بقلم علي اللافي

ممّا لا شك فيه ان اجتماع اللجنة الاستشارية يوم الأربعاء 13 جانفي/يناير سيكون مفصليا ومهما وحاسما في حسم آليات اختيار أسماء السلطة التنفيذية خلال المرحلية الانتقالية الأخيرة.

وخاصة في ظل سباقات وسفرات مكوكية لفاعلين سياسيين واجتماعيين وعسكريين وأمنيين بين العواصم العربية والغربية وتنقلات آخرين ومكالمات بين مصراتة وبنغازي وطرابلس والزاوية والزنتان وفي التواصل المستمر بين فريقي عمل “ستيفاني” مع السفير الأمريكي ومع باريس والقاهرة وانقرة، ومقابل ذلك تتنامى التحديات لإعادة تفعيل نجاعة الاقتصاد في بلد نفطي وله ثروات هائلة ونادرة ولكنه يشهد في نفس الوقت تحديات اجتماعية وخدماتية أثرت عليها وقامت بناء على مناكفات وحروب وصراعات.

فأي أسماء ستفرز وسط خيارات عدة وتسابق وتلاحق لأكثر من 23 أسماء لست مناصب تنفيذية (ثلاث للرئاسي وأسماء رئيس الحكومة ونائبيه) واي علاقة بين معادلتي “الانتعاش الاقتصادي” و”تتويج مسارات الحل السياسي”؟

أي تحديات اقتصادية في ظل البحث عن تكريس معادلة الانتعاش الاقتصادي بعد فرض سعر الصرف الجديد

لا حديث في الأسواق الليبية خلال الأيام الماضية بين أصحاب الأعمال، إلا سؤال “هل يدعم سعر الصرف الموحد الجديد الأسواق في أنحاء البلاد بعد سنوات من الانقسام بين طرفين متنافسين على جانبي الصراع؟”.

ولعل أولى الإجابات هو ما يردده بعض التجار في “طرابلس”و”مصراتة” و”الزاوية” وكل المدن الغربية أساسا من أن استقرار سعر الصرف بغض النظر عن قيمته هو المفتاح لسوق أفضل وهو ما يعني أيضا أن استقرار الاقتصاد الليبي بات واضحا في الأفق ولكنه أيضا سيعتمد على الأمن بصفة عامة، بينما يؤكد المختصون انه لو تم تنفيذ هذا القرار فستكون الأمور جيدة وستنتعش الأسواق لان ذلك سيعني توفير العملة والتي ستؤدي آليا لتوفر السيولة في المصارف وهو ما سينعكس على حياة الناس اليومية عبر البدء في أخذ السيولة في راحة بال وليس عبر الطوابير وعبر المتاعب والتنقلات من مصرف لآخر.

مع أن ذلك سيرتبط بالمؤثرات السياسية والاجتماعية أي أنه يتطلب الاستقرار العام بأبعاده الدنيا ومما لاشك فيه أن المنطقتين الشرقية والغربية تعرفان باستمرار المشاكسات والمناكفات الاجتماعية والسياسية في كل المدن رغم تأبيد وقف اطلاق النار منذ نهاية مايو الماضي مع استمرار ترتبات كبرى لحروب السنوات الست بين طرفي الصراع على حياة الناس وحياة أبنائهم وعائلاتهم عبر معاناة يومية في المناطق الثلاث.

إن الانتعاش الاقتصادي يتطلب ضرورة عددا من الإجراءات وتطورا مطردا في مسارات الحل السياسي حتى لا يعود مسلسل “لا توجد سيولة” بناء على خطوات مثل أن “النفط سيرجع للإغلاق” وحروب المليشيات في شرق البلاد وغربها وغياب الخدمات في الجنوب أي ان أي انتعاش اقتصادي سيرتبط آليا وبوضوح بحلقة ترابط بين الاجتماعي والسياسي والعسكري والحوارات السياسية واشغال اللجنتين القانونية والاستشارية.

وإذا ما أردنا الغوص في تفاصيل العلاقة بين انتعاش اقتصادي مرتقب ومبحوث عنه وبين سن سعر الصرف – أي الاجراء الأخير للامركزي الليبي في طرابلس-فإنه حري بنا القول أن سعر الصرف عندما يكون مُستقرا يضع التجار في وضع مريح كما أن عدم استقراره سيسبب لهم خسائر كبيرة، وكل ذلك يعني أن التجار هُم في عملية بحث مستمرة عن استقرار الدولار مهما كان سعره لأن ذلك سيعني توفر السيولة للمواطن وذلك سيؤدي للسير الطبيعي لحركة السوق ومعلوم أنه خلال السنتين الماضيتين سبب شح السيولة ركودا كبيرا في السوق الليبية في كل المدن وفي المناطق الثلاث.

