بقلم علي عبداللطيف اللافي

قبل بدء جلسات ملتقى الحوار الليبي أكدنا في مقالاتنا ودراساتنا التحليلية السابقة أن هناك سيناريوهات أربع محتملة، وأن بينها ما يسمى بسيناريو “التطعيم” – أي تحيين تركيبتي حكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي وأن هذا الأخير سيُحصر في هذه الحالة في تركيبية ثلاثية مع اسناد باقي الأعضاء حقائب وزارية.

وبناء على تحديد تاريخ 24 ديسمبر 2021 كموعد أولي للانتخابات بنُسختيها الرئاسية والتشريعية فإنه يُمكن الجزم أن مُعطيات وحيثيات ومتغيرات وتطورات أخرى قد تقودنا الى ذلك السيناريو – أي سيناريو “التطعيم”- مع ان طبيعة المشهد السياسي منذ أكتوبر 2018 وطبيعة مواقف الأطراف الاقليمية والدولية وما يمكن أن تُفضي له الجولة الثانية من ملتقى الحوار والمزمع استئنافه عبر تقنية الفيديو يوم 23 نوفمبر الحالي، فإنه يمكن القول أن “محمد معين الكيخيا” قد يكون رئيسا للحكومة الانتقالية الأخيرة رغم وجود منافسين كُثر له من المنطقة الشرقية وخاصة في صورة بقاء السراج رئيسا للمجلس الرئاسي؟

من هو “محمد معين الكيخيا”؟

هوابن الجامعي الليبي “منصور محمد الكيخيا”، وهو تعريفا: سياسي ليبي أصيل المنطقة الشرقية، ويعيش منذ سنوات متنقلا بين ليبيا والنمسا والقاهرة وعواصم عربية وغربية رغم اقامته شبه الدائمة في العاصمة الاردنية أي منذ بداية تمثيله للجالية الليبية هناك أي منذ نهاية سنة 2012، وهو سياسي يُقدم نفسه أنه رجل أعمال وسياسي ناشط في المجتمع المدني، ويمكن التأكيد أن له علاقات دولية موسعة وأنه كان مُقربا من “تحالف القوى الوطنية”، ومعلوم أنه باشر لفترة قصيرة خطة سفير لليبيا في الأردن قبل أن يخلفه السفير الحالي “محمد حسن البرغثي”.

في آخر عهد القذافي اعتبر “محمد معين الكيخيا” من أبرز الشخصيات التي تحلقت حول مشروع “سيف الإسلام القذافي الإصلاحي الموسوم يومها بـ”ليبيا الغد”، قبل أن ينضم لثورة فبراير ضمن تيار “محمود جبريل” و معروف عن “الكيخيا” صلاته الوثيقة بـ”عارف النايض” (سفير ليبيا السابق لدى الإمارات وأهم الذين يرشحون أنفسهم لرئاسة ليبيا)، كما كان من بين أكثر المُقربين من الشيخ الصوفي ومربي الثعابين الراحل “أحمد القطعاني”.

ترشيح “الكيخيا” سيناريو قديم ومُتجدّد واحتمال وارد

منذ نهاية أكتوبر 2018 تحرك “الكيخيا” سياسيا بل أن اسمه تم طرحه لتولي حقيبة وزارية في التحوير الذي أجراه “فائز السراج” على حكومته، ولاحقا وفي سياق الصراعات المحتدمة بين المحاور العربية لاختراق حلول الأزمة الليبية بناء على ضغط المجتمع الدولي ونتاج توازن الضعف أو توازن القوى بين طرفي الصراع في ليبيا وأيضا نتاج يقين الجميع أن كل الليبيين قد ملوا المعارك والتطاحن.

وأيضا بعد تقديم مبادرات رئيس حكومة الوفاق فائز السراج (عرضها على الاتحاد الإفريقي) ولمبادرة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر (طرحها أثناء لقائه بغسان سلامة في “الرجمة” قبل خسارته مدينة غريان الاستراتيجية) ومبادرة المبعوث الأممي يومها غسان سلامة (تحيين لمشروع فكرة “الملتقى الجامع”) ومبادرة رئيس تحالف القوى الوطنية يومها “محمود جبريل”)، فسارع “الكيخيا” يومها لتقديم مبادرة تتضمن تنزيل حل سياسي مرحلي ضمن خطة مجالها الزمني سنتين كاملتين.

