بقلم الهادي بوحمرة

الفصل بين الدين والدولة، له أبعادٌ مختلفة، ودرجاتٌ متعددة، وتجاربُ متنوعة، والعلاقة بين الاثنين تتفاوت، منها الواضح، ومنها الأقل وضوحا، ومنها الغامض، منها ما هو مصرح به، ومنها ما هو مسكوت عنه، ومنها ما تحكمه عدة بنود، قد تبدو من وجهٍ متناقضة، ومن وجهٍ آخر محكمة.

فلكل تجربة من تجارب الفصل أو التداخل معطياتها، ونجاحاتها، وإخفاقاتها، وتظل مجرد خيارٍ من خيارات متنوعة، تتقاطع مع غيرها أحيانا، وتتباعد عن بعضها في أحيان أخرى، ويرتبط كلٌ منها بتاريخٍ ومنهجٍ وسياقٍ قد لا يتكرر في مجتمع غير المجتمع الذي وضعت له.

وبالاطلاع على التاريخ السياسي المقارن، نجد أن الأمر غير محصورٍ في مثالٍ، أو اثنين، أو حتى ثلاثة، أو أربعة، فواقعُ وظروفُ المجتمعات وموجبات السلم والاستقرار تتباين، وتتباين معها تصورات ومناهج وحدود الفصل والتداخل.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن التفكير الدائر بين الأسود والأبيض، وبين قبول الفصل دون تحفظات، أو رفضه دون استثناءات، هو تفكير يأخذ الأمور على ظاهرها، ولا يفحص فحصا حقيقيا تعقيداتها، ولا يتبصر في مآلاتها، وربما يدخل في مجال التطرف الذي يغذي تطرفا آخر مساويا له في القوة، ومضادا له في الاتجاه.

ففرنسا مثلا التي ينص دستورها على أنها علمانية، قبل أن تكون جمهورية؛ لكونها علمانية جمهورية، وليست جمهورية علمانية، والتي تُعد تجربتها مثالا للعلمانية المتشددة؛ إن لم نتجرأ ونصفها بالمتطرفة؛ هي أقرب لأن تكون استثناءً، ذلك لأن الدول التي تنص صراحة في دساتيرها على مصطلح العلمانية، وتنزلها منزلة تتقدم وتعلو نظام الحكم فيها هي دول محدودة، ولا يمكن أن يكون الاستثناءُ معيارا للحكم على تجارب الآخرين، خاصة وأن لا علاقة لذلك بالحفاظ على الحقوق والحريات.

هذه الدولة تذهب في اتجاه حظر المظاهر العلنية للانتماء الديني، ومنع ارتداء الشارات الدينية في المدارس العامة، والحقوق والحريات فيها ليست أكثر حماية من الحماية في المملكة المتحدة، التي فيها الملكة الحاكم الأعلى للكنيسة وحامي الإيمان والعقيدة، ولرئيس وزرائها دورٌ في التعينات الكنسية، ولا أكثر فاعلية من فاعليتها في نظام الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تعير أنظمتها اهتماما لارتداء الرموز الدينية، ولا في سويسرا التي يبدأ دستورها باسم الله القدير.

كما أن النظام الفرنسي ليس أكثر احتراما للمساواة بين المواطنين كافة؛ أيا كانت ديانتهم؛ من مملكة النرويج التي ينص دستورها على أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي كنسية الدولة، وأنها تحظى بدعمها، وأن ملكها يجب أن يكون معتنقا للمذهب الإنجيلي اللوثري، وأن القيم تُسّتقى من التراث المسيحي، ولا من آيرلندا التي يبجل دستورها يسوع المسيح، ويعتبر الثالوث المقدس مصدر السلطات، وينص على احترام الدين، واعتباره جزءا من الهوية الوطنية.

