بقلم علي اللافي

من المنتظر أن يكون قد تم يوم الخميس 3 ديسمبر الحالي، الاتفاق على الآليات التي ستُفضي لإتمام عملية إعادة هيكلة السلطة التنفيذية وبالتالي التمهيد لاختيار الأعضاء الثلاث للمجلس الرئاسي ورئيس حكومة ونائبيه.

وهو ما قد يتم وسط الأسبوع القادم في تونس عبر الحضور المباشر ومن ثمّ إقامة حفل تكريم للأعضاء الـــ75 للجنة الحوار التي سبق لها ان باشرت أعمالها منذ 26 أكتوبر الماضي عبر تقنية “الفيديو” وليقع لاحقا تمطيط وارجاء جزء من أشغالها في أكثر من مناسبة ضمن سياقات متعددة وأسباب اختلط فيها الذاتي بالموضوعي، وهو ما يطرح السؤال الأهم مستقبلا حول ملامح المرحلة المقبلة وطبيعة التحديات التي ستواجه الحكومة القادمة والمرحلة الانتقالية الأخيرة والتي ستُختتم بإنجاز الاستحقاقات الانتخابية بشقيها الرئاسي والتشريعي والمحددة بتاريخ 24 ديسمبر 2021.

بعد التمطيط لأسباب ذاتية وموضوعية البعثة تُوجّه التحذيرات

حذّرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أول أمس الأربعاء، من تداعيات وجود 10 قواعد عسكرية و20 ألف عنصر بين قوات أجنبية ومرتزقة في المناطق الليبية الثلاث، بل أن بيان البعثة أكد حرفيا أنه “توجد في ليبيا 10 قواعد عسكرية، وتشغلها اليوم بشكل جزئي أو كلي قوات أجنبية”، كما يوجد الآن 20000 من القوات الأجنبية أو المرتزقة في بلادكم، وهذا انتهاك مُروّع للسيادة الليبية،وانتهاك صارخ لحظر الأسلحة”

كما أنّ”وليامز” توجّهت للمشاركين في الجولة الرابعة لملتقى الحوار السياسي في نفس اليوم قائلة “وجودهم – أي الأجانب وقواعدهم العسكرية- ليس لمصلحتكم، بل هم في ليبيا لمصلحتهم، وهناك الآن أزمة خطيرة في ما يتعلق بالوجود الأجنبي في بلدكم”، أما عن مجريات الحوار فقد قالت “وليامز” إنه “يُمثّل أفضل سبيل للمضي قدما في حل الأزمة الليبية”.

كما أكدت مُضيفة أن “هناك الكثير ممن يعتقدون أن هذا الحوار يتعلّق فقط بتقاسم السلطة، لكنه في حقيقة الأمر يتعلق بمشاركة المسؤولية من أجل الأجيال القادمة، وقالت بلغة صارمة وجدية “أقولها وأكررها: الوقت ليس في صالحكم”.

وكانت المبعوثة الأممية بالنيابة قد أكدت خلال اتصال هاتفي يوم الأربعاء 2 ديسمبر 2020 مع رئيس مجلس النواب “عقيلة صالح” على “ضرورة الإسراع في التوافق في لجنة ملتقى الحوار السياسي الليبي، لإنهاء حالة الانقسام والمضي قدما للانتخابات”.

ومعلوم أنه اختُتم مساء الأربعاء، اجتماع ثانٍ من الجولة الرابعة لملتقى الحوار السياسي، عبر تقنية “الفيديو” وقد اتفق المجتمعون خلاله على إجراء تصويت أمس الخميس لاختيار مقترح من بين 12 مقترحا مطروحة بشأن آلية الترشح واختيار من سيشغلون مناصب رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه ورئيس الوزراء.

ومن خلال استقراء التطورات الأخيرة وقراءة خطاب “وليامز” – الّذي أوجزناه أعلاه- فإنّ الثابت مستقبلا أن ملتقى الحوار الليبي:

ـ سيتم التسريع في خطواته خلال الأيام القادمة ولكن سيتم فعليا تمطيطه من حيث تفاصيل نتائج مخرجاته، كما أن أي تمطيط أو ارجاء مستقبلا ولو جزئيان سيُنسبان للأطراف اللّيبية المتنازعة والمُتباينة رغم دور الأطراف الإقليمية والدولية ودور البعثة ومنهجية تعاطيها.