عمليا أجرى “الكيخيا” في اطار تفعيل مبادرته مشاورات عدة دامت أسابيع لإقناع الفاعلين السياسيين بأن يترأس بنفسه حكومة وحدة وطنية لمدة عامين تتلوها انتخابات سنة 2022، بل أنه أسر يومها لبعض مساعديه أنه التقى في الأردن وتركيا وعواصم عدة ليبراليين وإسلاميين وعدد من الفاعلين.

وأكد لهم يومها أنه لن يدخل في تجاذب مع الأجسام الموجودة وأنه لحل الإشكال الإجرائي في التنزيل قد يتم اقتراحه من قوى إقليمية ودولية وإقناع السراج بان يتخلى له لاحقا على رئاسة الحكومة، وتبيّن لمُحاوريه ممن جلس معهم أنه فعلا مدعوم من بعض الأطراف الدولية وهو ما جعله يزور عددا من العواصم العربية والأوروبية لمزيد من التشاور حول تفاصيل مبادرته.

الثابت أن “الكيخيا” ليس أي سياسي كما يدعي البعض، بل أن اطلاق مبادرته سنة 2019 وإعادة اسمه لواجهة الاحداث خلال الأشهر الماضية، وإعادة تدوير اسمه قبل ملتقى حوار تونس تُبين أن مبادرته السابقة وتحيينها حاليا وإبراز اسمه هو سيناريو وتدبير إقليمي حرفي ودفع للجهود السياسية المستقبلية الممكنة في ظل توازن القوى ميدانيا، خاصة وأنه تجمّل دوما بالحيادية عبر إجراء مشاورات مع الجميع وأنه يومها قد قام بجس نبض أولي وعمل بدقة مُتناهية.

منذ أسابيع أعاد “الكيخيا” العمل على سلسلة مشاورات في تونس وعواصم أخرى عربية وغربية ووسع أيضا فريقه الاستشاري وتكوين فريق ثان مكلف باللوجستيك بل أنه ضم الى فرق عمله بعض بل وأهم الوجوه التي كانت مقربة من “سيف القذافي” على غرار “عبد السلام المشري”.

وقد التقى عددا من السياسيين من مختلف المشارب على غرار لقائه بأحد قياديي حزب العدالة والبناء في تونس، إضافة الى جولة سريعة لعدد من المدن الليبية ومن بينها “مصراتة” والتي التقى فيها بمنظمات ووجه شبابية.

تواجد “الكيخيا” في العاصمة التونسية أثناء أشغال ملتقى الحوار الليبي الأخير وأقام في ضاحية “المرسى” وتحديدا على بُعد مئات الأمتار من النزل الذي التأمت به الاشغال، وتواصل بطرق غير مباشرة مع كثيرين من أعضاء لجنة الحوار، إضافة على تواصله وتشاوره مع عدد من الفاعلين السياسيين الليبيين المقيمين في ضواحي العاصمة (قرطاج – قمرت-المرسى – حي النصر) أو بعض أولئك الزائرين للعاصمة التونسية بمناسبة ملتقى الحوار، كما رتّب مواعيد مع بعض السياسيين التونسيين بل أنه تواصل وتشاور مع بعضهم وفقا لمصادر مقربة منه.

من الواضح والجليّ أن “الكيخيا” مسنود إقليميا ودوليا، كما هو مسنود ومدعوم في بعض مدن الداخل الليبي، وبغض النظر عن تقييم مواقفه السياسية أو مواقف بعض مكونات سياسية واجتماعية ليبية منه، فان مبادرته قد حُيّنت بإيجابية كبيرة وأنّه كان براغماتيا وواقعيا عندما عمد مع فريقه لإعادة تركيبها وتغيير مركباتها المختلفة، كما أن مشاوراته لم تتوقف في جميع الاتجاهات سواء السياسية والاجتماعية في الداخل الليبي، أو تحركه الفاعل والسريع في اتجاه الأطراف والقوى الإقليمية والدولية.