كما أن لا أحد يقطع بأن النظام الفرنسي أكثر استجابة لمبادئ الديمقراطية من النظام الألماني الذي يفتح دستوره الأبواب لاستيعاب الأديان، وتصنف قوانينه الأساسية المؤسسات الدينية من ضمن هيئات الحق عام. حيث إن لا النص على دين للدولة، ولا الإقرار الدستوري بفصل الدين عن الدولة يصلح لذاته وووحده كمعيار لتقييم النظام الحقوقي في أي دولة، فكلاهما أمر لا توجبه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا تحظره.

فالنظر في المصلحة المتأتية من النص على الدين في الدستور، أو من اعتباره مصدرا للقيم أو للتشريعات، وتقييم أثره على الحقوق والحريات، وفحص ما يتوافر بشأنه من خيارات مسائل تتوقف على سلسة من الاعتبارات، وتعتمد على ما يُعطى من نتائج لعدة مقارنات.

فالنص على الدين الرسمي في دستور دولة لا يوجد فيها أقليات دينية، ويُعد الانتماء الديني فيها عامل تماسك اجتماعي وسياسي، لا عامل فرقة وشقاق، ويقطع- في نفس الوقت- بمنع التمييز وبحظر التكفير وخطاب الكراهية والعنف، لا يمكن النظر إليه بنفس الكيفية إلى النص على ذلك في دولة تتعدد فيها الأقليات الدينية.

والدولة التي لا ينص دستورها على الدين؛ بسبب عدم وجود دين يمكن أن يوصف بأنه دين الأغلبية الظاهرة؛ لا يمكن مقاربته مع دستور دولة يمكن أن تنسب فيها هذه الأغلبية إلى دين محدد.

والدستور الذي يقابل النص على الدين والشريعة؛ كمصدر مادي للتشريع؛ بنصوص تضمن حق المرأة في التمثيل، وتقرر لها نسبة مقاعد محجوزة، ويصرح بإمكانية ترشحها لرئاسة الدولة، لا يمكن أن تستنتج منه نفس المخاوف والهواجس التي يستنبطها القارئ من دستور يترك هذه المسائل لمطلق تقدير من بيده سن القوانين.

والدستور الذي ينظم المؤسسة الدينية، ويسمو بها على السلطة التشريعية، وينزلها منزلة الوصي عليها، ويعطيها سلطة الرقابة على صحة التشريعات، لا يمكن أن يقارن بدستور يضع المؤسسة الدينية تحت حكم القانون، ويسند إلى المشرع سلطة تعيين أعضائها، ويسلب منهم صلاحية الفتوى في الشأن العام، ويعلق تصريحها برأيها على طلب ممن بيده مقاليد الأمر؛ وفق الانتخاب الحر السري المباشر.

والدستور الذي لا إلزام فيه للاجتهادات الفقهية، ويُخضع ما يمكن أن يقنن منه لمبدأ الملاءمة وللأطر القانونية، وفي حدود الضوابط الدستورية، لا يستقيم أن يوزن بنفس ميزان الدستور الذي ينص صراحة على تعريفٍ ملزمٍ للشريعة، ويمنع الخروج عن أراء مذاهب فقهية معينة، أو يقيد المشرع بمنهج فقهي أو مذهب معين، وينتهي إلى إخضاع القانون للأطر الفقهية.

فربما يكون استعمال هذه المعايير، أو استعمال ما هو أدق وأبعد منها مدخلا لتقييمٍ جدي للتجارب الدستورية المختلفة، وللمقارنة بينها، وهي مقارنة قد يظهر من خلالها خلاف ما هو سائد من آراء قانونية، أو مواقف سياسية، قد لا تقدم إلا رؤية فردية أو فئوية، أو أنها تكتفي بنقل نتائج تقييم تجربة أجنبية وتُلبِسه لتجربةٍ محليةٍ تختلف عنها من حيث السياق والبناء والمضمون.

***

الدكتور هادي علي بوحمرة ـ استاذ بجامعة طرابلس وعضو اللجنة التاسيسية لصياغة الدستور الليبي

____________

مواد ذات علاقة