لا تزال مستجدات الملف الليبي المتسارعة تقذف إلى سطح المشهد بعضا مما يدور في كواليسه المتزامنة مع تعثر تعيشه مسارات الحل، على صعيديها السياسي والعسكري، وصراع خفي قد يشير إلى شكل من تبدلات الأوضاع في إطار رسم خريطة تحالفات جديدة، في وقت يعبر فيه مراقبون عن خشيتهم من إمكانية انجرار الساحة إلى مواجهات مسلحة، وتحديدا في بنغازي وطرابلس.

وبعد هدوء حرب البيانات بين رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله ومحافظ البنك المركزي الصدّيق الكبير، عادت الحرب مجدداً في شكل تصريحات وبيانات بعد عودة شخصيات متصلة بقرار المجموعات المسلحة في طرابلس من جانب، ومن جانب آخر صدور قرارات وإجراءات داخل حكومة الوفاق تعكس استمرار الصراع بينهم.

شن قائد كتيبة ثوار طرابلس هيثم التاجوري، الذي عاد إلى طرابلس فجأة بعد غياب لأكثر من سنة، هجوماً حاداً على وزارة الداخلية وجهودها والحكومة برمتها واصفاً إياها بـ”الهزيلة”، داعيا إلى إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية في طرابلس، وأنه “لا وقت للمزايدات فلا وجود للجيش ولا للشرطة”.

عاد التاجوري في بيان آخر، ليل أمس السبت، مطالباً “اللجنة العسكرية المشتركة 5 + 5 بتوضيح سبب تأخير وعرقلة تنفيذ بنود الاتفاق الذي تم في مدينة سرت”، مؤكدا أن بنود الاتفاق “لم يطبق منها بند واحد إلى الآن”.

وفيما اتهم التاجوري ما وصفه بـ”الأيدي الخفية لعرقلة اتفاق اللجنة”، اعتبر أن الأجواء المشحونة والمتوترة نتيجة تعنت أغلب الأطراف أفشلت ملتقى الحوار السياسي، وهي تصريحات جاءت بالتزامن مع عودة وزير دفاع حكومة الوفاق المهدي البرغثي إلى المشهد، والذي طالب المجلس الرئاسي بإعادته لوظيفته، بعد ثبوت براءته قضائيا من “مجزرة معسكر براك الشاطئ“، التي راح ضحيتها 140 قتيلا بين مدني وعسكري منتصف عام 2017، والتي كانت سببا في إقالته من جانب المجلس الرئاسي في يونيو 2018، لكن المجلس الرئاسي لم يرد على طلب البرغثي حتى الآن.

وفيما تشهد طرابلس انتشارا كثيفا لقوات الأمن منذ أكثر من أسبوعين، تنقلت عشرات السيارات المسلحة بين معسكرات تابعة للمجموعات المسلحة في مناطق شرق وجنوب شرق طرابلس، وهي مقرات كانت تابعة لكتيبة ثوار طرابلس التي يقودها التاجوري، وسط أنباء عن اجتماع موسع عقده الأخير مع قادة هذه المجموعات لتنسيق عودة “قوة حماية طرابلس” ومشاركتها في ضبط المشهد الأمني.

وطالب التاجوري، في تصريح لتلفزيون محلي ليل البارحة السبت، بأن يكون “على علم بكل من يريد الدخول لطرابلس سواء كانت دوريات أو أي قوة تريد الانتشار في طرابلس”.

وفي تعليق على الانتشار الكثيف لدوريات الأمن التابعة لوزارة الداخلية، قال “رغم ما يحدث الآن وما تعانيه ليبيا، لم نر لا وزارة داخلية ولا جيشا، اللهم إلا جيش الصوبات الذي يخرج فجأة ويختفي فجأة”، مشيرا إلى أنه لن يخضع لقرارات وزارة الداخلية التي وضعته على “قوائم المطلوبين” وطالبت الجهات الأمنية، ومنها قوة الردع الخاصة، بسرعة القبض عليه وتسليمه.