عمليا ينطوي سعر الصرف الجديد على خفض فعلي لقيمة العملة، بل أنه يعني أن تكلفة السلع المستوردة سترتفع على الأرجح وللتدليل على ذلك يكفي القول أن تقريرا لوكالة رويترز قد نقل عن أحد التجار ان “سعر الذهب وصل إلى ما بين 400 و450 دينار”، أي كسعر جديد وهو سعر مهُول وغير مسبوق في ليبيا.

وقد لاحظ متابعو الأسواق أنه مع نزول الدولار نزل الذهب حتى أنه وصل خلال الأيام الماضية الى 340 و 350 و360 وقد بدا التفاؤل بين التجار وبين المواطنين خلال اليومين الماضيين بشكل جلي وواضح وخاصة بعد أن اقر مجلس إدارة البنك المركزي الأحد الماضي، تطبيق سعر جديد يبلغ 4.48 دنانير للدولار الأميركي بعد الاتفاق عليه الشهر الماضي وذلك في أول اجتماع له بكامل هيئته منذ خمس سنوات كما علقت حكومة الوفاق الوطني – المعترف بها دوليا- رسوما فرضتها على معاملات النقد الأجنبي قبل عامين لتقترب بسعر الصرف الرسمي من سعر السوق السوداء.

القرارات سالفة الذكر ما هي الا جزء من جهود أوسع لإقرار السلام والتشجيع على تطبيق إصلاحات متفق عليها وقطع الطريق أمام الفساد. في مسار اقتصادي من بين مسارات أربع للحوار السياسي تشرف عليه بعثة أممية منذ اول/أغسطس الماضي، ومعلوم أنه خلال النصف الأول من العام 2020، خسر الدينار الليبي 54% من قيمته بالسوق الموازية، وخفضت ليبيا عملتها رسمياً بنسبة 62% في عام 2002 بهدف تعزيز قدرتها التنافسية، وربطت الدينار الليبي بحقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي لتعزيز استقراره، حسب الأهداف المعلنة من المسؤولين آنذاك.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، وصول مجموع خسائر وقف إنتاج النفط إلى نحو 10 مليارات دولار، منذ يناير/ كانون الثاني الماضي وحتى 12 سبتمبر/أيلول الماضي فقط ومعلوم للجميع أن عائدات النفط تعتبر فعليا المصدر الوحيد لعرض النقد الأجنبي في ليبيا، في حين يتزايد الطلب على الدولار في ظل جمود الإنتاج الوطني وتراكم الأزمات المعيشية.

على عكس تونس ومصر، فان التحديات الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا على المدى المتوسط من السهل مُعالجتها ولكنها مرتبطة بالتسوية السياسية للخلافات والصراعات والمناكفات والتجاذبات بين الأطراف المحلية أولا، وهي مرتبطة ثانيا بمدى القدرة على فك ترابط أطراف محلية مع قوى إقليمية وهذه الأخيرة أغلبها ما هي إلا أذرع لقوى دولية ومحافل وشركات عالمية وليس أطراف إقليمية أو شركاء ايجابيين لليبيا واقتصادها.

ومقابل ذلك فان الصراع الدولي على ليبيا سيكون مُعيقا في استثمار قدراتها وثرواتها ونفطها بالأساس فالقوى الدولية تبحث أولا وأخيرا عن تفعيل اتفاقيات أمضيت معها قبل وبعد ثورة 17 فبراير 2011 ومحاولة الحصول على تعويضات كبرى على إعاقة تنفيذها لمشاريع كبرى إضافة الى بحث الاتراك والصينيين والروس والفرنسيين وقوى إقليمية وبعض دول الجوار عن اقتناص فرص الاستثمار في عملية اعادة الاعمار وارقامها الخيالية ماليا.

مسارات الحل السياسي واجتماع الغد المهم والمفصلي للجنة الاستشارية في جنيف

رغم ضبابية أفق الحل السياسي فان الثابت:

أن المسار الحالي سيؤدي في الأخير وفي أفق سنة ونصف على أقصى حد إلى انجاز استحقاقات انتخابية (24 ديسمبر 2021 مع إمكانية واردة للتمديد لست أشهر بعد ذلك التاريخ)

ان منطق الحسم الميداني والعسكري بات في حكم الماضي، كما أن سياسات “انتاج القذافي2″ و”استنساخ النموذج المصري” (أي البحث عن “سيسي ليبيا”) و”بسط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية”، ماهي إلا أماني سابقة للبعض وهي قد قُبرت نهائيا ولم يعد لها أي مكان في ليبيا بالذات، وهو ما يعني تأبيد نهائي وفعلي لوقف اطلاق النار .

