بقلم د. سعد أحمد سلامة

على الرغم من مضي أكثر من أربع سنوات على توقيع الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات المغربية، وما ترتب على هذا التوقيع من تخفيف شدة الاضطراب السياسي والتنازع على الحق في امتلاك الشرعية (على الأقل في السنة الأولى من توقيعه).

الجزء الأول

هذا الاتفاق لم يفلح حتى الآن في معالجة الأزمة الليبية، بل على العكس من ذلك؛ يذهب كثير من المهتمين بهذه الأزمة إلى القول: إن التوقيع على هذا الاتفاق ساهم بشكل أو بآخر في زيادة حدتها، بأن جعلها تأخذ منحى تصاعدية من التوتر، البعد الرئيس فيه هو استعصاء قابلية الحل السياسي للأزمة، مع تكون بيئة تعج فيها كل مسببات تحول ليبيا إلى بقايا دولة فاشلة.

ماهية الأزمة الليبية .. تطورات وفهم جديد

في أوسع معانيها، يمكن تفهم الأزمة الليبية على أنها حالة الاضطراب وعدم الاستقرار والفوضى الكبيرة التي عمت البلاد عقب نجاح ثورة 17 فبراير 2011 في تحقيق هدفها الرئيس وهو إسقاط نظام حکم القذافي، مع فشل تام في حسن إدارة الدولة من جانب قادتها الجدد، وما ترتب على ذلك من دخول ليبيا في مواجهة تحديات أربعة مفصلية حادة تهدد بها لا استقرارها وهويتها الوطنية فقط، وإنما أيضا ديمومة بقائها كدولة واحدة. 

التحدي الأول: عملية فجر ليبيا (يوليو 2014).

التحدي الثاني: عملية الكرامة (مايو 2014).

التحدي الثالث: توقيع اتفاق الصخيرات (ديسمبر 2015).

التحدي الرابع: هجوم قوات حفتر على العاصمة طرابلس (أبريل 2019).

والملاحظ أن النتائج والتداعيات المترتبة عن كل تحد من التحديات الأربعة المشار إليها آنفا كان يدخل البلاد في التحدي الذي يليه زمنية وتستمر فيه بدون حل وصولا إلى التحدي الأخير الأشد خطورة الذي ما زلنا نعيش تطوراته حتى الآن، عندما شنت قوات قادمة من شرق ليبيا تابعة لخليفة حفتر في الرابع من أبريل 2019 هجوما عسكريا وصف بالمفاجئ للسيطرة على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية من ليبيا.

كان ذلك بحجة ظاهرها تحريرها مما يسمونها المليشيات الإرهابية، وباطنها، كما أثبت ذلك الكثير من الوقائع والدلائل، وجود قناعة راسخة عند من يقود هذه القوات وداعميه، بأنه لا يوجد حل للأزمة الليبية إلا باستخدام القوة المسلحة.

وبالفعل، وفي زمن قصير نسبيا لم يتعد أربعة أيام، استطاعت هذه القوات السيطرة على كل القرى والمدن التي في طريق قدومها بما فيها مدينة غريان كبرى المدن الواقعة جنوب العاصمة طرابلس بمسافة لا تتجاوز 80 كيلومترا فقط، وبتعداد سكاني حسب النتائج النهائية لأخر إحصاء عام للسكان لسنة 2006 حوالي 120 ألف نسمة، لكن على الرغم من الضخ الإعلامي الكبير الذي ترافق مع هجوم حفتر على العاصمة في محاولة لصنع قناعة ورأي عام داخلي وخارجي بأن عملية السيطرة على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية في طريقها نحو الإنجاز، وبأن واقعا جديدا سوف تشهده ليبيا قريبة جدا.

وبعد مرور أكثر من 8 أشهر على بدء حفتر لهجومه، وما ترتب على هذه العمليات من خسائر معتبرة في الممتلكات والأرواح، لم تستطع قواته من تحقيق هدفها في بسط السيطرة على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، بل على العكس من ذلك، استطاعت قوات حكومة الوفاق المدافعة أن تتجاوز عنصر المفاجأة، وتمسك بزمام المبادرة عندما تمكنت في عملية وصفت بالنوعية بتاريخ 26 يونيو وبعد أكثر من شهرين ونصف شهر من استرجاع السيطرة على مدينة غريان مرة أخرى، وبأن تحصر العمليات العسكرية طيلة الأشهر الثمانية الماضية من عمر الحرب فقط في التخوم الجنوبية من العاصمة طرابلس، على الرغم من الفارق النوعي في السلاح والعتاد لصالح قوات حفتر.

