بقلم علي عبد اللطيف اللافي

رغم انطلاق الحوار الليبي في منتصف أغسطس الماضي وتعدّد لقاءاته الرئيسية والفرعية في عدد من العواصم العربية والغربية ورغم وضوح طبيعة المُناكفات والتجاذبات محليا واقليما ودوليا في علاقة بالملف الليبي، فان الحوار السياسي الليبي جد مُتعثّر راهنا خاصة بعد أن تم تمطيطيه وارجاء مخرجاته المرتقبة أكثر من مرة منذ منتصف أكتوبر الماضي.

وجاء ذلك بناء على مستجدات إقليمية ودولية (السياقات والعوامل الموضوعية) وتواصل وتعدد الخلافات والتجاذبات حول نقاط عدة في الداخل ( السياقات والعوامل الذاتية)، وصولا لدفع المبعوثة الأممية بالنيابة نفسها مربعات الملف بناء على سياقات الانتخابات ألأمريكية (بدء الحوار المباشر مباشرة بعد معرفة ساكن البيت الابيض الجديد).

الا أن تعثّر الحوار ومن ثم فشل أولي للتسوية السياسية والدفع للإرجاء على غرار إرجاء جلسة البرلمان أكثر من مرة اضافة الى إرجاء موعد التصويت على الآليات رغم قطع خطوة أولى في ذلك، وبالتوازي تعددت أيضا خطوات الإرباك والاستفزاز من طرفي الصراع هنا وهناك في بعض مناطق ومدن وقرى سواء عبر التصريحات أو حتى بتحريك الوحدات العسكرية واطلاق وتبادل الاتهامات، فهل تحول الارجاء بديلا عن التمطيط؟

التعثر والتحركات التكيتيكية الميدانية لطرفي الصراع، هل يُبدّدان المكسب الرئيسي للحوار؟

لا يختلف اثنان من متابعي التطورات في ليبيا، أنه رغم تواصل المناكفات والتجاذبات والضغائن، فإنّ مُلتقى الحوار السياسي الحالي في ليبيا قد أيّد وقف إطلاق النار ذلك أنه رغم بعض جزئيات فان لغة ومنطق القصف والحرب والمدافع قد توقفت منذ نهاية شهر مايو الماضي.

عمليا وقف الجميع عشية الأحد الماضي (5 ديسمبر2020 ) على حقيقة أن سياستي “التمطيط” و”الارجاء” المتبعتين من طرف البعثة والمتحاورين، كوارثها كثيرة وأولها أن اتفاق وقف إطلاق النار والذي كان ركيزة أساسية في تدعيم المسار التفاوضي للحل السياسي أصبح فعليا وواقعيا مهدداً بالسقوط، وهو ما يعني تعبيد الطريق لجر الأزمة إلى هاوية الصراع العسكري من جديد وما يعنيه ذلك من نسف لكل التفاهمات التي خطتها أطراف الحوار في المسارين الآخرين السياسي والاقتصادي.

ومما لا شك فيه أن تصريحات وزير الدفاع المفوض في حكومة الوفاق “صلاح النمروش”، والتي شبّه فيها قوات “حفتر” بتنظيم “داعش” غير مسبوقة حيث أضاف قائلاً إن “حكومته ستسترد الأراضي الليبية الواقعة خارج سيطرتها بالقوة”، وطبعا مرد تلك التصريحات هو تحركّات قوات “حفتر” في “أوباري” –الجنوب الغربي- عشية الاحد الماضي رغم انها فشلت في ما سعت اليه ميدانيا.

فعليا دخلت “تركيا” سريعا ولعبت دور محوريا في تصعيد الأيام الماضية الذي شاب المشهد الليبي وتركزت الخطوات التركية حول تكثيف التحركات السياسية والعسكرية وهي خطوات اعتبرها الطرف المُمثّل للشرق الليبي مخالفة لاتفاقات لجان الحوار المحلية لعرقلتها وإفشالها.