رغم المناكفات والتجاذبات واعتماد البعثة لسياسات “الارجاء” و”التمطيط” فإن التقدم في الحوار وفي نحت حل سياسي أمر مُطرد وملحوظ في المسارات الأربع (العسكري/الأمني – الدستوري- الاقتصادي- السياسي والاصح تسميته بمسار إعادة هيكلة السلطة التنفيذية)، ولعل التقدم الملحوظ اول أمس الاحد 10 جانفي/يناير في اجتماع اللجنة القانونية عبر تقنية الفيديو، أمر مُهم لأنه الأسس الدستورية التي ستجرى وفقا انتخابات ديسمبر 2021 هي التحدي الأكبر بعد مهمتي “هيكلة السلطة التنفيذية” و”حسم ملف المناصب السيادية السبع”.

سيُمثل اجتماع الغد الأربعاء 13 جانفي/ينياير الحالي حاسما بين خيارين لا ثالث لهما:

الإعلان عن الوصول لتسوية سياسية من حيث الأسماء الست الشاغلين لهم مسؤوليات السلطة التنفيذية (الأسماء الثلاثة الممثلين لمناطقهم في المجلس الرئاسي واسم رئيس الحكومة ونائبيه والممثلين لمناطقهم أيضا)، وبعد ذلك لن تبقى الا الخطوات البروتوكولية والاجرائية أي عقد اجتماع للجنة الحوار في تونس للتزكية وتكريم أعضاء لجنة الحوار وعقد ندوة صحفية بالمناسبة خلال نهاية الأسبوع القادم او قبل او بعده بأيام وربما مباشرة قبل أو بعد تنصيب “بايدن” في البيت الأبيض.

الإعلان نهاية الأسبوع الحالي عن عقد جلسة للجنة الحوار او ربما فقط لجنة الاستشارية فقط للاستماع للمرشحين لرئاسة الحكومة وللرئاسي وإعطائهم فرصة لتقديم أنفسهم لأعضاء لجنة الحوار (هناك حديث لإعطاء كل مرشح 30 دقيقة) ومن ثم المرور للتصويت بعد عدم التوصل لأي تسوية ولا تنزيلها، وفي هذه الحالة فان التوصل للإعلان عن الأسماء لن يتم قبل 26 جانفي/يناير الحالي.

صراع الأسماء وحرب المسافات الأخيرة لعدد من التصورات والتسويات والسيناريوهات

الثابت أنه جار فعليا وفي الكواليس بين القاهرة وانقرة وإسطنبول ومصراتة وطرابلس وتونس وجينيف والعواصم الغربية المهمة وبين مربعات مكاتب “ستيفاني” ومكاتب السفير الأمريكي في ليبيا وكواليس السفراء السبع، حرب سيناريوهات وخيارات وسباق زمن لفرض تسوية وعبر خيارات بين أسماء بعينها ولكن يبدو انه رغم تكتيكات “السراج” وخطوات “عقلية” الأخيرة ووعودهما للعديدين عبر الهاتف، فان بقاء اسميهما أصبح من سابع المستحيلات وفي حد أدنى جد ضعيف وغير ممكن المرور على الأقل عبر تسوية متوافق عنها بين العواصم العربية والغربية وعبر المدن الليبية.

مقابل ذلك تعي بعض أطراف ليبية بعينها أن الحرب الدائرة لا قيمة لها وتعد نفسها موضوعيا للمرحلة الدائمة لان المرحلة الحالية وان سترسخ خيارات مستقبلية فإنها حارقة للجهد وللأوراق وآثارها لم ولن تكون كبيرة.

منصب رئيس الحكومة سيكون سهل الاختيار ولا صراعات كبيرة بين العواصم ولا بين المدن الليبية وأصبح المرشحون جد معروفين ويرتكز بين خيارين:

خيار أول، بقاء الرئاسي الحالي وحصر تركيبته في ثلاث أسماء وفي هذه الحالة سيكون رئيس الحكومة من الشرق الليبي ويتكون أسماء “الكيخيا” و”البرغثي” و”الحاسي” أبرز الأسماء المطروحة مع إمكانية حدوث مفاجآت على غرار “البرعصي” و”المقريف” و”البدري” وآخرين لا يعرفهم البعض، وهذا الخيار وان كان واردا فهو جد ضعيف لان السراج أصبح اسما مستهلكا وتجاوزاته عديدة ولعل الرسائل غير المباشرة التي بعث بها بعض شباب من مدينة مصراتة اليه معبرة على غرار “هات لنا 800 شهيد وهات عقيلة أو أبقى انت في الرئاسي”.

