بقلم هيثم المدوري

كتب توفيق بكّار مُقدّماً رائعة الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”: “بذرة القلق تنمو في أرض الطمأنينة العتيقة وموجة الإضطراب تزخر في بحر السكون العميق، النغمة المنشقّة التي تأبى الائتلاف، النشاز في لحن الجماعة”.

بهذه الكلمات وصف الناقد الكبير بطل الرواية المحوري، مصطفى سعيد. ربما لم يدرِ الراوي ولا الناقد أن يوماً سيأتي يكون فيه أقصى طموح الشعوب العربية أن تعود إلى سكونها الدهري، بعد أن باغتت حضارة الشاشات المعولمة كل فرد، فلعبت بنا حتى أنكرنا بعضنا، وصرنا كلنا ذلك الراوي الحائر النكرة في الرواية التحفة، واستوردنا كما دأبنا غربة المكان والزمان، فصارت الغربة في الأوطان بعد أن كانت شجن المهاجرين عنها.

حطّت “الحرب من أجل طرابلس” أوزارها أخيراً في نيسان/ أبريل الماضي، لتكون آخر ما وصل إليه مسلسل خلافة القذافي في ليبيا، وفاتحة لمشاورات “لمّ الشمل” التي ترعاها الأمم المتحدة والتي شاءت الصدف أو الجائحة، أن تكون تونس آخر فصولها.

دارت المداولات خلال “ملتقى الحوار السياسي الليبي” حول مسودة خارطة طريق صاغتها اللجنة الأممية الراعية، وفيها اعتراف ضمني بتباين ثلاثة أقاليم من حيث إلزامية تمثيلها في مجلس رئاسي ورئاسة الحكومة المفترضين (النقطتان 3 و4 من المادة الخامسة من نص المسودّة).

يُعيد استبطان الأمم المتحدة لهكذا تقسيم جغرافي لبلد له حدود واضحة إلى الأذهان الطائفية البشعة الّتي أسّست لبنان الحديث، وأفكاراً أخرى خطيرة تدغدغ فؤاد أصحاب نظرية المؤامرة، كتقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ.

فكيف ظهرت هذه الأفكار ولماذا عادت لتطفو على بحر السياسة الدولية؟

وهل هذا التقسيم هو حقيقة الأمر الواقع على أرض الصراع الأهلي في ليبيا؟

بمعنى أوضح، هل هو صراع جغرافي قبلي يستلزم التقسيم كحل؟

صدق المنظّرون… ولو أنكروا

لطالما شغلت منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا العديد من المنظّرين الأمريكيين لاعتبارات عدة كتأمين إسرائيل، ووجود مخزونات هائلة من الثروات فيها، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي باعتبارها معبر المياه الدافئة لغريمها الاتحاد السوفياتي أيام الحرب الباردة.

ولذلك سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتأمين الاستقرار السياسي خوفاً من صعود التيارات المعادية لها، لكن الأزمات السياسية كانت دوماً عُرف المنطقة. وهو ما دفع مستشار الأمن القومي في السبعينيات زبيغنيو بريجينسكي إلى اعتبار دول عدة كإيران، وسوريا، والعراق، ومصر وإثيوبيا، دولاً هشة وتُشكل مجتمعة “هلال الأزمة“، كما ظهر على غلاف مجلة “التايم” عام 1979. وبالفعل سقطت الأنظمة العلمانية/ العسكرية في هذه الدول.

لاحقاً، وبعد مقاله الشهير بعنوان “جذور الغضب الإسلامي“، نشر المُنظّر السياسي الأمريكي برنارد لويس تشخيصه الخاص لأزمة الشرق الأوسط في مقال بعنوان “خريطة الشرق الأوسط: دليل الحائرين“، حيث وصف دول المنطقة بأنها تطفو فوق بحر من التباينات العرقية والإثنية: مسلمون شيعة وسنة ودروز، مداخلة وإخوان ووهابيون، وأكراد وبلوش وعرب وأمازيغ، مسيحيون موارنة وكاثوليك وأقباط… عكس الدول الأوروبية، حسب نظره، حيث تضم كل دولة مجتمعاً متجانساً عرقياً وإثنياً.

وطرح لويس لذلك وصفة تعتمد على إعادة تقسيم دول المنطقة، تقسيماً يحوي الاختلافات العقائدية والدينية والعرقية واللغوية. ألهمت فكرة التقسيم العديد من المفكرين الأمريكيين، كالكولونيل رالف بيتزر في مقاله “حدود الدم” الذي نشره في مجلة القوات المسلحة الأمريكية (2006)، كذلك الصحافي جيفري غولدبرغ (2008) الذي رأى تقسيماً للسودان إلى دولتين، جنوبية وشمالية، وهو ما حدث فعلاً عام 2011.