وعمليا تم بداية الأسبوع الحالي فهم التطورات الدالة على المسار التصعيدي بين قوات “حفتر” و”أنقرة”، حيث تم الإعلان عن اعتراض سفينة شحن تركية متجهة إلى ميناء مصراتة وهو ما عدّته قوات “حفتر” خرقاً للحظر المفروض على ليبيا بشأن توريد السلاح بل أن “المسماري” (الناطق الرسمي باسم قوات حفتر) بثَّ على موقعه الرسمي تصريحا مفاده أن الرئيس التركي مستعد لخرق وقف إطلاق النار والذهاب إلى معارك تُحقّقُ مصالح بلاده في ليبيا مؤكداً التزام قواته باتفاق وقف إطلاق النار، وإصدار تعليمات لعناصره بالانتباه، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، التي تؤدي إلى تصعيد الموقف العسكري”.

وزير الدفاع المفوض في حكومة الوفاق “صلاح الدين النمروش” لم يكتف بتصريحاته -التي أوردناها أعلاه-بل أنه هدّد في تصريحات له بانسحاب حكومة الوفاق من مفاوضات اللجنة العسكرية “5+5″، واعتبار وقف إطلاق النار كأن لم يكن، بعد العملية العسكرية التي حاولت قوات حفتر السيطرة على معسكر “المغاوير” سابقا (التابع لقوات الوفاق) قبل الانسحاب من المنطقة بعد ساعات قليلة من العملية.

ردود الأمم المتحدة على ذلك لم تتأخر كثيرا حيث قالت أنها تنظر في تقارير “مقلقة” من ليبيا، داعية الأطراف المتحاربة إلى الالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار لضمان نجاح الحوار السياسي، حتى أن الناطق باسم المنظمة “ستيفان دوجاريك”، أكد في بيان صحافي “لقد اطلعنا على تقارير مثيرة للقلق، ونحث الأطراف الليبية، ومن لهم نفوذ عليهم، على ضمان استمرار وقف الأعمال العدائية”، بل أنه أضاف معلقاً على المسارات الخاصة بالحوار السياسي، إنها “تتقدم بشكل جيد”، مشدداً في الوقت ذاته على أن المنظمة الأممية “غير متأكدة من أي انتهاكات حقيقية وخطيرة لوقف إطلاق النار، حتى الآن”.

في سياق متصل كان الملف الليبي وتطوراته الأخيرة منذ نهاية الأسبوع الماضي حاضراً بقوة على طاولة المفاوضات المصرية الفرنسية (الدولتين تُعرفان بموقفهما المناهض للسياسات التركية في الأزمة الليبية)، حيث شدد “السيسي” في مؤتمر صحافي، مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، على أن “الحل السياسي هو السبيل الوحيد للاستقرار، مشدداً على “ضرورة خروج كل القوات الأجنبية والمليشيات المسلحة من المشهد في البلاد”.

في حين اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن “الحوار السياسي الليبي أحرز تقدما مبشراً خلال الأشهر الماضية” محذراً في الوقت ذاته من” مخاطر تهدد الحل، من خلال القوى الإقليمية، التي جعلت ليبيا مسرحا للحروب، بدلاً من دعم استقرارها”. كما أكد قائلاً إنه، “يعرف أن المرتزقة والقوات التركية لا يزالون في الميدان، لذلك يجب إيجاد حل سياسي لتفادي الفوضى وتقسيم البلاد”.

ومقابل ذلك ترفض تركيا تلك الاتهامات ومن بينها اتهامها بنقل مرتزقة أجانب إلى ليبيا وتعتبر دعمها لحكومة الوفاق يستند إلى الشرعية الدولية.

هل أصبح “الارجاء” بديلا عن سياسية “التمطيط”؟

الحيثيات سالفة الذكر في الفقرة السابقة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن سياسة “الارجاء” قد أخذت مكان سياسة الافشال التي كانت تعتمدها أطراف محلية ليبية وأخرى إقليمية اثر كل ملتقى دولي في ليبيا منذ امضاء طرفي الصراع لاتفاق الصخيرات.

ولكن معطيات على غرار تأجيل التصويت على الآليات في خطوته الثانية بعد اختيار ناخبي أعضاء لجنة الحوار على الآليتين 2 و3 من بين 12 تم تقديمها ولكن لم تحض أي منهما بنسبة 75 بالمائة المطلوبة للحسم وكان مبرمجا ان يتم ذلك صبيحة الاثنين 7 ديسمبر، في حين تواصل النقاش والاخذ والرد بشكل غير رسمي بين أعضاء لجنة الحوار.

