بقلم أحمد الخميسي

تصاعدت الأزمات المالية المتلاحقة في ليبيا منذ تسع سنوات، بسبب الإقفالات غير القانونية للحقول والموانئ النفطية، فضلا عن فاتورة الصراع بين الفصائل المتحاربة منذ عام 2011، مع انكماش الاقتصاد الحقيقي إلى 55% العام الجاري، حسب تقديرات رسمية.

وتوقعت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “إسكوا”، تجاوز خسائر ليبيا بسبب الصراع الدائر، تريليون دولار في حال تواصل الحرب والاضطرابات، مشيرة إلى تعرض الاقتصاد لانكماش حاد في ظل التدمير الذي تعرضت له الأصول في الكثير من القطاعات الاقتصادية.

يأتي ذلك في الوقت الذي تراجعت فيه احتياطيات ليبيا من النقد الأجنبي، وارتفع حجم النقود خارج القطاع المصرفي مع غلاء أسعار السلع وتردي الأوضاع المعيشية.

وتتواصل المشاورات بين فرقاء ليبيا لتوحيد المؤسسات السيادية، إذ تجري لجان فنية بين مصرف ليبيا المركزي في العاصمة طرابلس المعترف به دوليا والمركزي الموازي في شرق البلاد من أجل توحيدهما. وتسعى الأمم المتحدة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على ترسيخ الحوار السياسي والعسكري والاقتصادي. 

وفي هذا السياق، قال مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية (مستقل)، أحمد أبولسين، لـ”العربي الجديد” إن فاتورة الصراع تفوق الأرقام المعلنة دوليا وهي تريليون دولار في حالة شملت برنامج إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية وصيانة المطارات ومعالجة التيار الكهربائي وتعويض المتضررين من الحرب.

أبولسين أوضح أن المبالغ المقدرة للفاتورة تحتاج إلى استقرار اقتصادي لفترة زمنية تصل إلى خمس سنوات على أقل تقدير.

ومولت الميزانيات العامة للسنوات الأخيرة بالعجز، من خلال الاقتراض من المصرف المركزي. ويقول المحلل الاقتصادي، وئام المصراتي، إن العجز زاد بسبب عوامل متعددة، منها الإنفاق العام غير المنضبط وانخفاض الإيرادات وذلك بسبب الاضطرابات السياسية وإقفالات حقول النفط بالإضافة إلى سوء إدارة الأموال.

المصراتي أكد لـ”العربي الجديد” أن السنوات الماضية شهدت غياب مؤسسات الدولة الرسمية وفشل السياسات النقدية والاقتصادية بالبلاد، فضلا عن تطور متسارع لاقتصاد الظل وتصاعد أزمات السيولة.

وأضاف أن غالبية العملات الأجنبية والمحلية يتم تداولها خارج المصارف، وتدير أسواق العملات وتحميها مجموعة من الفاسدين، في مشهد زاد من تعقيدات وفشل النظام المصرفي.

وتسيطر الدولة على أغلب القطاع المالي، وتقدر ملكية الدولة بـ85%، واتخذت الدولة العديد من الإصلاحات لتحرير القطاع خلال فترة ما قبل اندلاع الثورة الليبية عام 2011، وتضمنت عددا من عمليات الخصخصة الجزئية في 6 مصارف من 16 مصرفا تجاريا، وفقا لتقرير البنك الأفريقي للتنمية عام 2019.

وليبيا بحاجة إلى رفع معدلات الإنتاج النفطي إلى 1.7 مليون برميل يوميًا خلال عام 2021، لتغطية العجز. وفي هذا الإطار، يقول الخبير النفطي، محمد أحمد، لـ”العربي الجديد” إن رفع معدلات الإنتاج إلى المستويات الطبيعية بحاجة إلى توفير التمويلات المالية المطلوبة، وإن موازنة النفط خفضت بنحو 35% خلال العام الحالي بسبب التقشف.

