بقلم عمار ديوب

توهمت الثورات العربية أن الدولة العميقة، ومنذ العام 2011، أنها ضعيفة، ومن دون بنية صلبة، ويمكن إزالتها بسهولة.

أكّدت الأمر سرعة رحيل كل من الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك. ثم تبيّن لاحقاً مع وصول كتل من الدول العميقة إلى الحكم في تونس ومصر، وحصول انقلاب عسكري في مصر، أي أن الدولة العميقة أعادت إنتاج ذاتها.

لم تنشغل الثورات بهذه القضايا، وظلّت كتلها الأساسية تتحرّك من أجل تغيير شكل الحكم، إلى الديمقراطية، والأخيرة تتساوى لدى الكتل الوازنة هذه مع الانتخابات، في أحيانٍ كثيرة، متوهمة أن إزالة الشكل الاستبدادي للحكم، ستوصلها إليه في أيّ انتخابات شعبية “نزيهة”، وبالتالي لم تُحلَّل بنية الدولة العميقة من الثورات أو المعارضات.

إطلاق برامج عديدة للثورات، أي لكتلٍ صغيرة منها، وتتعلق بالعدالة الاجتماعية وربط الثورات بالتحرّر من البنية الكولونيالية بشكل كامل، وبالضد من الكيان الصهيوني، لم يكن حظّه وافراً، حيث طرحت الكتلة الأكبر، وهي متنوعة الأيديولوجيات والأعمار، قضية الديمقراطية، واختلفت في كيفية الوصول إليها، وفي تعميقها.

واندلع نقاش عميق وفاسد من قبيل: هل تتساوى “الدولة” العلمانية الديمقراطية مع المدنية .. وقاد النقاش إلى قضايا جانبية، استغلتها البنية العميقة، لتعود إلى الحكم عبر أشكالٍ جديدة.

وبالتالي، لم تتجذّر الثورات الشعبية عبر برامج مجتمعية، تستند إلى الكتلة البشرية الأكثر إفقاراً، وإشراكها بالعمل السياسي للثورات، فكان من السهل تراجع المدّ الثوري، وتفتيته، والارتداد عنه.

وقد حصل هذا في ثورات 2011، وما تجدّد منها لاحقاً، وصولاً إلى ثورات 2019 و2020 في العراق ولبنان والسودان والجزائر. أي أن الثورات لم تتقدّم ببرامج اجتماعية واقتصادية شعبية، واكتفت بمطلب الديمقراطية.

وفي حالة العراق، تم التركيز على التخلص من السيطرة الإيرانية، وهو الجانب الوطني في الثورة العراقية، نظراً إلى تعاظم النهب من الفئات التي سيطرت بعد 2003، وبسبب التبعية العلنية لإيران، ومن دون إخفاء أو تورية، وهناك الانهيار الشديد للخدمات الأساسية.

الدولة العميقة

الدولة العميقة هي المالكة للثروات أو للسلطة، والمؤثرة الأساسية على بنية المجتمع بكليته، وشخصياته، ولها دور أساسي في تشكيل الدولة برمتها، اقتصاداً وسياسةً وثقافة وأيديولوجيا وتراثاً وسواها.

وبالتالي، من دون مواجهتها هي بالذات، لن يكون لتغيير شكل الحكم تأثيرا كبيرا، على الرغم من أهمية الديمقراطية شكلا للحكم أو مسألة سياسية نضالية في برامج الثورات، أو الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين بعامة.

مواجهة الدولة العميقة هي ما يُجذّر الثورات، ويُضيف إليها قطاعات شعبية واسعة، حيث سيكون الأمل كبيراً بتغييرٍ كبير في مختلف مجالات الحياة؛ على الرغم من ذلك، لم تكن الثورات الشعبية قليلة العدد، ولكنها افتقدت إلى معارضات سياسية متماسكة وموحدة، وإلى برامج سياسية وطنية. وبالتالي، كان سهلاً الانقضاض عليها أو حرفها نحو صراعات أهلية، ما دون وطنية.

