د. اسماعيل علي الشريف

يصطدم الليبيون بفكرة الدولة اصلا.. ويتجلى ذلك في السلوك والممارسة السلبية لكل ما يمت بصلة للدولة كمؤسسة.. ومعادلة الحقوق والواجبات التي تنظم ارتباط الفرد بالدولة مشوشة ومشوهة.. حيث يختلط مفهوم الانتماء للوطن والانصياع لمؤسسة الدولة .. ويؤثر ذلك علي تلك المعادلة بشكل عميق.

تصور الدولة كمفهوم وممارسة لدي الفرد متأخر ومرتبك .. وينحصر في المكاسب والغنيمة حيث الاولوية لما يؤخذ علي حساب ما يعطي .. وتعمق ذلك الخلل بفعل ثقافة الدولة الريعية. هذه (اللعنة الريعية) هي التي اسست لمشروع (التخلف) ..

قرابة اثنين مليون نسمه يتقاضون مرتبات من الحكومة .. وصار المرتب هو (الشعرة) التي تربط الفرد بالدولة .. فتحول المجتمع لحالة استهلاكية وسط تراجع للإنتاج والعمل والإبداع الفكري برعاية نخب السلطة .. وعاش الجميع تحت كنف دولة الوهم.

الإرث الفكري الجمعي الليبي تجاه مؤسسة الدولة ونموذج السلطة والحكم يحمل بين طياته صور متعددة من التناقضات الحادة .. مفاهيم مثل التنوع والتداول والمشاركة والتبادل ضمن إطار (ديمقراطي ملائم) مفقودة سواء علي مستوى النخب الحاكمة والمثقفة والمحكومين تحت وطأة الانتماءات القبلية والجهوية والايدولوجية والنفعية ..

ويسود مناخ التعصب والنزعة الأحادية علي حساب قبول الاخر والتعايش السلمي الحقيقي .. كل ذلك وسط تداخل بشع بين ادعاءات الوطنية والعمل بقيم المواطنة.

يبدو أن فكرة الدولة غير حاضرة في العقلية الليبية المصابة بالسادية والانفصام .. فمن المواطن الذي لا يكترث بالإشارة المرورية الحمراء ولا يهمه أن يغلق بسيارته الطريق العام مسببا الضرر للمارة والسيارات بدعوي التباهي بالصلاة في الجامع ..

إلي (قيصر) المصرف المركزي بجوار السرايا الحمراء الغير آبه بالتدهور غير المسبوق للاقتصاد والعملة الوطنية والمتبوع بانهيار كارثي للقيم الاخلاقية المجتمعية ..

إلي شركة الكهرباء والمشهد السريالي حيث تعجز مؤسسة ركيزة للدولة عن تقديم خدمة أساسية لمواطنيها الذين عاد بعضهم لاستخدام الفحم للتدفئة كبديل وبالمقابل يمتنع المواطن بثبات عن دفع فاتورة الخدمة ..

وصولاً إلي النخب السياسية المتمترسة خلف كراسيها وامتيازاتها وإن ذهبت (بقايا دولة ليبيا) إلى الهاوية .. الكل يتساوى في ذلك لأن الدولة ككيان غير حاضرة لا في الفكر ولا في الممارسة نتيجة الالتباس في الفصل بين الدولة والنظام .. بين المؤسسات والشخوص.

علي الرغم من اصدار الأمم المتحدة شهادة ميلاد عضوية ليبيا منذ نحو سبعة عقود .. لازالت ليبيا تترنح علي المسرح الدولي لأن تحسب دولة بالمفهوم الحديث للدولة .. من فترة الملكية الي مرحلة الجمهورية والجماهيرية ثم حقبة فبراير فشلت النخب الليبية في تجذير فكرة الدولة لدي الشرائح المجتمعية ..

وساهمت اسباب دولية وداخلية متعددة ومتداخلة في تقويض فرصة سانحة لتأسيس دولة ليبية عصرية متطورة بناء علي الإمكانيات الجيوسياسية والاقتصادية والديموغرافية المتاحة.. وغدا الوضع القائم هو أقرب ما يكون صيغة مختارة للتعايش المجتمعي بإدارة ناعمة و(خشنة احيانا) من السلطة الحاكمة.