وبلغت الخسائر المالية نتيجة الإقفالات غير القانونية للحقول والموانئ النفطية خلال تسع سنوات إلى 155 مليار دولار، وفق تقارير رسمية. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، وصول مجموع خسائر وقف إنتاج النفط إلى نحو 10 مليارات دولار، منذ يناير/ كانون الثاني الماضي وحتى 12 سبتمبر/أيلول الماضي فقط. وفي 17 يناير/ كانون الثاني الماضي قام موالون للواء المتقاعد خليفة حفتر، بإغلاق الحقول والموانئ النفطية.

وقدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “إسكوا”، الكلفة الإجمالية للصراع في ليبيا منذ اندلاعه في عام 2011 حتى اليوم، بنحو 576 مليار دولار أميركي، وحذرت من ارتفاع الكلفة بشكلٍ حاد إذا لم يُوقع اتفاق سلام قريبا، موضحة أنه إذا استمرّ الصراع حتى العام 2025 فقد يضيف ما يساوي 462 مليار دولار إلى الكلفة الاقتصادية.
وانعكست الحرب سلبا على معيشة المواطنين ولا سيما الذين تهدمت منازلهم وليست لديهم القدرة على ترميمها أو إعادة بنائها. 

ويسعى المواطن على بالحسن، لترميم منزله المتحطم بسبب الحرب الأخيرة على العاصمة طرابلس. وقال لـ”العربي الجديد” إن منزله في جنوب العاصمة تعرض للتدمير و”الحكومة لم توفر لنا شيئا وأسعى إلى ترميمه”.

فيما يقول المواطن على المعداني، من مدينة سرت “وسط البلاد” لـ”العربي الجديد” إن منزله يحتاج إلى صيانة منذ عام 2011 بسبب الحرب ولم يتحصل على تعويض أو مساعدة مالية من أجل ترميمه.

وتستمر الاحتياجات الإنسانية بالارتفاع في ليبيا بسبب الأزمة السياسية والنزاع المسلح، بالإضافة إلى جائحة كورونا.

***

إثنان وأربعون مليار دولار خسائر ليبيا من الحرب: فواتير باهظة (حتى فبراير 2020)

تضررت البنية التحتية في مختلف مناطق العاصمة الليبية طرابلس، وتحديداً جنوبها، بسبب الحرب على العاصمة الليبية طرابلس والتي تشنها قوات تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، منذ نحو 10 أشهر. 

وتقدر خسائر الحرب وفق تقارير رسمية أولية اطلعت عليها “العربي الجديد”، بما يتراوح بين 30 و42 مليار دولار، تكلفة دمار البنية التحتية للإسكان والمرافق للمناطق المتضررة فضلا عن تخريب بعض المؤسسات الحكومية. وأشارت تقارير رصدت الخسائر حتى نهاية شهر يناير/ كانون الثاني الماضي للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، إلى أن الخسائر مستمرة مع تواصل الحرب على العاصمة.

كما تسبّب إغلاق الحقول والموانئ النفطية منذ عشرين يوماً بفاقد ضخم في الإنتاج؛ وحسب المؤسسة الوطنية للنفط، سجل النفط خسارة مالية تراكمية نتيجة الإغلاق بلغت 931 مليون دولار. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس عن تراجع الإنتاج النفطي الليبي بمعدل تخطى 80 في المائة، جراء استمرار إغلاق موانئ النفط الرئيسية في شرق ليبيا منذ ثلاثة أسابيع.

وقالت المؤسسة، في بيان مساء الثلاثاء، إنه “منذ تاريخ 18 يناير/كانون الثاني الجاري وحتى 3 من فبراير/شباط الجاري، انخفض الإنتاج من 1.2 مليون برميل إلى 187 ألف برميل يوميا”، ما يعني خسارة أكثر من مليون برميل يوميا من الإنتاج.

وأشارت إلى أن فاقد الإنتاج عن الفترة ذاتها بلغ 14.5 مليون برميل، مؤكدة تسجيل “خسارة مالية تراكمية نتيجة الإغلاق بلغت 931 مليون دولار”.