وبعيدا عن الدخول في متاهات التقييم العسكري للعمليات القتالية، شكل هجوم حفتر على المنطقة الغربية المفصل الأهم في تطور الأزمة الليبية عندما أدخلها هذا الهجوم في طور ومرحلة جديدة من الصراع يمكن حصر العناصر الحاكمة فيه في التالي:

ـ غياب كبير للثقة بين القوى الليبية الرئيسة الفاعلة.

ـ استعصاء فرص اللجوء للحوار كأسلوب لحل الأزمة.

ـ تنامي مخاطر تحول الأزمة إلى صراع ما بين شرق ليبيا وغربها، وما قد يترتب على ذلك من تهديدات حقيقية للوحدة الترابية للبلاد.

ـ تحول الأجسام المنبثقة من اتفاق الصخيرات إلى جزء من أطراف النزاع بدلا من أن يكونوا كما يفترض عامل وفاق.

ـ ارتهان القوى الليبية الرئيسة الفاعلة لأطراف خارجية (إقليمية ودولية) ما ظهر من دلائل قوية عن مشاركة عملية لبعض الدول في مجريات العمليات القتالية في ليبيا.

ـ افتقار الدولة لوجود شخصية قيادة ليبية ملهمة، قادرة أولا على بلورة مشروع رؤية وطنية ناضجة، وثانية جعل الناس يلتفون حولها، ثم عمل الأهم وهو التعامل بكل حنكة مع كل العقبات التي تعترض إنجازها داخليا وخارجيا.

الجهود المبذولة لحل الأزمة الليبية

واقعيا، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على توقيع اتفاق الصخيرات، وعلى الرغم من سقف التوقعات العالي حول قدرة هذا الاتفاق على المساهمة في حل الأزمة الليبية؛ ما زالت مضامين هذا الاتفاق وآلياته التنفيذية عاجزة عن الوصول إلى تحقيق هذا الهدف، بل إن الأزمة، وخلافا للمأمول كما سبق الإشارة إلى ذلك آنفا، أصبحت أكثر حدة بعد توقيع الاتفاق.

فبعد أن كانت مسبباتها تكاد تنحصر في مجملها في فوضى انتشار السلاح خارج منظومة الدولة الرسمية، وفي تعثر المسار السياسي المنصوص عليه في الإعلان الدستوري المنبثق عن المجلس الوطني الانتقالي، ولجوء بعض من القوى الرئيسة الفاعلة إلى الاحتكام لاستخدم القوة داخل إطار جغرافي محدود نسبيا، إما للمحافظة على أو لتعزيز مكاسبها السياسية، خاصة منها تلك المتعلقة فيما تراه هي حق مكتسبة في شرعية التولي دون غيرهم؛

أدت التداعيات والنتائج المترتبة على توقيع الاتفاق في السنين الأربع التي مضت من عمره حتى الآن لإضافة مزيد من التعقيد للأزمة الليبية، الأمر الذي دفع بالمعنيين بالملف الليبي داخلية وخارجية إلى البحث عن مسارات جديدة للتعامل مع الأزمة، لا من خلال نصوص اتفاق الصخيرات نفسها كما هو في سياق الجهود السابقة، وإنما من خلال طرح اجتهادات جديدة يتم فيها حتى تجاوز الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات.

ولعل هذا ما عبر عنه ضمنية رئيس البعثة الأممية لدى ليبيا غسان سلامة في إحاطته حول ليبيا أمام مجلس الأمن في يوليو 2018، عندما قال: إن الأزمة الليبية ارتهنت بالكامل للخارج، وإنه لا يمكن تصور حل الها إلا بتحقيق توافق ما بين الدول المعنية بالملف الليبي، وليعود ويكرر ويؤكد ذلك في 25 نوفمبر 2019 في إحاطته الأخيرة في هذا العام، عندما قال بالنص: إن الاستثمار الخارجي في النزاع يتجاوز مقدار المشاركة الوطنية ليبسط سيطرته على مستقبل ليبيا بعيدا عن الليبيين، ويضعها في أيدي أطراف خارجية.