وفي هذا، التقى النظام مع كتل من المعارضات العربية، والتي تتعامل مع السياسة ببراغماتية فظّة، أي عبر استثمار العشيرة والطوائف والمحليات والأقوام؛ سورية مثال نموذجي عن ذلك (في 2011 اعتُمدت أسماء جُمعٍ ذات دلالة على ذلك، الجمعة العظيمة، جمعة العشائر، جمعة صالح العلي، وسواها كثير)، بينما كان الصحيح أن تطرح قضايا المجتمع السوري ومشكلات النظام والدولة العميقة، ووضع أهدافٍ لجذب أوسع قطاعات مجتمعية.

وفي هذا، نقلّل من شأن القول إن سورية كانت منقسمة سياسياً بالمعنى الطائفي “أو بالمعنى القومي”، ولن يتغير أي موقع لهذه الطائفة أو تلك، وكأنها جواهر قائمة بذاتها.

تلتقي الدولة العميقة مع كتلٍ في المعارضات، بما يخص النظام الاقتصادي الرأسمالي، أنها لا تهتم بكيفية تنظيم هذا النظام، وبما يرفع من دخل الفئات المفقرة، ويحقق إيرادات عالية للدولة تعود على كل المواطنين بتطوير المجتمع وترقيته.

هما لا تفكران إلا بالسلطة، وبكيفية تحقيق أرباح كبيرة لهما عبر الاستيلاء عليها. وهذا يعني أنهما ترفضان طرح القضايا الاقتصادية والمطلبية جزءا من برامج الثورات، والاكتفاء بكليشيهات عامة، كحق الملكية الخاصة المحفوظ، ورفع الضرائب على أرباح الشركات الكبرى.

وهذا لا يطرح الإشكالية الأساسية، إنهاء سيطرة البنية العميقة (الطبقة المالكة للثروات) للدولة على الثروات، وشكل النظام السياسي والمجتمع، وبالتالي تدْحر الثورة ذاتها، عبر برامجها الهامشية، وبالتأكيد طبيعة الأنظمة الاستبدادية، والوحشية هي السبب الأساسي في أزمة الثورات.

أي نظرة متأملة للدول التي حدثت فيها ثورات في 2011، و2019، ترينا حجم الأزمات التي عانت وتعاني منها الثورات. وإذا كانت الثورات هي العامل الثاني في مآلاتنا، فإن العامل الأوّل هي الأنظمة، وهذه بالتحديد هي التي دفعت الصراع مع الثورات، لتصبح حروباً أهلية في أكثر من دولة، ولتتدخل الدول الإقليمية والعظمى في الصراع، وتحاول تشكيل المنطقة وفقاً لمصالح الخارج من جديد.

وقد ازداد، بعد العام 2011، التدخل العالمي والإقليمي في الوضع العربي بشكل كثيف، حتى لا تجد بلداً عربياً خارج ذلك، وفقدت الأنظمة الكثير الكثير من استقلالها، حيث سعت إلى ذلك بتجاهلها مصالح الشعوب وأهداف الثورات، متجاهلة أو عالمة بقوة الدول الخارجية التي تقتنص الفرص من أجل إلحاق الدول الهامشية والضعيفة كامتداد لنفوذها، كما فعلت روسيا بصفة خاصة، وهناك إيران أو تركيا، بل وحتى فرنسا، حاولت إعادة مد نفوذها إلى سورية ولبنان والجزائر.

البنية العميقة والدولة الكولونيالية

توضح مآلات الوضع العربي، ومنذ 2011، أن طبيعة البنية العميقة للدولة هي امتداد للبنية الكولونيالية الرأسمالية، حيث سُحقت الثورات والشعوب بالآليات نفسها للنظم الاستعمارية ما قبل الحرب العالمية الثانية، وكما فعلت الدول العظمى في دول كثيرة بعد الحرب تلك (فيتنام، العراق، وروسيا في سورية).

وهذا يعني أن البنية العميقة والنظام الديكتاتوري الذي يمثل مصالحها ويحافظ عليها تبدّيا قوىً غير وطنية بالكامل، ولهما وظيفة في النظام العالمي الرأسمالي. وتكمن في قمع الشعوب ونهب الثروات الباطنية، ومساعدة إسرائيل في تثبيت نفسها كيانا استيطانيا وعنصريا، ولا نتكلم هنا فقط عن حمى التطبيع التي أصابت أخيرا بعض أنظمة الخليج، والتي لعبت دوراً في تطبيع السودان كذلك، وهناك دول أخرى مرشّحة؛

لا. القضية أقدم من ذلك، حيث كل الدول التي تشكلت ما بعد الحرب العالمية الثانية مارست الوظيفة إياها، وعدا أن شعوبنا كانت مستعمرة قبل ذلك، وبالتالي لم تمتلك مشروعاً تاريخياً ووطنياً للنهوض.

