رغم مُحاولة البعض مُراكمة القيود

بقلم علي عبداللطيف اللافي

القارئ بتمعن للتطورات الجارية في ليبيا منذ نهاية أبريل الماضي – أي منذ سيطرة حكومة الوفاق المعترف بها دوليا على كل المنطقة الغربية – يُلاحظ أن هناك سرديتان يُراد تمريرهما إلى ذهن الليبيين وذهن حتى النخب السياسية العربية والافريقية عامة والليبية خاصة:

السردية الأولى:

مفادها أن لا حل في ليبيا، وأن التوافق صعب وأن المجتمع الدولي تتناقض مصالحه بما لا يسمح بإيجاد أي حل يصمد على الأرض لأسابيع فما بالك لأشهر أو حتى لسنة كاملة، وبالتالي ليس هُناك أي أمل في الحلول وان مربعات على غرار “الحرب الاهلية” و”عودة الصراع العسكري الميداني” أو “الانتداب الدولي” هي المنتظرة والمرتقبة في افق الأسابيع القادمة.

السردية الثانية:

أن الملف اللّيبي ليس أولوية للإدارة الامريكية منذ مقتل سفيرها في بنغازي سنة 2012 وأن كل ما يحدث من جولات مكوكية وحوارات ومُلتقيات ليس الا جهد مؤقت لترتيب مستقبل المنطقة ككل ليس الا، وأن “حماية ضخ النفط” و”محاربة الإرهاب” هما فقط الأولويتان الرئيسيتان للإدارات الأمريكية المتعاقبة.

والحقيقة أن ترويج السرديتين السابقتين ليس الا مُجرد سياسات إعلامية لأطراف متورطة في ليبيا أو هي أطراف وظيفية وبلهاء المنزع السياسي، وهي أطراف لم تستسغ سقوط خياراتها ونهاية مبكرة لسيناريوهات كانت تُريد تنزيلها في ليبيا وفي كل المنطقة الشمال افريقية على غرار السقوط النهائي لخيارات “انتاج قذافي جديد″ و”استنساخ سيسي ليبي” أو “بسط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية”.

كما أنه “لا تحتفل الثورتان التونسية والليبية بالذكرى العاشرة لاندلاعهما في 14 يناير 2011 و17 فبراير 2011″، كما ان مسار الأحداث بعد أن هُزم “حفتر” وطردت قواته من المنطقة الغربية وتبين أن وجوده في الجنوب افتراضي سياسيا وأن وجوده العسكري هناك غاشم ومؤقت ليس الا، إضافة الى ما يشبه الثورة الصامتة عليه في المنطقة الشرقية وعلى قواته وعلى المقربين منه، وكل ذلك مضاف اليه تقدم مُطّرد لمجريات الملتقى الحوار السياسي رغم التعثرات والألغام والارباكات.

في الرد على السرديتين المسمومتين

في الرد على السردية الأولى:

، أولا: تلك السردية قامت ورتبت على خطاب صريح أطلقه المبعوث الاممي السابق “غسان سلامة” عندما قال لليبيين “لا يكفي ان تتفقوا لنرسم حلا بل يجب ان يتفق المجتمع الدولي قبل ذلك”، والحقيقة أن الحل في ليبيا – ولو كان في شكل ثلثُ حل فهو افضل من لا حل – سيقوم بناء على توظيف تلك الحقيقة التي سردها أو قالها “سلامة”.

كما أن توازن الضعف أو بالأحرى القوة محليا واقليميا ودوليا سيفرض الحل بغض النظر عن علاته ، كما أن التوازنات الجديدة في المنطقة وبحث بعض القوى الدولية عن استقرار المنطقة الشمال افريقية مضاف اليه سقوط كل الخيارات الراغبة في حرق ثورات الربيع العربي الصامدة منها مقابل ظهور مفترض ومرتقب لموجة ثالثة من تلك الثورات سترسخ فعليا أقدام الثورتان التونسية والليبية المراد وأدهما من قبل عروش خليجية قبل مرور الذكرى العاشرة لكليهما كما اسلفنا ذكره ذلك أعلاه.

في الرد على السردية الثانية:

مما لا شك فيه أولا أنه لا يُمكن الحديث عن “مشروع ازدهار افريقيا” الأمريكي المعلن عنه منذ أسابيع في ظل عدم استقرار المنطقة الشمال افريقية باعتبارها مفتاح القارة السمراء على العالم وعلى المتوسط بالذات.

وثانيا أنه لا يُمكن للأمريكيين التصدي الفعلي والمنهجي للروس وللصينيين واستراتيجيتهما في دخول القارة والتموقع طويل المدى فيها ما لم يحل الملف الليبي باعتبار ان ليبيا هي الممر اليسير والفريد من نوعه نحو العمق الافريقي للأمريكيين بالذات وذلك لأسباب تاريخية واقتصادية وأسباب أخرى جيوسياسية.

