في ظل توزان الضعف محليا واقليما ودوليا وهامش مناورات طرفي الصراع

بقلم علي اللافي

رغم تعيين الأمين العام للأمم المتحدة “غوتيريس” يوم 23 ديسمبر الكندية “جورجيت غانيون” كأمين عام مساعد له في ليبيا مكلفة بالشؤون الانسانية، فإن اعتذار البلغاري “نيكولاي ملادينوف” قبل يوم واحد من تعيينه رسميا مبعوثا للمم المتحدة في ليبيا خلّف أسئلة عديدة لا في ليبيا فقط بل في رحاب الأمم المتحدة وبين دبلوماسيي الدول الكبرى والأول الإقليمية.

وخاصة تلك الدول المتدخلة في الملف الليبي وهو ما يضع تساؤلا حول استراتيجية المبعوثة الحالية والتي ستنتهي مهامها الرئيسية في منتصف يناير القادم وتسلم المهمة للكندية “غانيون” واي خطوات من الممكن ان يتم التسريع فيها وأي خطوات ستتخذ خلال الساعات والأيام القادمة؟

الأمم المتحدة وخلفيات اعتذار “البلغاري” الذي لم يكن مبرمجا

مما لا شك أن رسالة “نيكولاي ملادينوف” والتي أخطر فيها الأمين العام بنيته الانسحاب من المهمة الموكلة إليه مبعوثا للأمم المتحدة إلى ليبيا، قد أربكت الحسابات خاصة أن بعض اطراف محلية وإقليمية ودولية برمجت حساباتها التكتيكية والمرحلية على فرضية تولي الرجل لمهامه بداية شهر يناير 2021، وأنه سيستلم من “وليامز” المهام بآلية وظروف مشابهة لاستلام “كوبلر” لمهامه من “ليون” اثر اتفاق الصخيرات نهاية سنة 2015.

ومعلوم أن تولي/تسمية “ملادينوف” المنصب قد تم عبر ماراتون من المشاورات المضنية بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن رغم أنه مدعوم منذ البداية من الولايات المتحدة الامريكية قبل أن تتفق جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن على تعيينه رسمياً بداية الشهر الجاري، وكان من المفترض أن يتم يوم الثلاثاء 22 ديسمبر- الإعلان الرسمي عن التعيين، إلا أن وصول رسالته الاثنين 21 ديسمبر للأمين العام حال دون ذلك.

وبغض النظر عن وجود تكتيك في عملية التعيين والانسحاب فالثابت ان ذلك لم يكن ضمن حسابات المنظمة الأممية وإن حدث شيء من ذلك ففي مربعات خارجها وتهم بالأساس الأطراف الدولية ومربعات الدولة العميقة الامريكية حيث كانت تصريحات الأمم المتحدة واضحة خلال المؤتمر الصحافي اليومي الذي يعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.

شغل “ملادينوف” منصب مبعوث الأمين العام لعملية السلام في الشرق الأوسط، وكان من المفترض أن يغادر منصبه ذلك لتولي مهامه الجديدة في الملف الليبي، وتضمنت رسالة اعتذاره أنه سيستقيل من الأمم المتحدة مع انتهاء مهامه مبعوثا خاصا للشرق الأوسط في 31 ديسمبر الحالي، ولن يتمكن من ممارسة مهامه مبعوثا للأمين العام إلى ليبيا، كما كان مفترضاً.

كما أكد في تعليله – أي في نص رسالته للأمين العام – أن قراره كان لأسباب عائلية وشخصية، في ما أكدت الأمم المتحدة في تصريحات صحفية أن ممثلة الأمين العام بالإنابة، “ستيفاني ويليامز”، تقود البعثة حالياً (منذ استقالة غسان سلامة في مارس الماضي) ولا يوجد فراغ قيادي” رغم التأكيد ان المنظمة كانت ترغب “برؤية ممثل للأمين العام يتولى مهامه في ليبيا منذ مدة طويلة. ولكن السيدة “ويليامز” وفريقها قاما بمجهود جبار فيما يخص المحادثات السياسية والعسكرية وغيرها، وحققنا الكثير من التقدم”، وتم التأكيد أن السيدة “ويليامز” ستبقى في منصبها إلى أن يتم تعيين مبعوث جديد”.