لم تع الثورات خطورة ما فعلته، فهي هدّدت ليس البنية العميقة للأنظمة، وإمكانية إزالتها، وإن لم تضع ذلك على طاولة برامجها، حيث هدّدت السيطرة الكولونيالية التاريخية على بلادنا.

دور الدول العظمى كان واضحاً بتدخله المباشر، ودعمه تغيير واجهات الأنظمة، الرؤساء. وفي اليمن وسورية وليبيا، تمّ تسهيل قيام الحروب الأهلية، وتوريط دول عديدة في تلك الحروب، واستنزافها لصالح حمايات دولية أو صفقات السلاح، والتي جنت من خلفها شركات الدول العظمى مليارات الدولارات، وأنقذت شركات السلاح من الإفلاس.

لا يمكن تجاهل أن الثورات كانت حتمية الوقوع. أما تحولاتها، وضعف برامجها، فكانت نتاج شروط عامة، وكذلك نتاج السياسات الفاشلة للمعارضات، وبالتالي يجب انتقاد دورها في إفشال الثورات، وليس الاكتفاء بتحميل الأنظمة مسؤولية مصائر الثورات والدول، وإذا كان هذا صحيحاً، فهو ليس كل العوامل لتلك المصائر.

تهميش الدول

كانت كلفة القضاء على الثورات تهميش الدول نفسها، حيث ما زالت تونس تتأرجح بتجربتها الديمقراطية، ولكنها فشلت في تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

ومصر أصبحت محكومةً بنظام بوليسي مافياوي.

وأما سورية وليبيا واليمن فقد تهشمت فيها الدولة، ونصف سكان سورية أصبحوا لاجئين، وفيها عدة احتلالات، وأصبحت روسيا كدولة عظمى تفرض احتلالاً عليها، ويزداد يومياً ليصبح شاملاً.

إذاً كانت نتائج أغلبية دول الثورات العربية لصالح تعميق السيطرة الخارجية عليها، وتخريب النسيج المجتمعي، وجعلها محكومة بأنظمة مافياوية أو هامشية (ليبيا واليمن).

النهب الذي مارسته الأنظمة، جدّد الثورات، وبشكل أكبر في 2019، وكانت نتائجها تغيير حكومات في العراق ولبنان وإسقاط النظام في السودان، وتغيير بعض شخصيات النظام في الجزائر. الأهم أن ذلك النهب، والاندماج في النظام العالمي، أدّيا إلى أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة، فكانت الثورات الشعبية 2011، و2019، والتي لا تختلف نتائجها كثيرا عن نتائج الأولى، ولكن لها إضافاتها؛ فقط ابتعدت كليّة عن السلاح، وجذّرت الجانب الوطني فيها، حيث المسألة الوطنية ورفض كل تدخل خارجي مطروح بقوة في العراق والجزائر والسودان ولبنان، ورفضت الأسلمة كذلك.

أخفقت ثورات 2011 في إحداث تغييرٍ عميق في الأنظمة، وكرّرت الأمر ذاته ثورات 2019. وبالتالي يطرح السؤال: لماذا تخفق الثورات مرة تلو الأخرى؟ وهل القضية فقط في غياب برامج وطنية شاملة، أو بسبب سيطرة المعارضات التقليدية عليها، والتي لا تتقدم ببديلٍ تاريخيٍّ، وإنما تعيد طرح قضية الديمقراطية، وكأنّها السحر بعينه، وبمجرّد تكرارها كلفظةٍ تتخلص الشعوب من كل مشكلاتها!

حدوث الثورات يعني أنها ضرورة من أجل بناء نظام اجتماعي جديد، وباعتبار ثورات القرن العشرين كانت للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ولاحقاً توقفت هذه الأطروحة، وكانت نتائج اشتراكية الأمس كارثية، فإن الشعوب الثائرة، وقد تشبعت بكراهية الاشتراكية من الأيديولوجيا الليبرالية، وأن الفرد لا علاقة له بالآخر، والآخر معيق لتطور الفرد، وأن هذا الخيار يناسب طبيعة الإنسان “البيولوجية”.