إعادة تشكيل خريطة السلاح في طرابلس

وفي الأثناء، تناقلت منصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع، خلال الساعات الماضية، مراسلة موقعة بتاريخ الأول من ديسمبر/كانون الأول الجاري من جانب رئيس المجلس الرئاسي السراج، ينقل فيها تبعية “قوة الدرع الخاصة“، أكبر القوى المسلحة في طرابلس، من وزارة الداخلية إلى تبعية المجلس الرئاسي “مباشرة”، موضحا تمتع القوة بـ”ذمة مالية مستقلة”، وقانون يسمح لها بـ”إنشاء فروع”، وصلاحيات أخرى كـ”المساهمة في حماية وتأمين الحدود ومنافذ الدخول والخروج واتخاذ الإجراءات الأمنية”.

وكل هذه الإجراءات والتصريحات تأتي في “إطار إعادة تشكيل خريطة السلاح في طرابلس، وقد تشير إلى إعادة تموضعات وتحالفات جديدة يمكن أن ترجع حالة الاحتراب والصدام مجددا إلى العاصمة”، بحسب سيف اللافي، الناشط السياسي الليبي والقائد الميداني سابق، لكنه يؤكد في حديثه لـ”العربي الجديد” أنها نتاج واضح لحالة فشل مسارات الحوار السياسي والعسكري.

وتلافيا لانهيار مسار الحوار السياسي، أعلنت البعثة الأممية، الثلاثاء الماضي، عن تشكيل لجنتين استشارية وقانونية، تقدم اللجنة الأولى “المساعدة لتقريب وجهات النظر” بين أعضاء الملتقى المختلفين حول تحديد آلية لاختيار السلطة التنفيذية الجديدة، بينما توكل للجنة الثانية “مهمة الترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات الوطنية“، وفق مؤتمر صحافي لرئيسة البعثة الأممية بالإنابة ستيفاني ويليامز.

وتزامنا مع لجوئها لإحياء محادثات المسار الاقتصادي لتوحيد المؤسسات الاقتصادية، وتحديدا البنك المركزي، لإطلاق حزمة إصلاحات اقتصادية قد تخفف من وطأة الصراع الناتج عن حرب البيانات بين قادة مؤسسات اقتصادية، على رأسهم رئيس مؤسسة النفط ومحافظ البنك المركزي، بعد قرار “حجب إيرادات النفط”، يعيش الاتفاق العسكري، الذي أنتجته حوارات أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة 5 + 5، مراوحة وجمودا، إذ لم يتمكن أعضاء اللجنة من تنفيذ أي من بنوده حتى الآن، وسط تزايد التحشيدات العسكرية من جانب طرفي الصراع.

استعمال القوة

وفي بنغازي، وإثر سعي اللواء المتقاعد خليفة حفتر لإعادة سيطرته على الأوضاع، رفضت فصائل من مليشياته الخضوع لآوامر صدرت منه بشأن تسليم سلاحها ومقارها، ما استدعى إصدار قرار يسمح بـ”استعمال القوة وكذلك استعمال السلاح” ضد من يرفض عملية “فرض القانون” التي أطلقها حفتر، بحسب بيان نشره المكتب الإعلامي للغرفة الأمنية في بنغازي في وقت متأخر من ليل البارحة السبت.

وعملية “فرض القانون”، أطلقها حفتر منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لمواجهة معارضيه القبليين المنحازين لصف خصمه التقليدي في معسكر شرق ليبيا عقيلة صالح، رئيس مجلس نواب طبرق، الطامح للوصول إلى منصب بارز ضمن مراكز السلطة التنفيذية الجديدة.

وتنحاز الفصائل الرافضة لإجراءات حفتر لقبائل البراغثة والبراعصة، وتعتبر القبيلة الأولى من أبرز القبائل المعارضة لحفتر منذ فترة طويلة ولها امتدادات واسعة داخل بنغازي، بينما ابتعدت الثانية عن المشاركة في أي حراك سياسي أو عسكري منذ مداهمة مليشيات حفتر لمنزل العقيد فرج البرعصي، أبرز القادة العسكريين في القبيلة، مطلع عام 2017 م، لكن اجتماعاتها الرافضة لسلطة حفتر عادت بعد مقتل الناشطة الحقوقية حنان البرعصي، في نوفمبر الماضي، وسط بنغازي، وتناقلت منصات التواصل الاجتماعي عددا من فيديوهات اجتماعات القبيلة التي تتهم فيها صدام نجل حفتر بالتورط في مقتل الناشطة الحقوقية.