معطيات ومتغيرات وتطورات راهنة ولاحقة تخدم “الكيخيا”

الثابت وكما بينا أعلاه، أن “الكيخيا” صاحب مبادرة سياسية وليس مجرد مرشح عادي وخاصة في وقت غلب على النخبة الليبية ممارسة الكثير من الانتظارية، وبغض النظر عن موقف البعض منه ومن مبادرته السابقة، فإن المؤكد أن العديد من المعطيات الراهنة والمتغيرات الأخيرة وربما اللاحقة أيضا، تخدم الرجل في مسعاه لترأس الحكومة الانتقالية المقبلة والأخيرة والسابقة لانتخابات 24 ديسمبر 2021:

مُؤشرات عديدة تؤكد أن سيناريو التحيين والتطعيم للسلطة التنفيذية في طرابلس (أي اجراء تحوير جزئي على حكومة الوفاق وحصر تركيبة الرئاسي في ثلاث أعضاء مقابل نقل بقية أعضائه للوزارات) هو الأكثر ورودا، وأنه بناء على ما تم الاتفاق عليه في ملتقى تونس فان سيناريو بقاء السراج يعني بشكل شبه كُلي أن رئيس الحكومة سيكون من المنطقة الشرقية، وهو أمر يعني أن “الكيخيا” سيكون أحد أهم المرشحين للمنصب…

في حد أدنى وحتى لو تم تعيين “أحمد معيتيق” رئيسا للحكومة أو أي مرشح ثان من المنطقة الغربية، وبغض النظر عن طبيعة السيناريو فان “الكيخيا” سيكون نائبا لرئيس الوزراء ممثلا للمنطقة الشرقية.

أقام “الكيخيا” خارج ليبيا منذ اندلاع الأزمة في 2014 بل أنه قبلها بسنتين كان في الأردن وغيرها من العواصم العربية والغربية، وذلك يعني أن الرجل مُتخفف من تبعات سياسات حكومة “الثني” وتبعاتها وأيضا هو متخفف من أفعال وسياسيات برلمان طبرق والمتحكمين فيه، وأيضا هو على مسافة مما أتته قوات “حفتر” بغض النظر عن مواقفه المبطنة أو المُعلنة سياسيا واعلاميا من كل المتغيرات والاحداث التي جدت بعد سنة 2012 ومن الثلاثي: “عقيلة” – “الثني”-“حفتر”، وبالتالي فإن اعتراض البعض عليه من طرفي الصراع لن يكون حادا ولا قائما بقوة.

يتمتع الرجل برضا العديد من الأطراف الإقليمية والدولية ورغم قربه أكثر من محور (مصر والسعودية والامارات)، فانه لم يدخل مثل العديد من السياسيين الليبيين في مناكفات مُعلنة مع المحور القطري ـ التركي ولا أي من الأطراف الإقليمية الأخرى، بل أن الثابت أن لهه علاقات ممتدة مع سياسيين ليبيين لهم تواصل وتشاور مع أغلب المكونات والأطراف الإقليمية والدولية، كما لا يمكن تغييب أن فوز “بايدن” الديمقراطي على ترامب الجمهوري قد يساعد “الكيخيا” باعتباره على استعداد ذهني وسياسي للتواصل مع كل الأطراف وفي كل الاتجاهات وخاصة تشريك الإسلاميين بناء على نتائجهم وحجمهم السياسي .

الخطاب السياسي لـ”الكيخيا” ومن خلال قراءة مواقفه المُعلنة ليس استئصاليا ولا اقصائيا وهو على تواصل مفتوح مع الليبراليين والإسلاميين و (أنصار سيف)، وهو قادر على تفكيك الغام العلاقات مع “التبو” و”الطوارق” و”يهود ليبيا” لو أحسن فريقه الاستشاري هندسة لقاءات إعلامية محكمة له وإبراز بعض مواقفه السابقة وحسن توظيفها ابرازا وتنزيلا واخراجا.

معوقات تولي “الكيخيا” لرئاسة الحكومة وكيفية تفكيكها

رغم أن الرجل له الحظوظ الوافرة لتولي المنصب، وهو أمر قائم -كما بيّنا أعلاه- بناء على أن كل المعطيات والمتغيرات والتطورات الحالية واللاحقة تصب في صالحه، ولكن ذلك لا يعني أبدا عدم وجود مُعيقات قد تضعه خارج الحسابات في اللحظات والأمتار الأخيرة، وهي معيقات يمكن له موضوعيا ازالتها أو الانتباه إليها لو أحسن فريقه الاستشاري التعاطي معها ومن بين تلك المعيقات:

أنه ليس المرشح الوحيد في الجهة أو المنطقة الشرقية، ومنافسيه كُثر في الشرق ومن بين أولئك نذكر السفير الحالي في الأردن “محمد حسن البرغثي” إضافة الى “سالم الحاسي” (رغم اصداره بيانا أكد فيه أنه ليس معنيا)، و”مصطفى دلاف البرعصي” (رغم أنه مرشح ومعني أكثر للرئاسي) وتوجد أيضا أسماء أخرى عديدة ظاهرة وخافية حاليا، ويبقى الأداء الإعلامي والاتصالي لفريقه خلال قادم الأيام محددا في جعل الرجل أوليا في ترتيب المرشحين وربما أولويا عليهم .