مرت ستون عاما (1951-2011) خبرت خلالها ليبيا مستويات عالية من الاستقرار والتعايش (الظاهر) والسكون المجتمعي (المُدار) فوقيا .. لكن ذلك كان يخفي حقيقة تعثر انبثاق مشروع وطني حقيقي لتطور ثقافي وفكري ومعرفي يزيل الأوهام ويجسد الدولة ..

كان بالإمكان أن يتصدى للانفجار المهول عام 2011 م الذي أتي بعنف علي كل صيغ الاستقرار السابقة وأعاد ليبيا لمرحلة ما قبل الدولة.

ذلك الانفجار الذي لم يبين فقط حقيقة هشاشة تكوين الدولة الليبية والأطر المؤسسية الناظمة .. بل أيضاً الشروخ في فكر وسلوك النخب المسيطرة علي المشهد من حينه .. حيث تم سداد (الفاتورة المبدئية) لتغيير النظام بمقدرات واستقرار الدولة.

جوهر الأمر في الاختلال العميق في تأسس دولة ليبية بالمعني الحقيقي للدولة بدءا من دستور 1951 الي محطة 1963 المفصلية حيث ألغيت الفيدرالية الي إعلان الجمهورية 1969 الي قيام النظام الجماهيري 1977 وصولاً الي أحداث 2011 هو الافتقار لعقد اجتماعي نابع من القاعدة الشعبية وخالي من التدخلات الأجنبية .. يؤسس للدولة كفكرة وقيمة وممارسة وتفاهم ضمن إطار تنظيمي وقانوني ..

فالمفارقة التي وقعت ليبيا أسيرتها هي استباق إعلان الدولة (بفعل اتفاق قوي دولية) علي حساب تفاهمات وطنية تفرز اتفاق وعقد اجتماعي.

كل الأوضاع الدستورية والمؤسسية في ليبيا منذ نشأتها لم تكن منبثقة عن صيغة ما لعقد اجتماعي حقيقي ناضج من تفاهمات محلية مجتمعية .. وظل الوضع السائد فرض السلطات المتعددة والمتعاقبة لصيغ لضبط موازين إدارة موارد الدولة وأمنها وسط غياب اي مشاركة مجتمعية (حقيقية) وقبول خارجي بعدم المساس بتلك المعادلة ..

وبرغم الانتباه والإجتهاد مطلع عام 2009 في فتح هذا الملف الحساس من خلال مجلس التطوير الاقتصادي .. فإن الدرس المؤلم لليبيا يبدو أن قدرها أن تظل منتج لصفقة ما (دولية، اقليمية، محلية) .. ثمنها تضحيات ونضالات تاريخية عسكرية وسياسية واجتماعية وبشرية.

مع مطلع 2011 انقشع الوهم وجاءت لحظة المكاشفة والانكشاف المجتمعي .. حيث أطلت القوي الدولية المتنفذة برأسها مجدداً مدفوعة بجيناتها الاستعمارية لفرض واقع سياسي وصياغة عقد اجتماعي جديد مصمم لحقبة (مافيوزية) جديدة غامضة ..

هذا التدخل الفج أدى لانفلات صمام الأمان (السلطة الحاكمة) مستثمراً ضغوطات داخلية مكبوتة ..

كان هناك اتساع للهوة بين قدرات النظام الجماهيري وتأثيره الاقليمي والدولي الواسع وبين قدرته على ضبط وادارة التناقضات الداخلية والإنتباه لحالة (الكمون) المجتمعي ..

وتجلي ذلك في ارتفاع درجة حرارة (جسد) الدولة عبر تنامي واستفحال الفساد الإداري (وفق تقارير منظمة الشفافية الدولية) وضعف مسكنات الحرارة الموصوفة حينها .. والنتيجة تعري البنية المجتمعية الهشة وتهاوي (الدولة الصيغة) بشكل دراماتيكي وتلاشي مؤسسات تلك الصيغة التعاقدية بين الفرد والسلطة.