ـ سينجح غالبا وبإصرار دولي وبجهد كبير من المبعوثة الأممية والأمريكية “ستيفاني”.

بغض النظر عن مثالية نجاح ملتقى الحوار السياسي ومخرجاته وتفاصيله التركيبية، فان نقل النجاح مؤسساتيا وتجسيديا، سيتم فعليا ترحيله زمنيا الى الأيام اللاحقة لمباشرة “بايدن” لمهامه في يناير المقبل بهدف أن يجد أن الملف الليبي على أبواب حل وحكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد وثلاثي التركيبة ومسارات متكاملةوفي طريقها للحل النهائي.

فلسفة سياستي”التمطيط”و”الارجاء” وأسباب اعتمادهما سابقا

أولا، كل المتابعين لتطورات الاحداث في بلد عمر المختار انتهوا عمليا لسياسة التمطيط والتي وقفت وراءها واقعيا أطراف عدة بدءا بالبعثة الأممية ولكن يمكن القول ان العوامل الذاتية والموضوعية تداخلت لتعميقها بدءا بالمناكفات والتجاذبات والصراعات بين الأطراف الليبية المتنازعة (عوامل ذاتية) وصولا لوقوف أطراف إقليمية ودولية وراء ذلك بما في ذلك شركات عالمية كبرى ومحافل وقوى دولية لا تظهر للعلن ولكن فعلها أعمق بكثير مما هو متوقع ومقارنة بأزمات القيمية أخرى.

ذلك أن الحديث عن ملتقى الحوار الليبي بدأ فعليا منذ نهاية أغسطس الماضي، بل وكان في البداية مُبرمجا أن تدور جلساته في العاصمة السويسرية “جنيف” في بداية أكتوبر الماضي، ثم تم الحديث عن نقله الى تونس وليقع إقرار منتصف أكتوبر الماضي كموعد لانطلاقه ثم تم الحديث عن نقله إلى”مالطا” أو “المغرب”نتاج تردد السلطات التونسية في بادئ الأمر، وليتم تحديد موعد أولي في 23 أكتوبر الماضي وتم الحديث عن عقده قريبا من الأراضي الليبية أي في جزيرة “جربة” ثم مدينة “طبرقة” أي بعيدا عن العاصمة، ليرجئ الى بداية نوفمبر الحالي قبل تحديد التاسع من نوفمبر الحالي كموعد نهائي له ولتدور اشغاله في نزل بضاحية “قمرت” بين 9 و15 نوفمبر الماضي.

ومما لا شك فيه ان كل ذلك التمطيط لم يكن اعتباطيا بل له فلسفة تؤطر فعل الفاعلين الاقليميين والدوليين وأعضاء البعثة الأممية، وعمليا ورغم استئناف الحوار عبر تقنية “الفيديو” يوم 23 نوفمبر الماضي فانه لم ينته بعد بناء على اجاء التصويت على الآليات ليوم أول امس الثلاثاء 01 ديسمبر بعد تحديد حوالي 07 خيارات لاختيار آلية محددة لاختيار الأسماء، وعمليا لم يتم بعد تحديد موعد فعلي للتصويت على الأسماء رغم القول أن ذلك قد يتم بين الفينة والأخرى ,ان الحكومة ستعلن عن تشكيلتها يوم 12 ديسمبر الحالي وأنها ستضم 24 وزيرا…