أما الامر الثالث فان الحقيقة ان الامريكيين لم يعتبروا يوما أن الملف الليبي ثانوي بل هم اتبعوا استراتيجيا توريط الجميع ( جميع القوى الدولية والأطراف الإقليمية)، ومن ثم كشف فشلهم في إدارة الملف وانهم كانوا يديرونه بآلية الأذرع الخادمة لهم أي بمنطق اسناد اداراته لدول أوروبية وعربية بالآليات الوظيفية المباشرة وأنهم منذ أكتوبر 2018 عادوا فعليا لإدارته مباشرة.

وتماهى ذلك مع ظهور “ستيفاني” نفسها في مرحلة أولى كقائمة بالأعمال بالنيابة للدبلوماسية الأمريكية ثم كمساعدة لغسان سلامة منذ 5 يوليو 2018 ثم مبعوثة أممية بالنيابة منذ مارس 2020، ولا يُمكن تغييب تلك الزيارات المكوكية للسفير الأمريكي في ليبيا بين “باريس” و”القاهرة” و”أبو ظبي” و”أنقرة” وبين المدن الليبية الرئيسية (مصراتة – طرابلس – بنغازي- سبها) في أكتوبر الماضي – والتي كان يشير اليها في تغريداته باللغة العربية- إضافة الى خطوات أخرى قام بها خلال الأيام الماضية على غرار تواصله الأخير مع بعض المكونات الثقافية الليبية.

الدور الوظيفي للمحاور الإقليمية أو سؤال من يراكم القيود ولأي غايات؟

يعتقد البعض من السياسيين في بعض الدول العربية والإقليمية الأخرى أنهم فاعلون ورئيسيون في ملفات المنطقة وأنهم يوجهون الأحداث في هذا الاتجاه أو ذلك، وقد يكون ذلك صحيحا وواضحا في قضايا هامشية أو ترتيبية أو تنزيلية -بما يعني كم يصنع أو يضع بالونة صغيرة في صناعة موديل سيارات جديد أو طائرة من الطائرات أو أي نوع من الأسلحة الجديدة في العالم-

ومن يقرأ الاحداث في ليبيا منذ نهاية 2014 بل وحتى منذ1949، سيعلم ويكتشف ذلك بالتفصيل ويقف على حقائق ادارة ملفات المنطقة واي آلية استراتيجية ترتب بها الأمور، وكل ذلك لا يعني البتة أن السياسات الدولية لا تُرتب وتصنع ويقع دفع سياقاتها على منطق التفاعل مع القوى على الأرض.

ولعل المثال الأبرز في ذلك هو علاقات الأمريكيين وبعض قوى دولية رئيسية مع “طالبان” و”حماس” والحوار معهما بل وامتداد العلاقة بهما أمريكيا بعد أن كانتا تحاربان بكل الوسائل، والسبب الرئيسي في ذلك هو في قدرة الحركتين في فرض وجودهما على الأرض والميدان وقدرتهما على فهم أنه من المهم صنع الفعل والحدث وليس رد الفعل فقط مثلما فعل ويفعل العرب منذ أكثر من سبع عقود.

وكل ما سبق ذكره يُؤكد لنا أن “الاماراتيين” و”المصريين و”السعوديين” من جهة و”القطريين” و”الأتراك” من جهة ثانية وأيضا “الأردنيين” و”العُمانيين” وبقية دول أخرى يتركز دورها على قضايا جزئية وبالأحرى أدوار وظيفية في الملف الليبي بالذات مع تمييز وتميز للأتراك والمصريين لدورهما الرئيسي في المنطقة وطبيعة جيشهما تحديدا.

كما أن إدارة “بايدن” ووزير خارجيته المقترح سترسل مؤكدا وضمنيا رسائل لتك الدول إن لم تكن قد فعلت ذلك أصلا ومنذ أيام وهي بالأكيد رسائل تقول وتؤكد بأن حتى الأدوار الوظيفية سيقع التقليص منها وأنها يجب ان تكون متناغمة مع راسمي سياسات الادارة الأمريكية الجديدة.

بل المؤكد أن منطق تمطيط الحوار الليبي هو في أحد مراميه هو أن تباشر الحكومة الليبية المرتقبة والتي ستنتج ربما قبل 12-12- 2020 وعلى ملتقى الحوار السياسي طبعا، بهدف أن تكون جاهزة وسابقة بأيام فقط لمباشرة الإدارة الامريكية الجديدة مهامها ودخولها مكاتب البيض الأبيض.