ومن المهم القول ان عشية أول امس الاحد قد عرفت ترويج معطى تراس الحكومة من طرف موسى الكوني وبقاء السراج ولكننا نعتقد انه ضمن حروب التسريبات والشائعات لا غير ، وان كانت بعض الشائعات في ليبيا قد تحولت لوقائع.

خيار ثان، وهو ترأس “باشاغا” او “عبدالحميد دبيبة” او “محمد المنتصر” او أي اسم اخر من مصراتة على غرار “معيتيق” أو “خالد الغويل” (غير محام سيف) للحكومة، وهو الخيار الأقرب والواقعي ومن الصعب ورود خيار غيره الا اذا تم اختيار رئيس الرئاسي من الغرب الليبي فعندئذ سنعود للخيار الأول أعلاه.

ومن المهم القول ان بشاغا حظوظه أوفر وخاصة في ظل تغير الاستراتيجيات المصرية نحو التكيف مع سياسات بادين وتصالح/اقتراب أولي مع الاتراك وتهميشهم لحليفيهم السابقين في الشرق أي “حفتر” و”عقيلة صالح” ولكن لا يمكن أيضا تغييب رؤيتي كل من الجزائريين ورؤية المملكة المغربية وهو ما يعني تأثيرات في هوية الأسماء أو ترجيح لبعضها وهنا يهم الامر رئيس الحكومة ورئيس الرئاسي أيضا.

اختيار ممثل المنطقتين الجنوبية والغربية في المجلس الرئاسي ليس موضوع جدل كبير ففي الجنوب المسألة شبه محسومة وباتة لـ “عبد المجيد سيف النصراما في الغرب الليبي فان الاسم سيرتبط باسم رئيس الحكومة والأغلب ان يكون رئيس الحكومة من “مصراتة” وان يكون عضو الرئاسي من طرابلس كخيار اول ومن الزنتان او الزاوية كخيار ثان ومن بين الأسماء المتداولة والاقرب هي “خالد الغويل” (مرشح أيضا لرئاسة الحكومة باعتباره اصيل مصراتة)– “خالد المشري” –”عثمان عبد الجليل” و”اسامة الجويلي” و”حافظ قدور” و”فضيل الأمين” على أن ظهور أسماء غير المذكورة وارد ولكنه مستبعد.

سيبقى الاشكال قائما حتى اللحظات الأخيرة بالنسبة للمنطقة الشرقية من حيث ممثل المنطقة في الرئاسي لان الخلافات والصراعات والتجاذبات كثيرة بل هي لا تحصى ولا تعد سواء اجتماعيا او سياسيا او عسكريا ولعل استعمال لفظي برقة البيضة وبرقة الحمراء مثال معبّر ودال.

واضافة للأسماء الخمسة المعروفة (“البرعصي”–”العبيدي”–”عقيلة”–”الوافي”-“بوخيرالله”)، عاد اسم “فتحي المجبري” كمرشح لعضوية الرئاسي، وجوهر عملية تعدد الأسماء تكمن في أن رئاسة “الرئاسي” ستُستند في الاغلب للمنطقة الشرقية وهنا يمكن تأكيد ملاحظات عدة:

في صورة التخلي عن عقيلة موضوعيا العبيدي اوفر حظوظا من غيره فيما يأتي ترتيبا كل من “البرعصي–المجبري– الوافي –بوخيرالله “على ان أي تطورات قد تقلب الترتيب خلال اليومين القادمين.

كل الأسماء الواردة في قائمة المترشحين هي على علاقات قوية بالمصريين مع فارق في طبيعة العلاقة وفي درجتها وفي قدرة الشخصية على أخذ مساحة مستقبلا بناء على طبيعة المنصب (عضوية الرئاسي او رئاسته)

اسم عقيلة صالح أصبح مستهجن دوليا ومحليا وإقليميا وحتى في الشرق الليبي وفي ما يسمى برقة البيضة تحديدا، مع ان الروس والمصريين يفضلونه رئيسا للبرلمان وهي رؤية يمكن ان تتغير بين لحظة وأخرى في اتجاهين ( ترشيحه للرئاسي – التخلي النهائي عنه)

***

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_____________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة