بقلم سام أبو المجد

شتان بين تحالف يقود أصحابه إلى نجاح وتحقيق نصر ملموس وواضح على الأرض وتحالف آخر يقود أعضاءه إلى فشل وخسران وتفتيت دول وحروب أهلية تستمر لسنوات.

أثبتت تركيا في تحالفاتها الإقليمية والدولية، أن المنطقة العربية في حاجة لإعادة رسم خريطة تحالفاتها الحالية وإعادة النظر فيها، بعد أن تسببت تلك التحالفات العربية بمزيد من تشظي دول عربية وتدهور البعض الآخر.

تحالفات تركيا قادتها إلى النصر كما في الحالة الليبية، والأذربيجانية، أو حالة المقاومة والصمود وإفشال المخططات كما في الحالة القطرية، فأنقرة حسمت الحرب لصالح هذه الدول في وقت قياسي، مقارنة بما هو عليه الحال في التحالفات العربية من فشل وخذلان.

أربعون يوما

في 27 سبتمبر 2020، أعلنت كل من أرمينيا وأذربيجان الحرب والتعبئة العامة، بعد اشتباكات حدودية بين البلدين وتصعيد عسكري دام عدة أشهر.

كان إقليم ناغورنو قره باغ يتبع أذربيجان، غير أن أرمينيا تمكنت من السيطرة عليه عام 1992، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ودعم السلطة الانفصالية في الإقليم، ومنذ تلك الفترة والبلدان يعيشان تصعيدا مستمرا، انفجر مؤخرا وأسفر عن حرب عسكرية بين البلدين.

في تلك الأثناء، أعلنت أذربيجان الحرب لاستعادة إقليمها المحتل الذي يمثل 20% من مساحة البلاد، وفي مقابل ذلك أعلنت أرمينيا الحرب ضد أذربيجان. وإزاء ذلك، أعلنت تركيا تحالفها ودعمها لأذربيجان لاستعادة إقليمها المحتل منذ نحو 28 عاما.

حسب موقع “بي بي سي”، فقد كانت تركيا الدولة الإقليمية الوحيدة التي اتخذت موقفا واضحا واصطفت إلى جانب أذربيجان، واتسم تدخلها العلني بالسرعة والصرامة رسميا وشعبيا، إلى درجة إصدار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار تحذيرا لأرمينيا من أنها “ستدفع ثمن اعتداءاتها على أراضي أذربيجان”.

ويضيف موقع “هيئة الإذاعة البريطانية”، أن تركيا وضعت كل سبل الدعم العسكري رهن إشارة أذربيجان من صناعات دفاعية وخبرات وتقنيات وقدرات عسكرية، علاوة على ذخائر وطائرات مسيرة وصواريخ وأنظمة.

وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موقف بلاده الداعم بقوة لأذربيجان بقوله: “نقف وسنواصل الوقوف بكافة إمكاناتنا وقدراتنا إلى جانب أذربيجان الشقيقة والصديقة، وإن شاء الله النضال سيستمر حتى تحرير قره باغ”.

لم تدم الحرب طويلا، فسرعان ما سيطرت القوات الأذربيجانية بقوة السلاح على 4 أقاليم داخل المنطقة المتنازع عليها، وكبدت القوات الأرمينية خسائر فادحة، ولم يكن أمام رئيس الوزراء الأرميني إلا إعلان الاستسلام والانسحاب في 10 نوفمبر 2020، والموافقة على تسليم 3 أقاليم أخرى لأذربيجان قبل مطلع ديسمبر المقبل، بموجب اتفاقية بين البلدين رعتها روسيا.

وفي غضون 40 يوما، انتهت الحرب الأرمينية الأذرية لتدخل بذلك ضمن أقصر الفترات حربا وحسما، وانتصرت أذربيجان بفضل عدالة قضيتها، حيث لم تعترف الأمم المتحدة بسيادة أرمينيا على إقليم قره باغ، وبفضل الدعم التركي.

ووجه رئيس الوزراء الأذربيجاني إلهام علييف كلمة عقب انتهاء الحرب، شكر فيها الدعم التركي غير المحدود الذي ساعد بلاده في استرداد حقه المسلوب منذ نحو 28 عاما.

تغير المسار

الحالة الليبية كانت هي الأخرى تجربة تركية تمكنت من تغيير مسار المعركة لصالح الحليف، فمنذ تصويت البرلمان التركي في 2 يناير 2020، على تقديم الدعم العسكري والأمني لحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا، وإرسال الجنود والمعدات العسكرية، تغيرت موازين القوى في ليبيا لصالح حكومة الوفاق.

موافقة البرلمان التركي أتت على خلفية مذكرتي تفاهم بين أنقرة وحكومة الوفاق، تم التوقيع عليهما في 27 نوفمبر 2019، وتتضمن المذكرة الأولى ترسيم الحدود الملاحية في البحر المتوسط، في حين تتناول المذكرة الثانية التعاون العسكري والأمني بين الجانبين.