ان ما يجري عمليا هو ارتسام واضح لحل سياسي قد لا يكون مثاليا ولا مرضيا لكل الأطراف الليبية ولكنه سيكون مجديا لليبيا والليبيين على الأقل مرحليا، ولكن ذلك لا يعني أبدا أن كل ملامح الازمة قد تلاشت بل أن بعضها سيستمر – وهو أمر جار في الوضع السياسي لكل البلدان العربية والتي هي نتاج طبيعي لتخلف حضاري وعلمي لامة فقدت بوصلتها منذ أكثر من قرنين وتكرس بأكثر سوداوية منذ عقود-

استشرافا، يمكن الجزم أن ليبيا ستكون مفتاح الحل لا في أزمتها الحالية فقط بل وستكون أيضا منطلق الصعود الحضاري للعرب خلال السنوات والعقود القادمة وذلك هي عبقرية المكان الحقيقية والتي ستفرض حتمية الحل السياسي قبل نهاية السنة الحالية.

ولكن عبقرية المكان وامتداد الجغرافيا وفخر التاريخ في ليبيا ستعني أيضا أنه مثلما أقعلت ليبيا في بداية الخمسينات كنتاج لقوة وفاعلية شخصية الملك ادريس السنوسي وأيضا بسبب حنكة ونباهة بعض مقربين منه سواء كانوا ظاهرين يومها في المشهد او بعض المتوارين الذين فعلوا في صمت سواء مباشرة أو من خلال توظيف التجاذبات والتباينات الدولية القائمة يومها .

والخلاصة أن من راكم القيود أو لعب على الهوامش وأفشل مُخرجات كل المؤتمرات الدولية السابقة، هو وظيفي وانه أنيطت بعهدته تلك المهام القذرة خدمة لاستراتيجيات لا يعلم اصلا طبيعتها ولا كنهها، بل الثابت انه ربما لا يعرف صانعوها الحقيقيين والمرتبين لها ولا يعلم أيضا حتى غاياتهم منها.

وذلك بسبب ان الوظيفيين عادة ما يتم اختيارهم بناء على بلاهتهم السياسية وثانيا أن بعض تلك المهام الوظيفية المرحلية مرتب منذ سنوات من بعض حاخامات السياسات الدولية بناء على أن أولئك الحاخامات. وأيضا الوظيفيين هو في الأخير خدم لمحافل وشركات عالمية ولوبيات دولية.

ربما يحلم أولئك الوظيفيين سواء كانوا اقليميين أو محليين أنهم سيواصلون مراكمة القيود من جديد في ليبيا بالذات، عبر مسك بعض حبال ولكنها مؤكدا ستفلت من أيديهم خلال قادم الأيام لأن مُسند الأدوار الوظيفية أنهى ادوارهم وهم لا يزالون لا يعلمون بسحب تلك الأدوار، كما أن إطلاق يدي فاعلين وزعيمين عربيين انتهى وتم منذ مساء 6 نوفمبر الحالي.

حتمية بر الأمان في أفق نهاية سنة 2020

بغض النظر عن التباينات القائمة حاليا سواء بين الأطراف الليبية أو بين الدول المتداخلة والمتعاطية مع الملف الليبي، إضافة الى صُعوبة المهمة الحالية التي تقوم بها المبعوثة الأممية بالنيابة “ستيفاني وليامز” وخاصة خلال الأيام القادمة وإمكانية تعقد الوضع وتعدد الصعوبات خلال ما تبقى من أشغال ملتقى الحوار السياسي أو في جلسات البرلمان سواء تلك الدائرة حاليا في “طنجة” المغربية أو في غدامس خلال الأيام القادمة (وفقا لما هو مرتب).

بغض النظر عن كل ذلك، فإنه يمكن التأكيد على أن نجاح اللّيبيين خلال الأسبوعين القادمين هو أمر مطلوب خاصة وان رهانات الحسم الميداني والعسكري أصبحت من الماضي ولن يعمد إليها أي طرف بناء على سقوط ونهاية فكرتي “انتاج قذافي جديد” و”سيسي ليبي””.

ان تشكيل حكومة وحدة وطنية أمر أصبح لا مفر منه ولكن التوصل اليه والوفاق المرتقب حوله لن يعني أنها – أي الحكومة المرتقبة – لن تُجابه صعوبات عدة ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى ستسعى أطراف عدة إقليمية وربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها وتضخيمها.

بل أن بعض تلك الأطراف ستلعب كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد وخلط الأوراق وإعادة الأمور للنقطة الصفر، أو ربما أعقد مما كان عليه الوضع في أغسطس 2014.

ولكن نعتقد ونؤكد أن مستقبل ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية سيكون واعدا من أجل عودة الوئام بين الليبيين حتى يتمكنوا من إجراء مصالحة وطنية شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتمكن من توقّي الصعاب وانهاء المرحلة الانتقالية عبر إجراء انتخابات ديمقراطية تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية.

***

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_____________

مواد ذات علاقة