بقلم علي عبداللطيف اللافي

المتابع لتطورات الأوضاع في ليبيا لا يملك إلا التفاؤل بالوصول الى حل سياسي ولو مرحلي في بلد سيطرت عليه الصراعات والمناكفات والتجاذبات والحروب واستعمال السلاح منذ سنة 2014 .

خاصة في ظل نجاح أولي ومرحلي لملتقى الحوار الليبي في تونس (دارت جولته الأولى كما هو معلوم بين 09 و15 نوفمبر الحالي)، والذي سيستأنف في جولة ثانية عبر تقنية “الفيديو” اليوم الثلاثاء 24 نوفمبر.

ولكن مقابل ذلك يسود توجس وتتنامى التشكيكات وتسيطر على الاذهان حادثة 4 أبريل 2019 عندما عمد الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” .

في ذلك اليوم إلى نقض الاتفاقات والخطوات الأممية وهاجم بقواته وبالمرتزقة (من مختلف الجنسيات) قبل أسبوعين من ملتقى غدامس الذي كان يومها مقررا أن يُنهي الصراعات والحروب والمعارك والتي ملّها الليبيون ولعنوا من تسبّب فيها.

فماهي حقيقة الأوضاع الميدانية أمنيا وعسكريا وما سر التوجس المتبادل بين طرفي الصراع والتي هي أولا وأخيرا انعكاس لحرب بالوكالة تخوضها أطراف ليبية ضيقة الأفق الاستراتيجي لصالح أذرع إقليمية بناء على صراعات المحورين الإقليميين على الأراضي الليبية وبأيد ليبية سقطت عمليا في أتون التكتيك لتجد أنفسها في الأخير خادمة لاستراتيجيات نهب الثروات الليبية الهائلة والنادرة ولتخدم أيضا سياسات المرور اليسير للأطراف الدولية نحو العمق الافريقي؟

تشكيك في سلمية حفتر وفي نوايا حُلفائه الإقليميين والدوليين

إن كان مفهوما لدى سكان المنطقة الغربية وأهم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وحتى العسكريين والأمنيين عدم الثقة في حفتر وعسكرييه بناء على حادثة/اعتداء 4 أبريل 2019 وما أعقبها من اعتداءات وقصف عشوائي وخاصة للكلية العسكرية في طرابلس وتهجير للأهالي ولما جد في ترهونة من جرائم في حق الليبيين إضافة الى تعدّد المقابر الجماعية المكتشفة هناك.

وأيضا إرث حروب بنغازي سنة 2017 ودرنة سنة 2018، فانه يمكن القول أن هناك مبالغة لدى المدونين والفاعلين ولدى مرتادي الشبكة من الليبيين حيث تعددت “الفيديوهات” و”التسجيلات” و”التغريدات”والمحذرة من الغدر والتي تشمل احاديث مختلطة المعلومات والمصادر حول طبيعة التحشيدات في “الجفرة” و”سرت” والجنوب.

إضافة الى سيل كبير من المعطيات والأرقام بعضها جد مُهوّل حول اعداد المرتزقة الجنجويد والفاغنر الروس رغم ان المخاوف يمكن تفهمها بناء على حيثيات الاحداث والتطورات خلال السنوات الثلاث الماضية.

الغرب الليبي مُتوجّس من الصمت الروسي ومن الصمت حول مصير حفتر وأتباعه ومحيطه الاستشاري

الحقيقة ان طرفي الصراع متوجسان من بعضهما، فمناكفات وتباينات وتجاذبات وصراعات وحروب السنوات السبع الماضية، لا يُمكن ان تُمحيَ ترتباتها مفاوضات ولقاءات دولية وإعلان نوايا أو بعض خطوات خاصة عندما يكون الوضع على الأرض ليس فيه ما يبعث على التفاؤل.

ذلك أن الروس وفقا لأهالي وعسكريي المنطقة الغربية تمترسوا في جنوب ليبيا وفي المنطقة الوسطى والتخوفات متنامية في العاصمة طرابلس وكل مدن المنطقة الغربية وبعض مدن الجنوب من التحشيدات الروسية اليومية.

ويُمكن الجزم أن نوايا الروس غير واضحة المعالم رغم زيارة “ستيفاني” لموسكو قبل أيام من بدء جلسات الحوار عبر تقنية “الفيديو” في 26 أكتوبر الماضي، كما أن البعض في المنطقة الغربية لن يأمل في أي نتائج مادام “حفتر” موجودا بناء على المعادلة الصعبة المرتسمة على طبيعة تلك الشخصية والتي مفادها أنه “ليس هناك حل مع حفتر” وتقابلها معادلة ثانية مرفوعة من طرف مكونات الطرف الثاني للصراع ومفادها “ليس هناك حل بدون حفتر”، والحقيقة ان المعادلتين متكاملتين.