علاقات “الكيخيا” واصطفافاته الإقليمية ليست واضحة للمتابعين، وهي ما قد تجعل بعض أطراف إقليمية ومحلية تتوجس منه وهو عائق موضوعي على “الكيخيا” المسارعة بمعالجته لان رئيس الحكومة الانتقالية يجب ان يكون جامعا وعلى تواصل مع الجميع ومطلوب منه الوعي أن ليبيا ليس أي بلد في علاقاته الإقليمية (متوسطيا- افريقيا – مغاربيا – دول الساحل والصحراء) ولا الدولية (روسيا – الصين – أمريكا- فرنسا- بريطانيا …)

مواقف الرجل من قضايا إقليمية بعينها فيه العديد من الالتباسات وهو ربما نتاج تشويه متعمد من البعض، ولكن الأكيد فيه الذاتي في مسيرة الرجل وتجربته السياسية وخاصة في عدم قدرته على فهم تقييم المرحلة السابقة والحالية وخاصة عدم قدرته سابقا على تجاوز الألغام الإقليمية القائمة على علاقات مترابطة ومتشابكة ومعقدة مع الوضع الليبي.

وهنا سيرتبط الامر بقدرة العقل السياسي لفريقه الاستشاري على غرار توضيح ملابسات لقاء “رودس” وعلاقته به، ومن ثم المضي في توظيف تفاصيله في اتجاهات عدة ومدى القدرة على تحويله من مُعيق ولغم إلى معطى خادم لترشحه وتوليه رئاسة الحكومة…

هل يكون “الكيخيا” هو “مهدي جمعة” ليبيا؟

عمليا ما يحدث منذ أيام في تسطير مستقبل ليبيا هو عملية استنساخ للنموذج التونسي فرضتها التطورات والرؤى والمتغيرات الدولية والإقليمية وأساسا إصرار الشعب الليبي في غالبيته وجزء من نخبه على دولة مدنية ديمقراطية مما يعني دعم انتقال ديمقراطي عبر دفع تضحيات جسام خلال السنوات الماضية.

وهو أمر اصبح متاحا وقائما وخاصة بعد قبر شُبه كلي لفكرتي “انتاج قذافي آخر” و”سيسي ليبي”، وأيضا بعد سقوط خيار بسط أنظمة عسكرية في المنطقة الشمال افريقية، وهو ما يعني أنه جار البحث على “مهدي جمعة” ليبي بناء على التجاذبات والمناكفات القائمة والشبيه بتلك التي كانت قائمة في تونس في ديسمبر 2013.

في قراءة لمسيرتي الرجلين يمكن القول انهما متشابهان في نقاط عدة الى حدود التطابق الكلي رغم اختلاف الخصوصيات بين البلدين والبيئتين ورغم أن تجربة مهدي جمعة أثرى اقتصاديا وسيرة “الكيخيا” أثرى سياسيا، فانه يمكن القول أن الثاني مطلوب منه أن يحاذر في تلبس نفس منطق وفعل الأول والذي صحيح أنه نجح في الوصول بتونس للمحطة الانتخابية سنة 2014 ولكنه فشل فشلا ذريعا في باقي المهمة ولغم مربعات كثيرة بل ولم يحسن توظيف أهمية الحزام السياسي والاجتماعي الداعم له يومها.

مطلوب من “الكيخيا” أو أي سياسي أو تكنوقراط ليبي يتولى رئاسة الحكومة الانتقالية المقبلة، أن ينجح في الإقلاع بليبيا نحو المرحلة الدائمة وأن يترك لها افاقا واسعة وهامش مناورة في كل الميادين وان لا يكون “مهدي جمعة ليبيا” من حيث أن “مهدي جمعة” التونسي قد فخخ وأربك علاقات بلده مع الليبيين بالذات .

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

________________

مواد ذات علاقة