أغلب التحاليل وخاصة في الكواليس ستربط بين استقالة غسان سلامة في مارس الماضي وبين عدم اكتمال مهمة “وليامز” نتاج مسلسلي “التمطيط” و”الارجاء” لملتقى الحوار السياسي وأيضا بين ذلك وبين اعتذار البلغاري رغم ان البعض يتحدث ان هناك صراعات داخل تيارات الإدارة الامريكية حول الموقف من ”وليامز” .

الا أن الثابت أن الاستراتيجيات الامريكية تقوم على إعطاء الملف الليبي مساحات كبرى في السياسات الامريكية في المنطقة وسيتم تكييف التطورات وفقا لذلك مع أن بعض أطراف تؤكد أن هناك متغير تكتيكي بخصوص البلغاري وهو أن الأمريكيين يرغبون في تولي الرجل حكومة بلاده مستقبلا باعتبار انه قريب منهم في تنزيل سياساتهم في أوروبا بالذات، ومن المرجح أن تعيين البلغاري كان عملا تكتيكيا ورسالة لمربع “وليامز” أمريكيا وأمميا أنه يجب عدم الذهاب في خطوات قريبة موضوعيا من توجه معين دوليا (المواقف الفرنسية والروسية وحلفائهم الإقليميين).

عرف بيان صادر عن الأمم المتحدة “جورجيت غانيون” بانها كندية حاصلة على ليسانس الحقوق من جامعة “يورك” في “تورنتو” الكندية، إضافة الى حصولها على ماجستير في القانون الدولي لحقوق الإنسان من جامعة “إسكس” في المملكة المتحدة، وهي تمتلك أكثر من 25 عامًا من الخبرة في قيادة وتنفيذ المبادرات الاستراتيجية بشأن حقوق الإنسان والعمل الإنساني والتنمية وتنسيق الفرق متعددة التخصصات في بلدان النزاع وما بعد الصراع.

كما عملت منسقة إنسانية في منصب “مدير العمليات الميدانية والتعاون التقني” في مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان ، حيث قادت العمل الموضوعي والتشغيلي لـ94 من التواجد الميداني للمكتب حول العالم بين العامين 2010 و2015، كما شغلت “غانيون” منصب مديرة حقوق الإنسان لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان ومقرها كابل، ومديرة ومستشارة أولى في مجال حماية المدنيين وحقوق الإنسان وسيادة القانون لدى الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والحكومات الوطنية والمنظمات غير الحكومية.

حول شخصية “ستيفاني وليامز” مجددا

رغم دُخولها المباشر في مربعات الملف الليبي كدبلوماسية أمريكية بداية 2018 ثم كموظفة أممية منذ 5 يوليو 2018 ثم مبعوثة أممية بالنيابة في مارس 2020 بعد استقالة المبعوث الأممي الرابع “غسان سلامة”، فإن الكثير من الليبيين والمتابعين للأحداث والتطوّرات في ليبيا لا يعرفون من هي هذه السيدة؟، وما هي توجهاتها الفكرية والسياسية وكيف تكيفت وتتكيف اليوم مع منعرجات الصراع الليبي؟، وماذا كانت تُخطط خلف “سلامة”، وهل أنها بصدد وضع الحجر الأخير في المهمة التي عادت من أجلها الى ليبيا بعد أن كانت قائمة بالأعمال بالنيابة في سفارة بلادها في ليبيا بداية قدومها سنة 2018؟

وبقراءة بسيطة لتفاصيل السيرة العلمية والمهنية المذكورة أعلاه للمبعوثة الأممية بالنيابة، نلاحظ أننا لسنا امام دبلوماسي كلاسيكي، بل نحن امام ديناميكية مُتحرّكة وقادرة على استيعاب كل التطورات (عملت في ثمان دول عربية وإسلامية وهي: مصر، سوريا، العراق، ليبيا، الامارات، البحرين، الكويت، باكستان).