داعبت أفكار التقسيم وجدان المحافظين الجدد في مرحلة ما بعد ريغن تاتشر النيوليبرالية، كما مثّلت هذه الأفكار حلقة الوصل في سرديات عشاق نظرية المؤامرة الكبرى على الإسلام والمسلمين، واستلهم منها شيوخ الدعوة العديد من الخطب والمحاضرات.

لم تظهر ليبيا، موضوع المقال، في خرائط التقسيم إلا عام 2013، وذلك في مقال رأي لروبين رايت نشرته “نيويورك تايمز” ورأى فيه أن حل المشكلة الليبية بتقسيم البلاد إلى ثلاث دويلات، حسب الخصائص الثقافية/ الهوياتية لكل إقليم: دويلة في الغرب عاصمتها طرابلس، دويلة في الشرق عاصمتها بنغازي، ودويلة في الجنوب عاصمتها فزّان.

علمياً، يعمد المهندسون وعلماء الرياضيات والفيزياء في معالجة المسائل إلى تأصيل المشكلة كخطوة أولى، ثم توحيد الخصائص المشتركة بين مختلف مكوناته، وأخيراً عزل كل مكوّن على حدى بقصد معالجته وفق خصائصه الذاتية.

في مرحلة أولى، لا يمكن إنكار أزمة الأنظمة العربية في قيادة مجتمعاتها، وفي مرحلة ثانية، يمكن تفهّم طريقة معالجة المهتمين والمختصين المستشرقين لهكذا أزمات.

لكن، لا يمكن معالجة أزمة متعددة الطبقات والأوجه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بإسقاط نماذج رياضية عليها، وذلك لعدة أسباب سنفندها في ما يلي:

لبننة، صوملة أو بلقنة؟

رفع معمر القذافي الشعار الناصري: “الحرية، الإشتراكية، الوحدة” منذ الأيام الأولى لانقلاب أول سبتمبر، مع إعلان قيام سلطة الشعب في آذار/ مارس عام 1977، ومع بداية تآكل مؤسسات الدولة لتحل محلّها اللجان الشعبية.

بدأ القذاذفة يتهافتون على خيمة “الأخ القائد” الذي قوّى بهم شوكته، وأغرت حظوة الدم التي استعملها القذافي في التعيينات بقية القبائل، فأخذت تتسابق لتعلن انتسابها لقبيلته، عبر البحث عن سلف مشترك تارة أو علاقة نسب تارة أخرى، حتى صار جميع الليبيين قذاذفة بشكل أو بآخر.

ازدهرت بذلك تجارة شيوخ الأنساب والعارفين بالأرحام، حيث يروي وزير الخارجية السابق عبد الرحمن شلقم في كتابه “أشخاص حول القذافي”: “أتقن معمر القذافي الأسلوب الأبوي الشامل، ليس فقط في التعامل مع من حوله في الإدارة السياسية والإقتصادية، بل على المستوى الإجتماعي، إذ وظّف العامل القبلي، والجهوي والديني أيضاً“.

وبعد انتفاضة جزء من الأبناء على الأب القائد في ثورة 17 شباط/ فبراير التي انتهت بقتله، بدأ المسلسل الدموي الذي تعيشه ليبيا منذ ما يقارب العشر سنوات.

صراع في ظاهره من أجل الميراث والخلافة كان يمكن أن ينتهي منذ سنين لولا تدخل لاعبين دوليين، وتواطؤ آخرين، ليصبغوا الصراع بألوان أخرى، إيديولوجية وقبلية.

ومع كل قطرة دم تسيل كانت تتأجّج نار الفتنة التي وقودها الثأر المتأصّل في البيئة القبلية العربية. وإن كانت الأرض ليبية، إلا أن تقريراً لـ”معهد الشرق الأوسط” في واشنطن خلص إلى أن الحرب الأخيرة مُوّلت وأُديرت عبر جهات غير ليبية.

كذلك تشير تقارير أخرى ومقالات إلى الدور الخطير الذي تلعبه القوى الإقليمية المتصارعة: مصر، والإمارات العربية المتحدة، وفرنسا وإيطاليا من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى، علاوة على تدخلات لوجستية روسية وأمريكية.