  • ثانيا، لوحظ خلال الأسبوعين الماضيين وتحديدا منذ 24 نوفمبر الماضي أي تاريخ استئناف الحوار عبر تقنية “الفيديو” أن سياسة الارجاء قد أخذت فعليا مكان سياسة الافشال التي كانت تعتمدها أطراف محلية ليبية وأخرى إقليمية اثر كل ملتقى دولي في ليبيا منذ امضاء طرفي الصراع لاتفاق الصخيرات ولعل افشال لقاءات ومؤتمرات القاهرة1 و2 وباريس 1 و2 وأبو ظبي 1 و2 وقبلها اعاقة تنزيل اتفاق الصخيرات ودفع البرلمان لعدم اعتماد حكومة الوفاق ومن ثم محاولة افشال “باليرمو” ثم “برلين” رغم نجاحهما النسبي، وعمليا لم تعد تلك السياسة معتمدة في مواقف أغلب الأطراف الإقليمية منذ مؤتمر برلين بل ولاحظ الجميع تعدد التباينات بين المصريين والاماراتيين مثلا، ويظهر أن منطق التمطيط هو سمة مصاحبة لكل البعثات الأممية، حتى أن “ستيفاني” ورغم أنها استطاعت فعليا تجاوز عراقيل والغام إلا أنّها اتبعت منهج سابقيها في التمطيط واللعب على عامل الزمن في الدفع لمواقف بعينها وتنزيل سياسات ترفض أطراف ليبية انتهاجها من حيث المبدأ…

الثابت اليوم أن ملتقى الحوار الليبي: تم وسيتم تمطيطه على الأقل من حيث تفاصيل نتائج مخرجاته وأن الارجاء والتمطيط سينسبان للأطراف الليبية المتنازعة والمتباينة رغم دور الأطراف الإقليمية والدولية ودور البعثة ومنهجية تعاطيها.

سينجح غالبا وبإصرار دولي وبجهد كبير من المبعوثة الأممية والأمريكية “ستيفاني”.

بغض النظر عن مثالية نجاحه ونسبته وتفاصيله التركيبية، فان نقل النجاح مؤسساتيا وتجسيديا سيتم ترحيله زمنيا الى الأيام اللاحقة لمباشرة “بايدن” لمهامه بهدف أن يجد أن الملف الليبي على أبواب حل وحكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد وثلاثي التركيبة ومسارات متكاملةوفي طريقها للحل النهائي.

 أي تحديات منتظرة في أفق تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والاعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟

بغض النظر عن تواصل التجاذبات بين طرفي الصراع وصعوبة المهمة الحالية التي تقوم بها المبعوثة الأممية بالنيابة “ستيفاني وليامز” منذ مدة وهو ما يفسر تصريحاتها وتحذيراتها التي اطلقتها الأربعاء 03 ديسمبر 2020، إضافة الى تعقد تفاصيل المشهد الليبي ومفرداته، فإنه يمكن التأكيد على أن نجاح الليبيين خلال ما تبقى من أشغال ملتقى الحوار السياسي هو أمر يبحث عنه الجميع.

سيكون تشكيل حكومة وحدة وطنية أمرا مطروحا أمر لا مفر منه خلال قادم الأيام وخلال الأسبوعين القادمين، وهي حكومة ستُجابه صعوبات عدة ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى ستسعى أطراف عدة إقليمية و ربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها وتضخيمها.

بعض الأطراف ستلعب كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد وخلط الأوراق وإعادة الأمور للنقطة الصفر، ولكن الثابت أيضا أن تطورات المشهد الإقليمي وطبيعة التحديات الاقتصادية وحتى السياسية في دول الجوار ستدفع الجميع خلال الأيام القادمة نحو إنجاح الحل السياسي وإجراء انتخابات تغلق باب الصراعات.

ورغم ذلك ستعرف ليبيا تحديات جسيمة على مستوى الترتيبات الأمنية وبناء وقيادة المؤسسات السياسية والعسكرية وترتيبات الحدود مع الدول المجاورة رغم العمل المهم للجان الفرعية للجنة العشر. ولكن أمل الشركات العابرة للقارات في الاستثمار في ليبيا ورغبة عديد العواصم الكبرى في إعادة النشاط الفعلي والناجع لسفاراتها في طرابلس من أجل الظفر بعقود لكبرى شركاتها في بلد ذا مجال جغرافي واسع وثروات باطنية هائلة إضافة الى امتداد شواطئه الساحلية وقلة عدد سكانه وصحراء شاسعة وممتدة نحو وسط القارة الإفريقية .

وفي الأخير فان مستقبل ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية سيكون واعدا من أجل عودة الوئام بين الليبيين حتى يتمكنوا من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتمكن من توقي الصعاب وانهاء المرحلة الانتقالية عبر إجراء انتخابات ديمقراطية تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية.

***

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

___________

المصدر: دورية 24/24

مواد ذات علاقة