في تلك الأثناء، كانت أنقرة تؤكد أن حكومة الوفاق المعترف بها من قبل الأمم المتحدة طلبت منها دعما عسكريا “بريا وبحريا وجويا” بغية وضع حد لهجوم الجنرال الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر.

تقديم أنقرة الدعم لحكومة الوفاق سرعان ما أثمر، وانسحبت مليشيات حفتر من مواقعها قرب العاصمة طرابلس، وحسب صحيفة جيروزاليم بوست، “تغير مسار الحرب في ليبيا تماما، منذ توقيع تركيا الاتفاقية مع حكومة الوفاق الليبية”.

مضيفة: “نجحت حكومة الوفاق وبدعم تركيا في صد هجوم القوات التابعة للمشير خليفة حفتر والمدعوم من مصر والإمارات وروسيا، ونجحت في السيطرة على جميع المدن غرب ليبيا، ونجحت أنقرة في إنقاذ حكومة الوفاق، وقلب موازين المعركة في ليبيا”.

وتابعت الصحيفة الإسرائيلية: “رغم أن حكومة الوفاق واجهت عدوا هائلا، فقوات حفتر تملك أنظمة دفاع جوي روسية الصنع ودبابات ومئات من الشاحنات مزودة بمدافع رشاشة وأموال ومخزونات من الأسلحة يتم توريدها عبر مصر والإمارات وروسيا، ومقاتلين تابعين لجماعة فاغنر الروسية وطائرات صينية، إلا أنها نجحت في هزيمته والسيطرة على قاعدة الوطية ومطار طرابلس وترهونة والتوجه نحو سرت والجفرة”.

وفي دراسة نشرها معهد الشرق الأوسط، كتب كل من جايسون باك وولفغانع بوزاتي، أنه “خلال الأشهر التسعة الأولى من الصراع، كان تحالف الجيش الوطني الليبي (قوات حفتر) هو المسيطر نتيجة هيمنته الجوية، ويرجع ذلك أساسا إلى عمليات نقل التكنولوجيا من الإمارات والأطراف الأخرى، والطائرات المقاتلة السوفيتية القديمة التي كانت موجودة في عهد القذافي وطائرات الهليكوبتر الهجومية والأفراد المتمرسون”.

وتضيف الدراسة المنشورة في 20 نوفمبر 2020، أنه منذ يناير 2020 وما بعد ذلك، أدى إدخال تركيا المفاجئ للتقنيات الجديدة والأسلحة والمهارات وقدرات التخطيط الإستراتيجي إلى تغيير الدفة بشكل حاسم، ما أعطى تحالف حكومة الوفاق قدرة مفاجئة للسيطرة على سماء إقليم طرابلس”، بحسب الدراسة.

مقاومة وصمود

في الإمارة الخليجية قطر، كانت هناك حرب من نوع آخر، فقد خاضت الدوحة حربا اقتصادية، إثر إعلان كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، مقاطعة الدوحة، وفرض حصار بري وبحري وجوي عليها صيف 2017، إلا أن قطر تمكنت من الصمود والمقاومة، وتجاوز الآثار الاقتصادية الناجمة عن تلك القرارات.

وبموجب اتفاقيات التعاون مع أنقرة، مكنت تركيا قطر من تجاوز الآثار الاقتصادية الناجمة عن الحظر ومحاولة عزل قطر عن محيطها، حيث أقامت تركيا جسرا جويا زودت من خلاله قطر بكل الاحتياجات والبضائع والمواد الغذائية، وخلقت بديلا، بعد أن منعت دول الحصار توريد البضائع والمواد الغذائية الأساسية لقطر، بهدف معاقبتها ثم الضغط عليها.

وإلى جانب التعاون الاقتصادي، فإن تركيا وقطر وقعتا اتفاقية لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، وقع عليها البرلمان التركي في 7 يونيو 2017، وصادق عليها الرئيس أردوغان في 9 من الشهر ذاته.

تضمنت الاتفاقية إقامة قاعدة عسكرية تستوعب 5 آلاف جندي، ونشر قوات تركية في قطر، وحسب الاتفاقية، فإن المهمة الرئيسية للقوات العسكرية التركية في تلك القاعدة تدريب القوات العسكرية القطرية، ويمكنها أيضا التدخل والمساهمة في حل الأزمات التي يمكن أن تتعرض لها المنطقة.

وبفضل تركيا، توقف التدخل العسكري المزمع ضد قطر، التي تجاوزت الأزمة وتمكنت من الصمود والمقاومة تجاه التهديدات التي تلقتها والضغوط الشديدة التي مورست عليها.

حرب اليمن

على الجانب الآخر، والمناقض تماما للنموذج التركي يأتي الفشل الذريع الملازم للتحالفات العربية في المنطقة، ففي مارس 2015 ترأست الرياض وأبوظبي تحالفا معلنا مكونا من 10 دول، لتنفيذ عملية عسكرية في اليمن، بهدف إنهاء تمرد جماعة الحوثي وإنهاء الانقلاب وإعادة الشرعية.