اشتغلت ستيفاني من وراء مكتبها في واشنطن حول مناطق وتكتلات وملفات عربية كبرى (“المشرق” – “المغرب العربي” – “مصر” – “الأردن”- “باكستان”)، وتدرّجت وشغلت كل المناصب الإدارية والدبلوماسية (مُستشارة – مُستشارة أولى، نائبة مدير مكتب دبلوماسي–مديرة مكتب – نائبة قائم بالأعمال، قائمة بالأعمال)، وكل هذه المعطيات والاستنتاجات تُؤكد أن الإدارة الامريكية قد اختارت دبلوماسية مُتمرسة لتكون أولا في الساحة الليبية عندما كلّفتها بداية سنة 2018 كمُكلّفة بالأعمال بالنيابة، فتمرست مباشرة وميدانيا على الساحة الليبية بعد ان كانت تعرفها من خلال اشرافها على “مكتب المغرب العربي” في المقر المركزي للخارجية الأمريكية، قبل ان تكون منذ منتصف سنة 2018 الشخصية الثانية في البعثة الأممية.

وقد أكد كل الذين قابلوها أنها سريعة الاستيعاب وأنها حاضرة البديهة وأنها مُستمعة جيّدة وحريصة على الإلمام بالتفاصيل والخبايا وان لها عقلية جامعة وأنها تشتغل على الحوار والتوافق منذ مقدمها وأن لها استراتيجية تسير عليها وأنها لا تأبه بخصوص ذلك الهدف للمخاطر والمخاوف وكأنها تعلم جيّدا خاتمة الأمور والملفات.

فهي تنتقد الجميع وتحذّر بدون تردد، وهي حاسمة في خياراتها على غرار تأكيدها أنه لن يشارك في ملتقى تونس إلا من هو غير مرشح للمناصب، ولعل اجاباتها على بعض الأسئلة بطريقة يسيرة وسهلة بدت جالبة للانتباه، كما أن زيارتها لروسيا خلال الأسبوع الماضي فاجأت البعض من المراقبين وقبل ذلك كانت تصريحاتها اثر لقاء الرئيس التونسي واضحة وحذرة ومتفائلة في آن واحد بخصوص مستقبل ليبيا، ومن الواضح أنها تتحكم في كل الخيوط وتتحرك في كل المساحات وقادرة ان تكون قريبة من كل الأطراف في ساحة تتعدد فيها الأطراف كمُكونات مُتباينة إضافة الى تعدد مكونات كل مكون سواء كان مناطقيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا.

والثابت أن الأجندات الامريكية في المنطقة أو في ليبيا تغيّرت وتطورت وتنامت مقارنة بالوضع في بداية صيف 2018، ولكن الثابت أيضا أن “وليامز” أثبتت أنها قادرة على التلاءم مع كل المتغيرات مما يعني أنها قادرة على إرضاء الأمم المتحدة والفاعلين الليبيين وبالتوازي هي بصدد خدمة أجندات بلدها ومؤسساته واستراتيجياته بعيدة المدى والمسطرة منذ سنوات وربما منذ عقود.

أي استراتيجيا لوليامز مستقبلا في ظل انسحاب “البلغاري” وفي المعطيات الميدانية في الشرق والغرب الليبيين؟

الثابت أن “وليامز” شخصية جامعة بين دورين (“رجل الدولة العميقة الأمريكية” – صاحبة المهمة الأممية في أيامها الأخيرة في بلد تشقه الصراعات)، ولكنها أيضا خبرت بدقة الساحة الليبية، وهي ملمة بكل التفاصيل وكل الثنايا وكل المنعرجات وكل المكونات، وكل ذلك يعني أنها ستراوح بين:

أـ تنزيل السياسات الأمريكية بآليات غير مباشرة، وأن التنزيل سيتم وكأنها في تشاور يومي ومُستمر مع مؤسسات الأمن القومي، وأيضا بينها وبين القادة الفعليين لـ”الخارجية” و”البنتاغون” ومدير “السي أي أي”، ولكنها أيضا ليست مضطرة للمراسلات أو التوصيات حتى تنزل تلك السياسات، وعمليا تم تسهيل مهمتها عبر منحها الصلاحيات الواسعة وخاصة أنها ستكون مسنودة من الكندية “جوجيت” في الابعاد الاجتماعية والانسانية.

