بقلم علي عبداللطيف اللافي

عكست إشادة الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” المفاجئة أول أمس الاحد 6 ديسمبر الحالي، بدور رئيس البرلمان عقيلة صالح  – والذي تراجعت أسهمه السياسية منذ أسبوعين- مُحاولة للتقرّب من “صالح” بعد أشهر من الخلاف الصامت (والذي كان له تأثيره في الأوضاع السياسية والعسكرية والاجتماعية في المنطقة الشرقية).

إلا أن ذلك فتح الأبواب للتأويلات حول مصير الرجلين وأيّهما سيبقى وأيُّهما سيُغادر بغضّ النَّظر عن شكل المغادرة أو شكل البقاء لكل منهما خاصة وأنّ بعض العارفين قد أصرَّ منذ مدة على وجود معادلة “اذا غادر أحدهما غادر الثاني”، وهي في الحقيقة مُعادلة أيسر كثيرا من معادلة ثانية بل وقد تكون أخذت مكانها بعد هزيمة قوات حفتر في المنطقة الغربية، أي معادلة كانت سابقا تنص على أن “لا حلَّ مع حفتر ولا حَلَّ بدون حفتر”.

سقوط تلك المعادلة بُنيَ على أن مُجريات ملتقى الحوار السياسي وفوز “بايدن” في انتخابات الرئاسة الامريكية أنهيا عمليا دور “حفتر الشخص” وأربكا “حفتر المشروع”، وهو ما يُبرّرُ واقعيا التساؤل عن مستقبل الرجلين المُثيرين للجدل في الشرق الليبي خاصة في ظل الاجتماع المُرتقب للمجلس النيابي في “غدامس” وأيضا في انتظار التصويت المرتقب على الأسماء خلال الأيام القادمة.

هل راهن “حفتر” على مأزق عقيلة لتجنّب الابعاد المباشر؟

من حيث الوقائع وفي نفس اليوم الذي حاولت فيه قُوّاته وفشلت في السيطرة على مواقع عسكرية تابعة للوفاق في مدنية أوباري – الجنوب الغربي -أَثنىَ “حفتر” الأحد 6 ديسمبر خلال اجتماعه بضباط قواته بمقرّ ما يُسمّيه بمقر “القيادة العامة” بالرجمة، على دور المُستشار “عقيلة صالح”، بل ووصفه بـ”الشخصية الوطنية بامتياز”، مبينًا أنه “الداعم الحقيقي للقوات المُسلحة طيلة فترة توليه رئاسة البرلمان”.

وهنا يجب الانتباه إلى أنّ الكثيرين وقفوا كثيرا عن عبارة “طيلة توليه” خاصة في ظل معرفة كل المتابعين أنّ “حفتر” لا يقرأ الا نصوصا مرتبة بدقة خاصة وأنّه في مرحلة ضعف وترقب لمصيره ومصير أبنائه ومحيطه الاستشاري والعائلي.

وبخصوص الحيثيات ذكرت الصفحة الرسمية لما يُسميه المقربون منه بـ” صفحة القوات المسلحة الليبية” على مواقع التواصل الاجتماعي أنه اختتم حديثه بالتأكيد على أن “صالح” ابن قبيلة عريقة مُجاهدة قدّمت الشهداء والتضحيات من أجل ليبيا، وعمليا لم تتضح للمُتابعين بعد المناسبة التي دفعت قائد الجيش الليبي لتقديم هذه الإشادة، في حين يربطها البعض وخاصة المقربين من “حفتر” إعلاميا وسياسيا في ليبيا وخارجها بالمأزق الذي يمرّ به “عقيلة صالح”.

مأزق عقيلة صالح اتربط باتهام الموالون لحفتر أو الذين يُريدون ترويج ان “الإسلاميون” وحلفائهم يروجون لإقالته من رئاسة البرلمان والقول أن “الاخوان” رفضوا خلال جولات الحوار في تونس القبول به كرئيس للمجلس الرئاسي الجديد، والحقيقة ان “عقيلة” له فعليا أكثر من أربع منافسين في انتخابات ممثل المنطقة الشرقية لعضوية الرئاسي (“العبيدي”- “خير الله” – “الوافي” – “البرعصي”).

ومعلوم أن النيّة قد تتجه أن تكون رئاسة المجلس من نصيب الشرق الليبي اذا ما تم التصويت على رئيس حكومة من الغرب (عمليا منصب رئيس المجلس الرئاسي لم يعد ذو أهمية من حيث الصلاحيات بناء على أن نصوص ملتقى الحوار قد ساوت بين الأعضاء الثلاث في المجلس)، ومعلوم أيضا أن “عقيلة صالح” ومنذ أسابيع قد أخذ مسافة أمان بعيدا عن “حفتر” بناء على أنّه يعتقد انه باق بينما اسهم “حفتر” في تراجع.