إذاً، حدثت الثورات والشعوب لافظة الاشتراكية من قاموسها، أو لمسالة تنظيم ذاتها بشكل دقيق. وحتى مفهوم العدالة كان يُطلق من وجهة نظر ليبرالية أو إسلامية.

وبالتالي، لم تتبن الثورات مشروعاً سياسياً يحقق لها أهدافها، وإنما تبنّت مشروعاً يعاكس مصالحها في كثير من برامجها ونشاطاتها.

كان سهلا على بعض الأنظمة اتهام الثورات بشتى التهم، بينما كان يجب أن يحصل العكس، ولا سيما أن أجسام الأنظمة “لبيسة” تتسع لكل ما هو صحيح، فهي أنظمة ناهبة وقامعة وتابعة ومتعاونة مع الكيان الصهيوني والدول العظمى وسياساتها ضد مصالح شعوبها، وتتبنى خيارات اقتصادية كارثية.

عدم تجذّر الفكر الاشتراكي

من أكبر أخطاء الثورات العربية ومنذ بداية 2011 وحتى الساعة، عدم تجذّرها بالفكر الاشتراكي، وتبنيها سياسات ليبرالية كثيرة مشوهة.

وهناك الأسلمة، وإذا كانت ثورات 2019 قد تجاوزت الأسلمة، وتجذّرت وطنياً، فهي بدورها لم تستطع تحقيق أهدافها أو التجذّر اشتراكياً. وبالكاد نلمس لها نشاطات فاعلة في الأشهر الأخيرة؛

ففي لبنان تراجع الحراك، وأصيبت قيادات كثيرة منه بالإحباط والتفكير بالسفر خيارا أخيرا! وكذلك في الجزائر، وفي العراق هناك هبّاتٌ متلاحقة، نظراً إلى سوء الأوضاع، وللقتل الذي يطاول الناشطين في وضح النهار، وهذا ما لم يحصل في الجزائر ولبنان.

استفادة ثورات 2019 من بعض أخطاء ثورات 2011 مسألة مهمة، وهي خبرات ستنتقل إلى بقية البلدان العربية، كما جرى من قبل، وهنا لن نناقش قوة الترابط الشعبي العربي ومعاكسته قدرة البنية الكولونيالية التي قَسّمت العرب إلى دولٍ قُطرية. رفضت الثورات ذلك، وأكّدت أن الدول القُطرية ليست نهاية المطاف بالنسبة للأغلبية العربية.

اندحرت الثورات في كثير من أوجهها ونشاطاتها، وتشوهت في هذا البلد أو ذاك، إلا أن الواقع ما زال يفترض نشاطاً ثورياً، وإذا ضعفت ممكناته في سورية نظراً إلى التهجير الكبير الذي طاول المدن والبلدات، فالأمر ليس كذلك في بقية الدول العربية.

الهام أن الفئات الثورية صارت أكثر وعياً لخطورة الدولة العميقة، وعلاقاتها مع النظام العولمي الذي تبيّنت مسؤوليته عن بقاء البنية الكولونيالية في حالة تأزّم، ومانع لها من أيِّ تطوّرٍ، بل وداعم لأنظمتها، وذلك لتقوم بتصفية خيارات الشعوب في أنظمة بديلة، وتعكس حاجات الكتلة البشرية الكبرى ومصالحها.

الخبرات الثورية

تقول خبرات ثورات 2019 بضرورة تهميش الإسلام السياسي المتشدّد، وعقلنة اتجاهاتٍ فيه لتتبنى خيارات أكثر شعبية وديمقراطية، والفصل بين الجانبين العقائدي والسياسي، بحثاً عن مشتركاتٍ وطنية ومواطنية جامعةٍ لمختلف طبقات الشعب وفئاته، والأمر ذاته يخص بقية القوى العلمانية والديمقراطية، والليبرالية واليسارية وسواها، وضرورة الوصول إلى مشتركاتٍ عامة.