تنحاز الفصائل الرافضة لإجراءات حفتر لقبائل البراغثة والبراعصة، وتعتبر القبيلة الأولى من أبرز القبائل المعارضة لحفتر منذ فترة طويلة

وضمن خريطة التحالفات الجديدة في شرق البلاد، يتحدث الناشط السياسي الليبي المهجر من بنغازي عقيلة الأطرش عن تمكن حفتر من استثمار صدامات مسلحة عاشتها مدينة طبرق، خلال الأيام الماضية، لصالحه، حيث أعلنت قبائل المنفة والقطعان في طبرق تخليها عن دعم عقيلة صالح، بعد موقف مؤيد من الأخير لصالح قبائل مريم، الطرف الآخر في الصدامات التي عاشتها المدينة، رغم نفي المستشار الإعلامي لعقيلة صالح، في بيان له مساء أمس السبت، ورفض “الزج باسم رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح في أحداث طبرق الدامية”.

وكل هذه التغيرات والحراكات في الكواليس على صلة بفشل مسارات الحل التي تقودها الأمم المتحدة، بحسب اللافي، ويتوقع أيضا أن التحالفات الجديدة من المرجح أن تغير خريطة السلاح لفرض أمر واقع استباقا لقدوم مبعوث أممي جديد قد يقدم تصورات جديد وحلولا أخرى لأزمة البلاد.

وبتفصيل أكثر يقول اللافي، الخبير بشكل الفصائل المسلحة في البلاد، إن “حالة الفراغ التي أحدثها فشل مسارات الحل أتاح لقادة غائبين منذ فترة العودة ومحاولة فرض أنفسهم، وأبرزهم التاجوري”.

وبينما يرجح الناشط السياسي أن تكون الصدامات في طرابلس أكثر دموية من بنغازي، يعلل بأن المجموعات المسلحة في طرابلس وغرب البلاد تفتقد لقيادة موحدة بسبب ضعف المجلس الرئاسي وعدم قدرته على السيطرة الفعلية على قرار السلاح، معتبرا أن عودة التاجوري قد تخلق حالة من الصدام العسكري لعدة أيام لفرض شكل جديد من توزيع القوى، عكس بنغازي التي لا تتوفر إلا على خلافات أساسها قبلي، ويمكن لحفتر إعادة سيطرته عليها مجددا كونه الطرف الأقوى عسكريا في المنطقة.

ويضيف أن “لعبة الحلف القبلي لعبة يتقنها حفتر ومكنته في السابق من السيطرة بسببها على قطاعات كبيرة من البلاد في الشرق والجنوب، ولكنها كانت عقبة أمامه في السيطرة على الغرب الليبي الذي لا يخضع لمنطق قبلي بل لمنطق المناطقية والسلاح”.

شبح حفتر

وفي المقابل لا يرجح الخبير الأمني الليبي محيي الدين زكري عودة حالة الاحتراب بين المجموعات المسلحة في غرب ليبيا، “لأنها تدرك أن مليشيات حفتر لا تزال قريبة ويمكنها استغلال حالة الخلافات في حال وصولها إلى الصدام والتسرب بينها، خصوصا أن مدينة ترهونة لا تزال مليشياتها قريبة منها وتحديدا في سرت”.

ويوضح زكري رؤيته في حديثه لـ”العربي الجديد” بأن حالة الصراع بين القادة في طرابلس غير خافية، لكنها لن تتجاوز حد إعادة توزيع المراكز، ويضيف “كل الشخصيات تتبعها مجموعات مسلحة قوية لا يمكنها أن ترجح نتائج أي معركة لصالحها، وقرار السراج بشأن قوة الردع كونها أكبر القوى التي يمكنه أن يشكل بها توازنا في طرابلس ويمنع انحدار الأوضاع إلى صدامات”.

ويلفت زكري إلى أن قرار السلاح منذ توقف القتال عند تخوم سرت، مطلع يونيو/حزيران الماضي، لم يعد بيد الأطراف المحلية بل أصبح رهينا للأطراف الداعمة لها، ويؤكد أن المجتمع الدولي لن يسمح بعودة الحرب الحالية التي تعيشها البلاد، التي يدفع فيها الأطراف إلى حوارات لإنتاج حل سلمي، فـ”وقوع البلاد في حرب جديدة يعلم المجتمع الدولي أنها لن تتوقف وستشتعل في كل مكان ولا يمكن وقتها السيطرة عليها”.

__________________

مواد ذات علاقة