ما شجع عقيل صالح على ذلك هو تواتر المعطيات والأنباء بشأن وجود اتفاق مدعوم دوليا واقليميا وأمميا بشكل قويّ يهدف لتنصيبه – أي عقيلة صالح- رئيسا للمجلس الرئاسي وأن يكون “فتحي باشاغا” رئيسا للحكومة، وهو الأمر الذي دفعه للابتعاد أكثر من ذي قبل عن “حفتر” مما تسبب في أزمات وخلافات في المنطقة الشرقية بين أنصارهما وحلفائهما السياسيين والاجتماعيين والتي وصلت الى حد الترتيب لمخططات ضد بعضهما رغم اختلاف الروايات بشان التفاصيل وهل وصلت فعلا الى حد التفكير في تصفية بعضهما أو الانتقام من اشخاص من محيط الطرف الثاني؟.

وجدير بالذكر أن نشطاء مقرّبون من قوات “حفتر” وديوانه شبه العائلي، قد شنّوا منذ ثلاث أسابيع حملة ضد “صالح” تتهمه بالتخوين ومراعاة مصالحه الشخصية على حساب “القضية الوطنية” وفقا للعبارات والمصطلحات المستعملة، وفي المقابل أيضا أطلق نشطاء ينحدر أغلبهم من قبائل المنطقة الشرقية حملة ضد “حفتر” وأبنائه متهمين إياهم بالفساد وتبديد الأموال في وقت يعيش فيه أغلب الليبيين وضعا اقتصاديا صعبا.

ووفقا لبعض المتابعين يهدف تقرّب “حفتر” من “صالح” لإحباط أيّ اتفاق يفضي إلى إقصائه من قيادة الجيش أو تحجيم نفوذه وإنهاء سيطرته المطلقة على المنطقة الشرقية، بينما يقول آخرون أن “حفتر” يعرف أنه مغادر بالضرورة وأنّه يُخطط في حد أدنى للبقاء الناعم في الصورة عبر تعيين رئيس اركان قريب منه في الرؤية ويقبل ببقاء أبناءه في الصورة ببغض النظر عن الشكل.

عمليا، عمقت مبادرة “حفتر” حيرة “صالح” الذي بدأ يستشعر خطورة الموقف وبدأ يتحرك لاستعمال صلاحياته لمنع انعقاد جلسة البرلمان في مدينة “غدامس” والتي لوّح البعض بأنها ستكون جلسة لإعادة انتخاب رئيس جديد للبرلمان، في حين تبدو الأمور غير واضحة بشأن ما ستؤول إليه الأمور بخصوص إعادة تشكيل السلطة التنفيذية لاسيّمَا مع تصاعد الحديث عن الإبقاء على “فايز السراج” في رئاسة المجلس الرئاسي وتعيين رئيس حكومة من المنطقة الشرقية (الأغلب “محمد معين الكيخيا”).

أخذ ورد، ومصير الرجلين مُعلّق حتى التصويت عن الأسماء

 لا يختلف اثنان في أن “عقيلة صالح” يعيش حالة ارتباك كبرى وأنه ربما عاد للمراهنة على خلط الأوراق وارسل رسائل بعينها لحفتر، وهو ربما ما دعاه لبعض ردود أفعال بعينها ففي الوقت الذي من المنتظر أن تكون مجموعة من أعضاء البرلمان قد عقدوا الاثنين 7 ديسمبر لقاء لهم في مدينة غدامس أعلن “صالح” عن الدعوة لاجتماع آخر في مدينة “بنغازي” وعاد مجددا لاطلاق اتهامات عبر القول بـ”سعي لقاء غدامس لاختيار رئيس موالٍ لجماعة الإخوان”

بل أن عقيلة صالح شكك في دستورية قرار الأعضاء المشاركين في حوار طنجة بعقد اجتماع في غدامس، والسؤال المطروح بقوة الآن، هو:

هل أنّ عقيلة صالح سيقبل بمبادرة “حفتر” ؟ خاصة بعد تلقيه مكالمة من رئيسة البعثة الأممية “ستيفاني ويليامز ” وسط الأسبوع الماضي عُقب الدعوة التي وجهها لعقد اجتماع في بنغازي اعتبرها كثيرون رسالة دعم لصالح وربما محاولة لطمأنته بشأن استمرار الدعم لمقترح ترشيحه كرئيس للمجلس الرئاسي ولكن يبدو ان ذلك مجرد تخمين ولكن الثابت ان “عقيلة” في وضعية غير مطمئنة ولا يمكن له المغامرة في أي اتجاه.

وبالعودة للخلافات بين الرجلين يمكن التأكيد أنها بدأت منذ مايو الماضي بعدما أعلن صالح عن مبادرة للتسوية السياسية وهو ما بعث برسائل حينها مفادها أنه يعارض تعنّت قوات حليفه السابق بالاستمرار في الادعاء بانه الشرعي عسكريا حيث طالبه حينها بقبول الطرح الدولي أي انسحاب قواته من كل مواقعه قبل البدء في المسار السياسي.