وهو أمر يدل على أن ما يجري ليس عملية ديمقراطية بل هو في الحقيقة بحث عن تسوية بغطاء حواري بحثا من “ستيفاني” عن خطوات ترُضي الجميع أي تسوية يقبل بها كل الفرقاء ومن وراءهم من أطراف اجتماعية وعسكرية في الداخل وحلفائهم الاقليميين والدوليين.

كل ذلك يعني أن الدبلوماسية الامريكية والمبعوثة الأممية بالنيابة تتبع حاليا سياسية الارجاء بديلا عن التمطيط التي اتبعتها منذ أغسطس الماضي وصولا لبداية الحوار عبر تقنية “زووم” يوم 26 أكتوبر الماضي، وها هي ترجأ خطوة فنية – أي اختيار آلية التصويت على الأسماء منذ 24 نوفمبر الماضي تاريخ استئناف ملتقى الحوار عبر تقنية الزووم ( أي 18 يوما بدون تسجيل أي تقدم).

ومقابل ذلك تم ارجاء وتمطيط جلسات مجلس النواب ولكن ذلك صُوحب كما اسلفنا بتحركات ميدانية غلب عليها التكتيكي والرسائل السياسية للضغط على اختيار الأسماء بدءا بتصريحات “وليامز” نفسها بشان الحضور الأجنبي في ليبيا واشارتها لبعض أرقام ومعطيات تتعلق بذلك وصولا لتصريحات عسكريين وسياسيين من طرفي الصراع وحلفاء اقليميين لهما وحرب التصريحات والتسريبات الإعلامية التي تعتمدها قنوات خادمة لهذا الطرف أو ذلك أو لمحوره الإقليمي.

رغم أنّ منطق التمطيط – كما أكدنا ذلك في مقال سابق- هو سمة كل رؤساء البعثات الأممية السابقة في ليبيا وخاصة منذ “ليون” وصولا لـ”ستيفاني”، ورغم أن هذه الأخيرة استطاعت تجاوز عراقيل والغام لا تُحصى ولا تُعد، إلا أنّها اتبعت منهج سابقيها في التمطيط واللعب على عامل الزمن في الدفع لمواقف بعينها وتنزيل سياسات ترفض أطراف ليبية انتهاجها من حيث المبدأ أو حتى بإملاء مباشر من أطراف دولية وإقليمية لتعطيل الحلول.

وهذا ما يفسر أنها وقبل ان تبدأ جلسات الحوار في نهاية أكتوبر الماضي قامت بجولة لموسكو، وهي ورغم أنها تعرف جيدا انه لم يبق لها الا فترة وجيزة قبل رحيلها وتسليم الامر للمبعوث الجديد الا أنها ترجأ الأمر مرة تلو الأخرى، وذلك تفسيره هو :

ـ أنهاتبحث عن تسوية سياسية ولكن ليس عبر المغالبة – أي ليس عبر التصويت والحسم الانتخابي وعيا منها أنه لم ولن يجد.

ـ أنها تريد لبرنامجها (أي ما خططته وخاطته وخطته) وللحكومة المرتقبة أن يكونا جاهزين تنفيذيا أياما قبل ان يباشر “بايدن” ويستلم مهامه في رحاب البيت الأبيض.

دور البعثة وسياستها لا يعني تغييب أدوار بقية الفاعلين بغض النظر عن مجالاتهم كفاعلين سياسيين ومباشرين، ذلك أن الاشكال الذاتي الليبي ليس غائبا فالمناكفات والتجاذبات لم ولن تتوقف والمبعوثة تمشي فعليا أو هي تسير بين الألغام، فهي بمجرد أن تصل الى تسوية مع هذا الطرف حتى يُنقض الآخر التزامه السياسي مع مقابليه وحتى معها كمبعوثة أممية بناء على ضغوط محلية وإقليمية.

هي تبحث عن إرضاء “المصريين” و”المغاربة” و”الجزائريين” و”الروس” و”الأتراك” و”الإماراتيين” و”الفرنسيين” و”الايطاليين” وكل ذلك ليس رضوخا لهم بل بحثا منها على خطة وأسماء قابلين للقبول والصمود.