ب ـ الخدمة غير المباشرة للرئيس “بادين” وهي وكما هو معلوم “ديمقراطية” أي انها ابنة الحزب رغم أنها موضوعيا تلميذة لـ”رامسفيلد” بما يعني أنها ستكون خادمة لاستراتيجيات أمريكية طويلة الأمد بما في ذلك تلك التي وضعها الجمهوريون، ولكنها في الواقع اعتمدت التمطيط وتحكمت في الطور الزمني للحوار ومحطاته وحتى بعض الخطوات القادمة مما جعلها ويجعلها تعرف السياسات الأمريكية المعتمدة مستقبلا وخاصة التكتيكية منها، ثم ستتصرف على ضوئها ولتتلاءم لاحقا وتلاءم الملف الليبي مع شخصية وتوجهات ساكن البيت الابيض الجديد أي “بايدن” وبما يسمح به الهامش لشخص الرئيس في سياسات واشنطن واستراتيجياتها بعيدة المدى.

باعتبار أن الحوار الليبي لا يزال مُرتبطا بسناريوهات أربع مُرتقبة:

ـ النجاح الكامل وتشكيل مؤسسات انتقالية جديدة

ـ النجاح الجزئي وتطعيم مؤسسات حكومة الوفاق والسماح لحفتر بروح جديدة في الشرق

ـ الانتداب الدولي بغض النظر عن اشكاله وجزئياته ومساراته وترتباته

ـ الحرب الأهلية ومطباتها وما سيترتب عليها

فالثابت أيضا أن الحوار سيتم مستقبلا بخطواته الرئيسية مقابل تمطيط التفاصيل والتنفيذ، ولكنه سينجح غالبا بإصرار دولي (أمريكي على الغالب وبجهد كبير من “ستيفاني” نفسها)، وبغض النظر عن مثالية النجاح ونسبته وتفاصيله التركيبية، فان نقل النجاح مؤسساتيا وتجسيديا سيتم ترحيله زمنيا الى الأيام اللاحقة لمباشرة ساكن البيت الأبيض الجديد لمهامه بهدف أن يجد الملف الليبي على أبواب حل وحكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد وثلاثي التركيبة ومسارات ثلاث (سياسية – دستورية – عسكرية ) في طريقها للحل النهائي، وعندئذ سيأتي مبعوث أممي خامس وجديد بديلا عن البلغاري لتنفيذ ما خططته ستيفاني وليامز .

ستفاجئ “وليامز” كل المتابعين خلال الأيام القادمة بخطوات وإجراءات وتنزيل بعض ما اتفق عليه سابقا بطريقة سريعة ومحبوكة لأنها في الأخير تبحث عن الاقناع بتسوية مقنعة، والتسوية طُبخت على نار هادئة بعيدا عن التشويش والأضواء وبحبكة عالية وبعض مربعاتها حبكها السفير الأمريكي في ليبيا عبر جولاته وجسه لنبض بعض أطراف إقليمية ودولية وبعض فاعلين سياسيين ليبيين عندما كانت الأنظار منصبة على لجنة الحوار.

وكان تركيز “وليامز” منصبا على الحوار ولكنها كانت أيضا تتابع خطوات السفير وتتواصل مع الأمين العام وبعض المسؤولين البارزين للإدارة الأمريكية وسياسيي دولة مغاربية وأخرى شرق أوسطية وتعلمهم أولا بأول ما تم التوصل اليه وهو ما يعلن قادم الأيام بعضه قبل نهاية 2021 ولكن بعضها خلال الأسبوعين الأولين منها.

***

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

___________________

المصدر: اسبوعية 24/24

مواد ذات علاقة