بقلم كاثرين شاير

هل من الممكن أن تساعد محادثات الأمم المتحدة الأخيرة بشأن وقف إطلاق النار وتحديد موعد لإجراء الانتخابات الوطنية في دفع القوى الإقليمية والدولية التي تلعب أدوارا خطيرة في ليبيا للخروج منها؟

حذرت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة بالإنابة لدى ليبيا، ستيفاني وليامز، مؤخرا خلال الجولة الأخيرة من المحادثات حول مستقبل ليبيا، من المخاطر الناجمة عن تواجد 20 ألف مقاتل أجنبي ومرتزق و10 قواعد عسكرية في جميع أنحاء البلاد.

وقالت وليامز أمام الـ 75 مندوباً من هيئات ومجموعات حكومية مختلفة في الجولة الثانية من ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي عُقد عبر الإنترنت في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول الجاري: “قد ترون أن هؤلاء الأجانب موجودون هنا كضيوف، لكنهم الآن يحتلون منازلكم، ويعملون على تدفق السلاح إلى ليبيا، وهي لا تحتاج إلى المزيد من الأسلحة”. وتابعت: “هم ليسوا في ليبيا من أجل مصالحكم: بل هم فيها من أجل مصالحهم. ولديكم الآن أزمة خطيرة فيما يتعلق بالوجود الأجنبي داخل بلادكم”.

وأشارت المبعوثة الأممية، إلى أن هذه القوات الأجنبية قادمة من سوريا والسودان وتشاد وروسيا، وهم متواجدون امتثالا لأوامر حلفائهم الممولين، من بينهم تركيا ومصر وروسيا والإمارات العربية المتحدة وقطر. موضحة أن جميع هذه البلدان تسعى إلى تحقيق أجندتها الخاصة في ليبيا، من خلال دعم أحد الفصيلين المتنافسين الراغبين في السيطرة على البلاد.

وتُعد ليبيا على المحك الآن، فهي تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز. كما تشكل البلاد نقطة عبور مهمة للمهاجرين الذين يتوجهون إلى أوروبا، فضلا عن كونها ملاذا للمتطرفين والإرهابيين.

والمثير للدهشة، أنه لا تزال هذه القوات التابعة لقوى أجنبية وضمنها مرتزقة، موجودة داخل الأراضي الليبية، على الرغم من أن الممثلين الدوليين في مؤتمر ليبيا الذي عقد في برلين في يناير/ كانون الثاني الماضي وافقوا على الالتزام بحظر توريد الأسلحة. وكما جاء في بيانهم المشترك بعد الاجتماع، يمتنعون عن “التدخل في النزاع المسلح أو في الشؤون الداخلية للبلاد”.

من الواضح أن ذلك لم يحدث. ولكن في الوقت نفسه، كانت هناك بعض الأخبار الإيجابية. ويبدو أن وقف إطلاق النار – المتفق عليه في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي- بين السلطتين اللتين تحاولان السيطرة على البلاد، ما زال قائما.

ومنذ سقوط الدكتاتور معمر القذافي في عام 2011، وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان في شرق البلاد وغربها، وتحظى كل من الحكومتين المتنافستين بدعم من جماعات مسلحة وقوى أجنبية: الأولى برئاسة فايز السراج، المهندس المعماري السابق وزعيم حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة وتتخذ من طرابلس مقرا لها. والأخرى بقيادة القائد العسكري المتمرد خليفة حفتر، وكان جيشه “الوطني الليبي” يسيطر على جزء كبير من البلاد حتى وقت قريب. ويتخذ حفتر من شرق ليبيا مقرا له ويتلقى دعما من الإمارات والسعودية ومصر وروسيا؛ أما السراج فتدعمه تركيا وقطر وإيطاليا.

“مصالح في ليبيا”

وقد أسفرت المحادثات التي قادتها الأمم المتحدة في تونس في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لتشكيل حكومة انتقالية عن التوصل إلى اتفاق لإجراء الانتخابات الوطنية في ديسمبر/ في كانون الأول 2021.