وها هي تُكرّر سياسة ومنطق “ليون” قبل تسليمه مهامه للألماني “كوبلر” (والذي خلفه على رأس البعثة)، وكُل ذلك يعني أن منطق الارجاء كبديل للتمطيط جاء بناء على رهان منها على الوصول الى ما لم تصله بالضغوط والتشاور المباشر وأيضا مراعاة منها لعامل الزمن والذي فعل فعله أيضا قبل اتفاق الصخيرات.

الغريب أن “اتفاق الصخيرات” وتسليم ليون لمهامه لـ”كوبلر”، قد تما قبل تسلم “ترامب” مفاتيح البيت الأبيض من “أوباما” وها هي “وليامز” ستُنجز رُبّما اتفاقا وتسلم مهامها قبل مباشرة “بايدن” وتسلّمه لنفس المفاتيح من “ترامب”، فهل هي الصدفة(!).

ماذا سيجري، وما هوية أسماء المتصدرين للمرحلة الانتقالية الأخيرة؟

تصريح وليامز يوم الثلاثاء 8 ديسمبر الحالي والذي أكدت فيه أن “التخلي عن عقيلة صالح قد يربك التفاهمات والتوازنات” بدى ملفتا للأنظار وخاصة بعد الخطوة التكتيكية الغريبة التي قام بها في اجتماع في بنغازي للمجلس النيابي والذي هو أقرب للمهزلة (لم يحضر سوى 15 نائبا) في حين كان اجتماع غدامس قوي عدديا وكيفيا، وذلك التصريح الذي خصت به عقيلة صالح جاء بعد أمرين لافتين وهما:

أولا: تصريح “حفتر” عشية الاحد أيضا حول “عقيلة” حيث مدحه ومدح عائلته رغم أنه في خلافات كبرى معه منذ أشهر خاصة، وانه لوح في الأيام الأخيرة بأسماء بديلة عنه سواء في المجلس أو في الترشيح للرئاسي على غرار” صلاح البدري” و”الوافي” وآخرين.

ثانيا: تأكيد العرادي القيادي السابق في “العدالة والبناء” وأهم أعضاء لجنة الحوار من حيث الحنكة السياسية وفهم التطورات والاحداث اقليميا ومحليا، حيث كتب “العرادي” مؤكدا أنه جار البحث عن تسوية سياسية يعبر عنها من سيتم اختياره في الأخير وليس عملية انتخابية أو ديمقراطية كما يعتقد البعض.

ومعلوم أن “العرادي” قد كتب نصوصا وتدوينات وثق فيها جلسات ملتقى تونس بالتفاصيل مُفنّدا كثير من التخمينات بشان عدد كثير من النقاط التي أثيرت بين 9 و15 نوفمبر الماضي في أحد نزل الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية.

الخلاصة

أن المبعوثة الأممية تعي جيدا ما تفعل، وهي تقيس ردود الأفعال فتبرد بعضها وتهمش بعضها بعد قياس حرارتها، ولكن الثابت أنها ملمة بالتفاصيل وبالمواقف وبما يملى على البعض، وما يمارس من ضغوط وما يراد من ارسال بعض الرسائل وهي ستصل بالجميع الى ما أرادت الوصول اليه ولكن عبر التعاطي والتفاعل.

ـ ولان الأمريكيين وفي كل القضايا والملفات والأزمات لا يضعون أبدا سيناريو وحيد،

وـ لأن السلطة التنفيذية الجديدة والمرتقبة ستضم أسماء بعينها وان الجميع سيقبلون بها لانهم سيرون أسماء ستدافع عن خياراتهم – أو ربما هم سيتعقدون ذلك-

ـ ولأن الرئاسي سيضم المناطق الثلاث عبر أسماء تحقق الحد الأدنى من الترضيات، وان الحكومة القادمة ستكون مؤقتة بالأساس حيث ستضم كل الأطراف برئيس ونائبين ( المناطق الثلاث وعبر تمثيل نسائي أيضا)،

وأنّه سيقودها “مهدي جمعة ليبي” ليذهب بالليبيين في الختام الى استحقاقات 24 ديسمبر 2021 ، وربما انجاز خطوات أخرى ولكنها اقرب للمحتشمة لان التحديات والعقبات والالغام في بلد حُكم بالاستبداد لمدة اربع عقود كما سادته المناكفات والتجاذبات والصراعات عشر سنوات.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي وباحث مختص في الشؤون الافريقية

_______________

المصدر: اسبوعية الراي العام

مواد ذات علاقة