ولم يتحدث ديوان المحاسبة، وهو أعلى سلطة رقابية مالية في البلاد، عن أي تفاصيل بشأن حجم الخسائر، وما نشر يتعلق بالعاصمة طرابلس فقط، ولا توجد أي بيانات عن خسائر المناطق المنكوبة خلال صراعات مسلحة في السنوات السابقة منها سرت، وتاورغاء وأجزاء من بنغازي ودرنة في شرق البلاد، إضافة إلى تعطل المطارات.

وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي، محمد أحمد، في حديثه لـ”العربي الجديد” أن الأرقام مبالغ فيها من ناحية التقديرات وأن مبلغ 42 مليار دولار كبير جداً، مضيفا أن المناطق المتضررة جنوب طرابلس جلها مناطق عشوائية.
وقال: لا توجد بيانات تفصيلية عن التخطيط العمراني حول البنية التحتية لتلك المناطق.

وفي المقابل، لفت الخبير الاقتصادي، أبوبكر الهادي، إلى أن حجم الخسائر التي تسببت فيها الأطراف المتصارعة في ليبيا كبير جداً، سواء بالبنية التحتية أو المنشآت العامة، إضافة إلى فواتير الأسلحة والمعدات العسكرية مع الخسائر البشرية، إذ تستنزف الحرب الشباب الذي يشكل 65% من التعداد السكاني.
وأكد الهادي لـ”العربي الجديد” أن الاقتصاد الليبي مريض وهناك وصفة للإصلاح من أجل تعافيه، لكن قطع الأكسجين عنه عبر توقف إنتاج الحقول النفطية يعني زيادة التقشف وربط الأحزمة على البطون، فالمواطن المتضرر الأول من الأوضاع المعيشية السيئة إضافة إلى النزوح.

وألقت حرب العاصمة طرابلس، التي اندلعت في إبريل/ نيسان الماضي، بظلالها على التوقعات الدولية للاقتصاد الليبي في العام 2020، وذلك رغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات عام 2019. وأطلق البنك الدولي توقعاته المتشائمة جداً حيال الاقتصاد الليبي خلال العامين القادمين، عندما يتحول من نمو مرتفع، نسبته المتوقعة للعام 2019 نحو 5.5 في المائة، إلى دائرة الانكماش بنسبة 0.6 في المائة، خلال العامين الجاري والمقبل.

ويتوقع محللون اقتصاديون أن يؤدي استمرار الحرب ووقف إنتاج النفط إلى زيادة حالات الفقر مع زيادة فاتورة برنامج إعادة الإعمار، بسبب عدم الاستقرار السياسي بالبلاد والوضع المتشائم. وتستمر معاناة المواطنين من أصحاب المساكن المدمرة كليا والمتضررة وأسرهم في مناطق جنوب طرابلس دون الوصول إلى حلول، ويبلغ عددهم نحو 150 ألف نازح من لهيب المعارك.

ويقول المواطن علي عزيز، لـ”العربي الجديد”، إن منزله المكون من 3 طوابق في منطقة جامع الكحيلي جنوب طرابلس، تم تدميره بالكامل، مشيرا إلى أضرار بالغة بالمنطقة الزراعية والمحلات التجارية. كما غادر محسن المسلاتي، منزله في منطقة خلة الفرجان، وقال لـ”العربي الجديد” إن المنازل بالمنطقة تم تدمير معظمها كليا أو جزئيا، وتحتاج إلى تكلفة مالية باهظة لإصلاحها. تقارير رسمية ليبية حديثة لجهاز تنفيذ مشروعات الإسكان والمرافق التابع لحكومة الوفاق الوطني، تؤكد أن ليبيا تعاني من عجز في 550 ألف وحدة سكنية سنويا، وذلك لتغطية العجز العقاري المتراكم منذ سنة 2005، والتي زادت في الآونة الأخيرة في ظل استمرار الحرب.

_____________

مواد ذات علاقة