إخفاقات ثورات 2011 وخبرات ثورات 2019، تدفع نحو مواجهة الدولة العميقة، وهذا غير ممكن من دون وعي خطورة دور الأخيرة، وطي أخطاء الماضي، فهل تتجذّر الثورات نحو أكثر من المشتركات الوطنية والديمقراطية، وتذهب نحو خيارات اشتراكية؟

هنا المفصل، وهذا ما زال بعيداً عن توجهاتها، وإن لم يكن غيره الخيار السليم للخلاص من الدولة العميقة والأنظمة الكولونيالية الحاكمة، أي الأنظمة التي استلمت الحكم منذ الخمسينيات وما زالت تحكم، وإن حصلت تغيّرات فيها في العقود الأخيرة، ولكنها لم تتجذّر خارج سياق التبعية.

تجذّر الأخيرة هو بالضبط ما أزّم البنية الكولونيالية، وجعلها قابلةً للثورات، فكانت الأخيرات، ردّاً على السياسات الليبرالية الجديدة، والعولمية، وهي سياسات تبتغي تعميق الكولونيالية، وهذا يستدعي خراباً كبيراً في البنية الاجتماعية وانقسامات مجتمعية عمودية، وتهميشاً لبنية الدولة العربية، وتخريب أي مشتركات مجتمعية، ترفض كل أشكال الانقسام المجتمعي الذي أصبح مسيطراً في أكثر من بلد عربي (لبنان، العراق، سورية، اليمن)، وهناك خوف على السودان من الانقلاب العسكري، وبعض التحليلات ترشّح مصر لمشكلاتٍ اجتماعية كبيرة.

أفضت ثورات 2019 إلى تغييراتٍ شكلية في شكل النظام السياسي، قُدِمت وكأنّها هي أهداف الثورات، حيث طُرحت الحكومة التكنوقراطية بديلا، كما تمّ في السودان، ولبنان.

وفي العراق كان وصول مصطفى الكاظمي إلى رئاسة الحكومة لتخفيف الاحتقان الشعبي، وتسويةً بين الأميركان والإيرانيين.

وفي الجزائر، لم يستطع النظام تجاوز تاريخيته، أي تمّت إعادة إنتاج بوتفليقة بشكل جديد.

التغيير الشكلي في النظام السياسي العربي لعبة سياسية من الدولة العميقة، حيث نجد أن حكومة التكنوقراط فشلت في مهامها.

وفي السودان هناك مؤشرات للتراجع عن حكومة التكنوقراط. واحتمال استلام العسكر كما تم في مصر مثلاً، أو انفجار البلد أيضاً، واشتعال حروب أهلية.

والحال ذاته في العراق، حيث تتراجع فرص الكاظمي في التخفيف من سطوة المليشيات والأحزاب التابعة لإيران، وتتجدّد الثورة هناك، وهناك انبعاث جديد لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وفي الجزائر، لم تنل الانتخابات الأخيرة اهتماماً شعبياً، وهذا ما يؤكد أن التغيير الشكلي ليس هو الحل، وكذلك لا يمكن للنظام القديم أن يستعيد ذاته كما كان، فهناك مشكلاتٌ كبرى تتطلب حلولاً، ولا سيما البطالة المتصاعدة والاقتصادات المنهارة والخدمات العامة الرديئة.

ويضاف إلى ذلك كله التشدّد الأمني وتصاعد القمع في هذه الدولة أو تلك، وهناك التدخلات الخارجية، التي تصل في سورية أو اليمن إلى احتلالٍ كامل.

التطبيع والدولة العميقة

انهيار النظام السياسي، كالسوداني مثلاً، لم يؤدِّ إلى انهيار الجيش أو أجهزة الأمن أو مصادرة ملكيات أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، الأمر ذاته في لبنان والعراق والجزائر، وكذلك، وصلت قوى سياسية أو اقتصادية إلى السلطة في بعض الدول العربية.

وبالتالي لم تُحدِث الثورات تغييراً كبيراً لصالح الطبقات المفقرة، أو تؤصل الديمقراطية وقضايا العدالة الاجتماعية أو قضايا التحرّر من التبعية الخارجية. وأيضاً كان موقفها كارثياً إزاء فلسطين المحتلة، وهذا سمح لأنظمة داعمة للثورات المضادّة بإقامة تطبيع “سخيف” مع الكيان الصهيوني.