وإن كانت معضلة الروس والتوجس منهم من تحشيداتهم وقواتهم يُمكن التقليل منها وفهمها والتغاضي عنها بمعطيات ومعادلات عديدة على غرار وجود الحليف التركي للوفاق والقادر على التوازن مع الروس وفي نفس الوقت الاتفاق معهم ليغادرا معا الأراضي الليبية حال اكتمال الحوار إضافة الى إعطاء الروس عطايا اقتصادية ومنحهم عقود واتفاقيات على غرار استكمال مشروع السكة الحديد الرابط بين سرت وبنغازي.

لكن يبقى اشكال “حفتر” ومستقبله ومستقبل أبنائه وخاصة نجليه “حفتر” و”صدام” في ظل تنامي كُره شعبي غير طبيعي لهما والذي امتد حتى للمنطقة الشرقية أيضا خاصة في ظل الحديث عن عمدهما منذ أيام أثناء حفلة زفاف أحدهما الى اهداء مقربين منهم ومادحيهم سيارات فارهة وهواتف نقال غير طبيعية بل أن ذلك أصبح ممارسة متنامية وأمرا مستمرا في حفلات ومناسبات منذ أكثر من سنة.

ومما لا شك فيه أن حفتر اليوم هو بين خيارين :

ـ ترتيب مستقبله ومستقبل أبنائه والمقربين منه ممن ارتكبوا جرائم في حق اللبيين خارج ليبيا خلال السنوات القادمة وفقا لتوصية وصلته منذ أشهر – قيل يومها أنها من طرف حليفه الروسي والذي يعتمد معه منطق أن الروس “لاعبون به مرحليا ولكنه ليس لاعبهم الفعلي

ـ التواجد الناعم وغير المباشر في الحل السياسي، أي بدون ان يكون فيه مباشرة .. أي التواجد الناعم مع عدم المتابعة المباشرة للمقربين منه، أي التكتيك ان يُعيّن أحد العسكريين المقربين منه كرجل أول مستقبلي في المؤسسة العسكرية، بحيث يكون ذلك العسكري مقبولا من الغرب الليبي ومن القوى الدولية ويُؤطّر مستقبل المقربين سابقا من “حفتر” سواء كانوا من عائلته او من مستشاريه الحاليين والعسكريين والأمنيين.

وقد يكون الخيار الثاني أقرب للواقع والتجسيد رغم إمكانية حدوث وتجسد الخيار الأول بناء على ان مخرجات الحوار السياسي ومجرياته في تونس، قد كرّست نتيجة مفادها انهاء “حفتر الشخص” سياسيا وعسكريا وارباك “حفتر المشروع”.

وما يخشى منه الفاعلون في المنطقة الغربية وحتى في الجنوب، هو ان يُعلق مؤقتا “حفتر المشروع” ليعود لاحقا سيفا مسلطا حتّى بعد تشكيل الحكومة القادمة ومباشرتها لمهامها ويكون بذلك أداة مستمرة لدى المحور الإقليمي الذي تقوده مصر والامارات.

وفي الخلاصة أن التوجس من “الروس” و”حفتر”أمر مقبول ومفهوم ولكنه مبالغ فيه سياسيا واعلاميا، ومن خلال قراءة بعض التدوينات والاستماع الى بعض التسجيلات يمكن القول أن ذلك الامر هو هوس مبالغ فيه ومبني على اثار وتفاصيل وحيثيات ما قبل اعتداء 4 أبريل 2019 ليس الا. فـ”حفتر” يومها اُعطيَ الضوء الأصفر ليفعل ما فعله ويومها كنا في عهد “ترامب” حيث كانتا يدي “بن سلمان” و”بن زايد” مطلوقتين في المنطقة، بينما اليوم الضوء الأحمر اُضئ أمام “حفتر منذ أشهر وهناك “بايدن” الديمقراطي وهناك “ستيفاني” مبعوثة اممية وليس غسان سلامة إضافة الى حالة التوازن محليا وإقليميا ودوليا.

توجّسات متبادلة ومراوحة بين التفاؤل الحذر والتشاؤم المبالغ فيه

من يعتقد أنه من الممكن العودة الى مربعات ما قبل 26 أكتوبر – بداية ملتقى الحوار السياسي عبر تقنية الفيديو – فهو واهم ولديه درجة عالية من التوجّس والحسابات وعليه ان يقرأ المعادلات الجديدة في المنطقة وفي ليبيا.

