبرزها :

*مظاهرات 8 يونيو 2013 أمام أحد مقرات قوة درع ليبيا في بنغازي سقط فيها 32 قتيلا من المتظاهرين المسلحين وقتيلان من كتيبة (درع1).

*مظاهرات 15 نوفمبر 2013 أمام مقر درع الوسطى في طرابلس سقط فيها 31 قتيلا ومئات الجرحى بعد تبادل إطلاق نار بين المهاجمين وأعضاء الكتيبة.

كما تم حشد مظاهرات شبه أسبوعية طالبت بإسقاط المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، وقد كان الإعلام العامل الأكبر في تحريك هذه المظاهرات حيث كانت معظم القنوات الإعلامية آنذاك تتحدث باسم هذا الحلف –إذ كانت معظمها مملوكة لرجال أعمال موالين له– بينما لم يقابل هذه الوسائل سياسات تصدي ناجحة من تحالف الثورة، فكان لسقوط هذا العدد من القتلى أثر كبير في تأجيج الشارع ونتج عنه إخلاء مواقع هذه الكتائب لصالح “الجيش” وفشل إعلام الثورة في وضع الأمور في سياقها ومواجهة الاتهامات التي سِيقت ضد الثوار.

البقية في الأجزاء التالية

____________

مواد ذات علاقة