وطبعا حاول “حفتر” حينئذ قطع الطريق على مبادرة رئيس البرلمان من خلال مطالبة القبائل بتفويضه لتولّي الحكم وإسقاط اتفاق “الصخيرات”، ورغم ادعائه باستجابة القبائل لطلبه إلا أنه اضطر للتهدئة في ما بعد وتراجع عن تجميد البرلمان الذي يستمدّ شرعيته من الاتفاق، بل أن “صالح” قطع اشواطا في تجاوز “حفتر” سياسيا بل وفرض من يومها ما يشبه الحصار على “حفتر” سواء محليا أو دوليا حيث خففت القبائل الكبرى في المنطقة الشرقية على غرار “العبيدات”( قبيلة صالح) و”المغاربة” و”العواقير” من دعمها لـ”حفتر”.

كما توقفت أغلب الدول تقريبا عن التواصل الذي كانت تقوم به سابقا معه – أي مع “حفتر”- وسط انتشار رأي عام أنه مغادر بالضرورة وتراكم الأحاديث عن انتهاء دوره لاسيّما بعدما بعثت مصر برسائل مؤيدة لتحجيم نفوذه في أكثر من مناسبة وتبين للمراقبين أنّ هناك تباينات بين المصريين والاماراتيين حول مستقبله السياسي والعسكري.

وكل ما سبق يؤكد أن مصير الرجلين معلق في انتظار الخطوات والتطورات ونتائج التصويت على الأسماء والذي سيبقى رهين التحالفات والمشاورات في داخل ليبيا ومع أهم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في المناطق الثلاث، وبناء قرارات صانعي القرار في عواصم عربية وغربية رغم أن أغلبهم بدوا في حيرة من أمرهم بناء على تعقّد المشهد الليبي وخاصة في ظل نزول الامريكيين بكل ثقلهم.

الخلاصة في مدى صحة مُعادلة ” إذا غادر أحدهما يُغادر الثاني”؟

الثابت اليوم أن كل الوقائع تبين أن وضع الرجلين مهزوز مثلما ثابت أيضا أنّهما من بسطا نفوذهما على الشرق الليبي وعمقا أزمته وأزمة سكانه في أبعادها الاجتماعية والإنسانية وهما المسؤولان فعليا عن كل ما وقع من صراعات في ليبيا لأنهما أصرا على ما حدث في بنغازي ودرنة وفي ما جد من تجاوزات وخروقات عندما دخلت قوات “حفتر” لدرنة وبعض مدن الجنوب وأيضا في الاعتداء على العاصمة وما ترتب عنه.

ولكن الثابت أيضا ان كل منهما راوغ الآخر وأراد وضعه في الزاوية والتضحية به، وأن كل منهما انتبه ربما خلال الايام الماضية أنه يراد التضحية بهما مجتمعين – بغض النظر عن الأشكال والآليات التي قد تتبع أو تنفذ تجاههما في ظل حكومة وحدة وطنية.

ولكن يبقى السؤال:

هل سيرضى أي منهما بالإخراج الناعم للآخر؟

وهل تلك المعادلة مُمكنة أصلا خاصة وأن شخصيتهما قد اهتزتا سياسيا؟

وهل سيكون إبقاء أحدهما مكلفا وممجوجا باعتبار أنهما شريكين – وبالتالي يتحملان النتائج مع بعضهما- وهو ربما ما وعاه “حفتر” أو نبهه له من بقي معه من حلفاء في الإقليم عبر استجلاب “صالح” كواجهة لإبقاء على “حفتر” حتى ولو بطريقة ناعمة.

ولكن بقاء “صالح” مرهون بتغيّر معطيات هي راهنا ضده وخاصة اذا ما تم التصويت على الآلية الثانية، وفي تلك الحالة إما ان يكون صالح عضوا ورئيسا للرئاسي أو في الحالة الأخرى عليه ان يتصل كما رتب سابقا مع شقيق احد مستشارية ليضمن له اقامته مستقبلا في العاصمة الأردنية.

بينما “حفتر” سواء بقي “صالح” أو غادر، فان بقاءه المباشر أمر لن يقبل به حتى المقربين منه – باستثناء أبنائه- وهم الذين حلموا بان يكونوا “عائلة مالكة”.

والثابت أنّ “حفتر” سيُغادر بطريقة ناعمة او سيبقى وجوده ناعما وشكليا وبروتوكوليا لا غير، ولكنه لن يرتاح لبقاء “عقيلة” وسيُصر على ان يبقى الاثنين أو يغادرا الاثنين معا وذلك هو معنى حديثه عنه أول أمس الاحد.

***

­علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_____________

مواد ذات علاقة