ان فوز “بادين” في الانتخابات الامريكية له ترتيبات كثيرة على الملف الليبي وعلى استقرار شمال افريقيا، وهو ما يعني أن الأمل قائم وكبير ليس بناء ما سبق فقط بل أيضا بناء على تعدد العوامل محليا واقليما ودوليا.

وأنه في طريق السير من أجل إعادة هيكلة السلطة التنفيذية الليبية، وانه يتوجب على الفاعلين في المنطقة الغربية التقليل من الحذر والتوجّس الذين يطبعان سلوكهما السياسي خلال الايم الماضية خاصة وأن لجنة “الـ5 زائد 5” لم تعد بذلك الاسم أصلا حيث أن اسمها الحالي هو “لجنة العشر” وهي لجنة تمثل كل الليبيين لبناء مؤسسة عسكرية موحدة،

وأن كل الصدع يمكن إصلاحه ولعل التئام اجتماع مجلس النواب منذ يومين في العاصمة المغربية “الرباط” خطوة في الطريق الصحيح، وان التوجسات المتبادلة مفهومة وطبيعية ولكن وجب الاستنجاد بالتفاؤل من اجل غد ليبيا الأفضل بناء على ان هناك توازن ضعف يمكن وصفه أيضا بأنه قوى محليا واقليما ودوليا.

ولكن ذلك لا يجب ان يغيّب حقيقة أن التحديات خلال المرحلة القادمة لم ولن تتنامى وتكون أكثر صعوبة، ولكن الطريقة أصبحت جد سالكة ومسموح بأمل واسع لرؤية قطار الانتقال الديمقراطي في ليبيا وهو يباشر انطلاقه بعد ان تم ردم خيارات الحسم العسكري والميداني وبعد ان شيّع البعض بأنفسهم خيارات “انتاج قذافي جديد” و”سيسي ليبي ”، وبعد ان سقط اقليميا حلم بعض زعامات في المنطقة في بسط أنظمة عسكرية في كامل المنطقة الشمال افريقية.

الخلاصة في كيفية التخلّص من هوس التوجّسات المتبادلة

لم ولن يقف التوجّس في المدى القريب بين طرفي الصراع حتى المضيّ بعيدا في الحل السياسي بناء على أنّ مخلفات السنوات الماضية كبيرة وقاسية ومربكة، ولأن ترسيخ – التوجس- كسلوك هو في الأخير سياسة متبعة في غرف إقليمية لا تريد لليبيا الاستقرار ولا تبغي لليبيين ان ينعموا لا بالاستقرار ولا بخيرات بلادهم وثرواتها ولا بالتناغم الكُلّي بينهم.

مهما كانت المؤامرات التي تحاك هنا وهناك ومهما كثرت الأخطاء وتعددت العسرات التكتيكية، يبقى الليبيون شعب واحد متناغم فكريا ومذهبيا وسلوكيا وهو موحدون بجميع مكوناتهم وفئاتهم ومدنهم وليس هناك من فرق بينهم سوى مدى احترامهم لثنائية الحق والواجب.

كل ذلك سيوقف التوجّسات في المدى المتوسط لتتحول تلك التوجّسات في المدى البعيد الى لحمة وطنية تتماهى مع كل الأقطار المغاربية والتي احتضنت الليبيين وأسندتهم واحتضنت الحوارات بينهم.

يُمكن الجزم أن مستقبل ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية، لن يكون إلّا واعدا من أجل هدف عودة الوئام بينهم كليبيين، حتى يتمكنوا في الأخير وفي مدى جد قريب من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتمكّن من توقّي الصعاب وانهاء المرحلة الانتقالية عبر إجراء انتخابات ديمقراطية تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية.

ما يُمكن التأكيد عليه أن ليبيا ستعرف بالطبع الصعوبات والعراقيل ولكنها ستنجح في الأخير، كما أن النجاح المرحلي والبدء في المرحلة الانتقالية الأخيرة لا يعني عدم تجدد الخلافات لاحقا وان بشكل جزئي ولكن المهم هو النجاح المرحلي لان الخلافات والصراعات بعدها ستكون بيد صاحب السلطة الاصلية وهو الشعب الليبي وهو شعب يدل تاريخه الطويل أنه شعب وطني وصبور وفريد من نوعه.

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

___________

المصدر : صحيفة 24/24

مواد ذات علاقة