قد تكون هذه القناعة تكونت لدى البعثة ورئيسها، كنتيجة للعوائق المجتمعية والسياسية التي واجهت كل الجهود التي بذلت لتنفيذ اتفاق الصخيرات، لا من خلال مضامين نصوص الاتفاق فقط، وإنما حتى من خلال المؤتمرات الدولية الثلاثة التي تم عقدها حول الأزمة الليبية على التوالي في باريس وباليرمو وأبوظبي، حيث فشلت المؤتمرات الثلاثة في الوصول لتحقيق أي انفراج في حالة الانسداد الذي يعتري العملية السياسية في ليبيا، بل على العكس من ذلك؛ ربما تكون قد صنعت انطباعة عند البعض داخليا وخارجيا بأن الاحتكام إلى استخدام القوة هو الحل الأمثل للأزمة .

يوم مؤتمر باريس (مايو2018)

بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي إطار الجهود الدولية لحل الأزمة الليبية، عقد، بتاريخ 29 مايو 2018، مؤتمر دولي في العاصمة الفرنسية باريس، حضرته 20 دولة، وشاركت فيه القوى الليبية الفاعلة بأربعة وفود، ترأس كل منها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وحسب الإعلان السياسي الصادر عقب انتهاء المؤتمر.

فقد تم التوافق بين القوى الليبية المشاركة على جملة من النقاط المبدئية، أهمها الإقرار بأهمية وضع أسس دستورية للانتخابات يتم من خلالها وتحت رعاية الأمم المتحدة إجراء انتخابات برلمانية، وكذلك انتخابات رئاسية، في العاشر من ديسمبر 2018، ومساءلة كل من ينتهك أو يعيق العملية الانتخابية، كما اتفق المشاركون في المؤتمر على العمل فورا على توحيد البنك المركزي والمؤسسات الأخرى، وعلى الالتزام بدعم جهود الأمم المتحدة في بناء مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية خاضعة للمساءلة والمحاسبة.

إلا أن شيئا من ذلك لم يتحقق، بعد تنصل الأطراف الليبية المشاركة من مخرجاته، كما أن الأمم المتحدة أعلنت مبكرة أن العملية الانتخابية قد أرجئت وستبدأ في ربيع 2019؛ مما يؤشر صراحة على فشل مؤتمر باريس.

مؤتمر باليرمو (نوفمبر2018)

في خطوة ذات دلالة على عدم التوافق الفرنسي الإيطالي حول الرؤية الأصلح لإدارة الملف الليبي، قامت الحكومة الإيطالية بتوجيه دعوة أخرى لنفس القوى الليبية المشاركة في مؤتمر باريس للمشاركة مرة أخرى في مؤتمر آخر عقد يومي 12 و13 نوفمبر بمدينة باليرمو، وتمت فيه مناقشة الأزمة في ثلاثة محاور رئيسة؛ هي:

ـ وضع خطة جديدة لبسط الاستقرار وإجراء الانتخابات،

ـ ومحور ثان يشمل سبل احتواء الأزمة الأمنية في العاصمة،

ـ ومحور ثالث يبحث في كيفية إنعاش الاقتصاد الليبي.

وفي دليل آخر على درجة التأزم التي وصل إليها الملف الليبي، لم تستطع الحكومة الإيطالية استدراك المسببات التي أفشلت مؤتمر باريس عندما سيطرت الانقسامات والخلافات على مجريات المؤتمر، ليس بين الأطراف الليبية فقط، وإنما حتى بين الدول المشاركة فيه، بعد أن انسحبت تركيا من المؤتمر احتجاجا على عدم دعوتها لاجتماع عقد على هامش المؤتمر ضم عددا من الأطراف باعتبارهم أطراف النزاع الأساسيين في الأزمة الليبية.

كما أن المشاركة الفرنسية اقتصرت في تمثيلها على وزير خارجيتها دون رئيس الدولة في احتجاج مبطن على عدم رضاها على عقد إيطاليا لمؤتمر يحمل نفس عنوان مؤتمر باريس الذي قامت هي بعقده قبل أقل من خمسة أشهر فقط، ووجهت مخرجاته المبنية على عقد انتخابات برلمانية ورئاسية قبل إنجاز الاستحقاق الدستوري، برفض رسمي من السلطات الإيطالية عندما اشترطت هذه الأخيرة أن تكون الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفق دستور دائم للبلاد يصوت عليه الليبيون .

البقية في الجزء الثاني

________________

مجموعة التفكير الاستراتيجي -إسطنبول

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مواد ذات علاقة