هل يعني ذلك أن ليبيا أصبحت أخيرا – بعد أكثر من ست سنوات من القتال المستمر وما يقرب من عقد من الصراع المسلح – تقترب من السلام، أو على الأقل نوعا ما من الحل السلمي بين الفصائل المحلية والقوى الخارجية الداعمة لطرفي الصراع؟

وردا على هذا السؤال أجاب طارق مجريسي– وهو خبير سياسي في المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، ومتابع للصراع الليبي طيلة العقد الماضي- “للأسف لا”. وقال في حديثه مع DW: “الوضع في ليبيا لا يبدو بهذا السوء من الخارج، خاصة إذا قارنته بمكان ما مثل سوريا”. “ولكنها في حلقة متدهورة. فالأزمة الليبية لديها هذه القدرة الملحوظة لانتزاع الهزيمة من بين فكي النصر“.

وأضاف ميجرسي أنه: “من غير المرجح اندلاع حرب أهلية شاملة الآن، لكن هذا لا يعني حدوث سلام“. مستدركا:” على مدار اجتماعاتهم المختلفة، توصل المشاركون في الصراع إلى اتفاقات عامة بشأن السياسة، لكن كل ذلك ينهار عند مناقشة التفاصيل التنفيذية“.

ويتفق الباحث الذي عمل في ليبيا بين عامي 2012 و2014 مع ما ذكرته المبعوثة الأممية وليامز بأن وجود مقاتلين أجانب داخل الأراضي الليبية يمثل مشكلة. لكن مجريسي أشار إلى أن الأمر الأكثر إشكالية هو البلدان الداعمة والممولة لهم، قائلا:” تلك الدول لديها مصالح خاصة جدا في ليبيا، وهذا يعرقل سبل إيجاد الحلول، لأنه يجب أن يتعلق الأمر بإرضاء تلك البلدان“. وفي حالة روسيا على وجه الخصوص، من مصلحتها حاليا إبقاء الأطراف منقسمة. متسائلا: “كيف تتعامل مع ذلك؟”

نفوذ شركة النفط

أما تيم إيتون، الباحث البارز في تشاثام هاوس (المعهد الملكي للشؤون الدولية) ومؤلف تقرير عن تطور اقتصاد الحرب في ليبيا، فهو ليس متشائماً إلى حد كبير. وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس عن تعليق تحويل إيرادات مبيعات النفط مؤقتا – مصدر الدخل الرئيسي الوحيد في البلاد- إلى المصرف المركزي لحين الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

وقال إيتون: “بالنظر إلى نصف الكوب الممتلئ، نجد أن هذا هو وقت الفرصة، لإخراج ليبيا من وضعها الراهن“. كان من الصعب دائما إيجاد طرق لتحفيز الجهات الفاعلة الإقليمية على تسوية خلافاتهم. متسائلا: “هل سيوفر هذا المزيج من حالة الطوارئ والعملية السياسية فرصة لتحريك إبرة السياسة قليلاً؟

ومن ناحية أخرى، أشار الخبير إلى أن حالة الطوارئ المالية الوشيكة يمكن أن تدفع الليبيين الذين يشعرون بأن مصالحهم باتت مهددة إلى أن يصبحوا غير مستعدين للاجتماع معا. وقال إن هذا لا يتعلق بالمال فحسب: فمن الواضح أن هناك مصالح دولية متنافسة يجب أخذها في الاعتبار، وكذلك حقيقة أن مؤسسة النفط الوطنية تحتفظ حاليا بقيادة البلاد ومنع دفع فدية للجماعات المسلحة.

وتابع إيتون: “هذه اللحظة التي نحن فيها الآن حيث تحاول شركة وطنية دفع العملية السياسية إلى الأمام تظهر مدى الخلل في النظام“. موضحا أن “الضوابط والتوازنات التي كانت موجودة في ليبيا تآكلت بالفعل حاليا، وهذا نتيجة الانقسامات على المدي الطويل. لذا، أعتقد أنه من غير الواضح إلى أين نتجه في الوقت الحالي“.

___________

مواد ذات علاقة