وجاء ذلك تعبيراً عن مرحلةٍ جديدة، دخل فيها النظام العربي، وينطلق مع تحالف سياسي وعسكري بين إسرائيل والأنظمة المطبعة، ومحاولة فرضه على بقية الدول العربية، وبالضد من إيران وتركيا من ناحية أخرى.

نقطة الضعف الشديدة في اتفاقيات التطبيع، هي تجاهل مصالح الشعوب ورفض أهداف ثوراتها. وبالتالي، لن يضيف هذا التحالف جديداً لصالح العرب، بل لصالح إسرائيل فقط، وسيورّط العرب في مواجهاتٍ إقليمية، وسيكونون ملحقين بإسرائيل، وهذا أسوأ خيار تتّخذه أنظمة التطبيع الجديدة، ولكنه يعبر عن حالة التردّي العربي، وتضييع كل القضايا الهامة للعرب، فلسطين، الثورات، الثروات الباطنية ومليارات الدولارات.

وبالتالي، سنشهد مزيدا من الأنظمة البوليسية، لتتواكب مع التطبيع، وتحقيق مصالح إسرائيل في الخليج والعالم العربي بأكمله.

.. تتبدّى الدولة العميقة في العالم العربي، حالياً، بأسوأ أشكالها، حيث أصبحت بعضها تابعة لإسرائيل، ولم تعد تكتفي بتبعيتها لأميركا بصفة خاصة.

الإمارات والبحرين ومصر بصفة خاصة تغيب فيها أي أشكال للحريات، وهناك خطورة أن يستلم العسكر السودان أيضاً.

الثورات التي أكملت عقداً معنية بإعادة إنتاج رؤيتها التاريخية وبرامجها الكلية، بما يتجاوز أخطاء سابقاتها، حيث أصبحت تواجه ليس فقط أنظمتها ودولتها العميقة، بل وكذلك إسرائيل واحتلالاتٍ مباشرة.

أضع الثورات مسلّمات للتحليل، باعتبار أن الواقع يفترض وجودها مجدّداً، وإن تعقيدات الواقع الموضوعي، وفشل بعضها، لا يعني أنها انتهت واندحرت بشكلٍ نهائي، وهذا صحيحٌ في ما يخص بعض مراحلها، ولكن تجدّدها مرتبط بأزمة الواقع المركّبة، اقتصاداً وقمعاً، وهناك الأزمة الاجتماعية الشديدة. وبالتالي، ستتجدّد الثورات في السنوات المقبلة، كما تجدّدت ثورات 2019.

تبعية بعض الدول لإسرائيل أو لروسيا أو إيران وغيرها تعني أن الدولة العميقة ضعيفة، وأنها في كل العالم العربي فقدت شرط استمراريتها التاريخية، وصارت الشروط الواقعية تستدعي انهيارها.

الثورات معنيةٌ بفهم تعقيدات الواقع، والاستفادة من خبرات ثورات 2011 و2019، والنهوض بمجتمعاتها، ورفض أي أشكال من الانقسام المجتمعي العمودي، ومهما كان سببه.

خيارات جديدة

أسّ الانتقال إلى مواجهة حقيقية مع الدولة العميقة الإقرار بالنظام الديمقراطي والحوار السياسي ورفض أي إقصاءات لقوى سياسية، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية ورفض أي أشكال للتبعية، وبالتأكيد رفض اتفاقيات التطبيع الجديدة أو القديمة، وضرورة تفكيك الكيان الصهيوني.

ولا خيارات شعبية جادة وممكنة التطبيق خارج هذه المسائل.

.. هل تكون الثورات القادمة ذات بعد عربي وبخيارات اشتراكية، وتعتمد وبشكل نهائي على المواطنة والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، ومصادرة الثروات الأكبر لصالح الدولة الممثلة للكل الاجتماعي، واعتماد الديمقراطية والحوار في العلاقة مع الآخر المختلف سياسياً، ومع القوميات الموجودة على الأرض العربية أو على أرضها التاريخية بجوار العالم العربي؟

***

عمار ديوب ـ كاتب وصحافي سوري، ينشر في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية

_____________

مواد ذات علاقة