تعمل الماكينات الدعائية لكلا القطبين المتصارعين في ليبيا، وعرّابيهم، على ترويج الحرب باعتبارها حرباً من أجل الشرعية رغم فقدان الطرفين لها، مع ميل طفيف من القوى الغربية نحو بوصلة الناتو التي تشير إلى حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

بالنظر إلى التقسيم الإقليمي الذي تستبطنه الأمم المتحدة التي تحب غطاء التعددية السلطوية، ومقارنته مع خريطة الصراع القبلي العسكري في ليبيا، نرى بالإضافة إلى الوصاية الخارجية المسقطة، عدة أبعاد داخلية للمأزق الليبي وجب أخذها بعين الإعتبار.

أولاً، إنه الاقتصاد يا غبي

وهي عبارة لكلينتون في حملته الانتخابية في التسعينيات، حيث تظهر من عدة أعمال تقريرية واستراتيجية أنه علاوة على البنية الريعية للإقتصاد الليبي ومركزيته المطلقة في الفترة القذافية وما قبلها، فإنه يتسم بالفوضوية والضبابية في الإدارة والتسيير.

القذافي وأولاده، خاصة سيف، والعديد من الموظفين الفاسدين كانوا كلهم متدخّلين نافذين في كبرى الشركات العمومية الليبية التي تحتكم إلى المليارات من الدولارات في الداخل والخارج.

لم يخطر ببال الثوار عند انتفاضهم سوى انقشاع ظلام النظام، أما وقد سطعت أنوار الغنيمة، سُلّت السيوف واستعرت حمّى الثروات بين الثوار وغيرهم.

كان الأولى تنظيم ملتقى للتفاهم حول توزيع الثروة والتحاور اقتصادياً قبل الخوض في السياسي. هذا ما دعا له كبار المسؤولين الليبيين المنشقّين كأحمد الجهاني، وهمّام الفاسي وعبد الرحمن العجيلي وغيرهم، تعليقاً على مؤتمر الصخيرات عام 2015، والذي لم ينجح في حل الأزمة المتواصلة حتى اليوم لتغليبه السياسي على الإقتصادي.

ثانياً، تتغيّر نسبياً خريطة الولاء القبلي بين القطبين حسب العرض والطلب

قبائل تنحاز من الغرب نحو الشرق أو العكس، حسب ما تعرضه سوق الغنائم والضمانات والامتيازات. نفس اللعبة التي لعبها القذافي وأتقنها.

النوايل في الجنوب الغربي وامتيازات التجارة، الفرجان وإغراءات السلطة في جيش حفتر، القذاذفة وسردية الوريث الشرعي وما يستتبع ذلك من وعود الانتقام والثأر التي تطلبها بعض القبائل منها، والأمازيغ بين ماضي التهميش وأمجاد الثروة في ظل اللادولة.

أظهرت التجربة أن الحرب الأهلية هي نتيجة حتمية لكل دكتاتورية عسكرية عربية وإن طال أمدها، كما جرى مع صراع العشائر والطوائف في العراق بعد صدام حسين، وصراع القبائل في ليبيا ما بعد القذافي. لهذا، فإن التقسيم الخارجي لا يمكن إلا أن ينتج دويلات لن تلبث أن تعود للتصارع.

يقول المثل الليبي “قُص الراس تنشف العروق“، وذلك فبدل الاجتماعات والمحادثات العبثية التي ترعاها الأمم المتحدة، وجب على الأخيرة أولاً الحرص على تطبيق حظر الأسلحة الذي ينتهكه اللاعبون الدوليون في ليبيا والذين يخوضون حرباً بالوكالة الخاسر الأكبر فيها هم الليبيون.

وهكذا، سيبقى دخان الدبابات يحجب الرؤية عن الأشقاء المتناحرين ما لم تنتهِ تدخلات القوى الإقليمية التي ستكون أكبر المستفيدين من مشروع المحاصصة الذي تستبطنه الأمم المتحدة.

مع تراجع دور الولايات المتحدة في دعم الاستقرار السياسي في المنطقة منذ إدارة أوباما، وهرولة العديد من أنظمة المنطقة العربية إلى أحضان إسرائيل لضمان وجودها، وما يعنيه ذلك من انضمام هذا اللاعب الإقليمي بقدراته العسكرية والتقنية والمالية، تتبادر إلى الأذهان أسئلة مرعبة عما يخبئه المستقبل للشعوب العربية.

***

هيثم المدوري ـ كاتب من تونس

____________

مواد ذات علاقة