تسبب التحالف العربي في تمزيق اليمن، وخذلان الحليف المتمثل في الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه هادي منصور، وبات الوضع السياسي والاقتصادي أسوأ مما كان عليه عند تشكيل التحالف وبدء العملية العسكرية.

وبسبب طول مدة العملية العسكرية التي كانت محددة بشهرين، وفشل التحالف في تحقيق أهدافه، انفض التحالف، وبقيت الرياض وأبوظبي ضمن تشكيلة التحالف يتقاسمان أجندة سياسية وإستراتيجية في اليمن، مع وجود رمزي لكل من البحرين ومصر.

ومثلما فشل التحالف العربي في اليمن فشل أيضا التحالف الذي تقوده مصر والإمارات ومليشيا الجنرال خليفة حفتر في ليبيا وانهزم أمام التحالف التركي مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

نموذج مشرق

في حديث للاستقلال يقول الكاتب والصحفي التركي حمزة تكين: “في حقيقة الأمر، فإن ما تقدمه تركيا من نموذج للحلفاء أصبح أمرا يشاد به من قبل كثيرين، ويدعو الآخرين للاقتداء به، حيث أثبتت تركيا أنها دولة قوية وقادرة على دعم حلفائها، حتى في أصعب الظروف رغم كل الأوضاع والحروب السياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية والأمنية والإعلامية والسياحية والثقافية والدينية التي تتعرض لها”.

يتابع تكين: “هناك الكثير من الاتفاقيات والتحالفات بين دول معينة، لكن عند الشدائد تحصل انسحابات وتراجع في الدعم وتهرّب من الواجب في دعم الحليف، لكن هذا الأمر لم يحصل في تركيا، على الأقل في تركيا الجديدة”.

يضيف الصحفي التركي: “بدأت القضية من الصومال عندما تحالف مع تركيا، وكلنا نعلم كيف كانت أوضاع الصومال قبل عقد ونصف من الزمن، وعندما تحالف مع تركيا أين أصبح الصومال اليوم، حيث بدأت بناء أجهزة الدولة من الجيش والشرطة، وكذلك القطاع الصحي، والعديد من البنى التحتية، وها هو الصومال ينطلق من جديد بفضل تحالفه مع تركيا”.

يسترسل تكين: “في ليبيا نفس القضية، استغاثت الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا بالعديد من الجهات حول العالم، ولم يستجب أحد، وكانت تركيا الدولة الوحيدة التي استجابت، وأثبتت أنها حليف صادق رغم كل المكائد الدولية والإقليمية التي تحدث في ليبيا”.

يتابع: “وها هي تركيا اليوم تقوم بتخريج الدفعة الأولى من عناصر وضباط الجيش الليبي، الذي سيعود ويبني الدولة بدعم سياسي ولوجيستي من تركيا، أي أن الدور التركي كان إيجابيا في ليبيا كما كان إيجابيا في الصومال”.

الكاتب المتخصص في الشأن التركي قال: “نفس القضية في قطر، كانت تركيا سباقة في إثبات أنها صادقة مع حلفائها بأصعب الظروف وقادرة على تغيير الموازين، فلبت نداء حليفتها قطر، ودعمتها بالجيش والسياسة والاقتصاد والإعلام وكل شيء، واليوم كلنا يعلم أين أصبحت قطر، وكيف استطاعت أن تحمي نفسها من غدر الآخرين”.

وعن الدعم التركي لسوريا، يقول تكين: “كذلك شعبيا في سوريا، وقفت تركيا مع الشعب السوري، وتتولى حاليا خدمة ما مجموعه يتراوح بين 9 و10 ملايين سوري تقريبا، وهذا الرقم يمثل نصف الشعب السوري تقريبا، ترعاهم تركيا وتدعمهم بالأمن والسياسة والإغاثة والكهرباء والماء، سواء في الداخل التركي أو في مناطق الشمال السوري”.

يضيف الصحفي التركي: “من ذلك أيضا ما حصل في أذربيجان، حيث قدمت تركيا صورة مشرقة في هذا البلد، عندما دعمت حليفتها بهذا الدعم العسكري والسياسي والإعلامي والدبلوماسي، واستطاعت أذربيجان أن تغير المعادلة وتنتصر وتحرر أرضها”.

ويتابع: “هذا التحالف التركي على عكس الصور الأخرى التي نراها، تدخلات من بعض الدول لم تجلب إلا الشر لحلفائها، مثلما جلب تحالف السعودية والإمارات ومصر الويلات على المنطقة والشعوب، والأمثلة كثيرة على ذلك”.

وختم تكين حديثه بالقول: “أصبحنا نرى ونسمع مطالبات من قبل جهات أو شعوب ونقرأ مقالات وتصريحات إعلامية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي يطالبون تركيا بأن تكون حليفا داعما لهم، لأنهم رأوا أن التحالف مع تركيا يجلب الخير والمصلحة لشعوبهم”.

_______________

مواد ذات علاقة