منذ اتفاق الصخيرات (ديسمبر 2015) دخلت ليبيا في وضع أكثر تعقيدا وتشابكاً .. تجلي النفاق السياسي للدول الكبرى بشكل فاضح .. مستنداً علي استهتار نخبوي حد العمالة و(غوغائية) ليبية بامتياز .. ومدعوماً بموارد وثروات وطنية تحولت ليبيا خلالها إلي مجرد صفقة و(حالة) دولية استثنائية يتناوب علي استغفالها ممثلي الأمم المتحدة وسط مومياءات سياسية محلية ومستوردة .. وأشباح من مواطنين ألتهمهم الفقر والمرض والندم.

(الحالة) الليبية الغامضة والمتناقضة صممت بشكل استعماري احترافي مذهل .. برلمان في الشرق ومجلس رئاسي في الغرب .. ومجلس دولة (هلامي) كشاهد مسبوق الدفع .. ونفط يتدفق من وادي وايراداته تصب في وادي آخر .. و جيش في الشرق وآخر (تأسس علي الفزعة) في الغرب .. وجنوب لا تربطه بالوطن إلا الجغرافيا والمآسي ..

هذه الفسيفساء سيكون هراء أن نصفها بدولة .. بل هي نواة مشروع (دولي / اقليمي) لوأد حلم الدولة الليبية المنشودة .. مشروع مسخ ممول للأسف بثروات وأموال ليبيا تكلفته ارواح وعقول و كرامة أبناءها.

عبر هذه العشرية القاتمة (2011 – 2021) ليبيا أمام مفترق تاريخي وتواجه ككيان تحدي مصيري و(وجودي) حقيقي ..

أزمة ليبيا (ثلاثية الأبعاد) نادرة الحدوث في العصر الحديث .. فالنظام السياسي القائم ضعيف وهش وطالت الشكوك شرعيته .. ومؤسسات الدولة أصابها الانقسام والوهن والعجز ونخرها الفساد .. و رأس المال الاجتماعي يتآكل ويتفكك.

الليبيون أمام أزمة وجودية حقيقية خطيرة في الطريق لبناء دولة جامعة .. كل شيء انكشف وانحدر المجتمع نحو فوضى و(إباحية إجتماعية) تتعرض للتاريخ والهوية والدين والمكون والشرعية والثروة والجغرافيا ..

وما التراشق الحاصل علي المشهد بين شرق البلاد وغربها حول (أوهام) الدولة المدنية المفتقر لمرجعية فكرية ورؤية مستقبلية جامعة إلا ردود أفعال وصورة لحالة الصدام المجتمعي والالتباس في التمييز بين الدولة والنظام .. في غياب قواسم يمكن أن يبني عليها تفاهمات مشتركة تؤسس لصيغة مجتمعية توافقية تكون بمثابة DNA العقد الاجتماعي الركيزة للدولة الجديدة.

الوقت يمضي والفرص لمشروع وطني للإنقاذ تتقلص .. مبادرات ومحاولات هنا وهناك .. داخلياً وخارجياً .. بين بعض الأضداد (السياسيين) وبين المكونات الثقافية والاجتماعية ..

لكن تلك الحراكات لازالت تائهة وضعيفة نتيجة انفصامها عن العملية السياسية (المبرمجة) والمتعثرة ..

تلك المتاهة التي تزاوجت فيها مصالح قوي إقليمية ودولية متنفذة وبعض ممن أتت بهم دوائر الاستغفال وسخرية الأقدار ليكونوا ساسة البلد ..

ويظهر ذلك جلياً في ما يجري الآن من حوار سياسي متعثر قد يكرر نفس الخطأ التاريخي الأول .. حيث محاولة (صناعة) دولة (وهمية) في غياب تفاهمات مجتمعية بين القوي الوطنية الحقيقية بكافة أطيافها .. حوار قد يفضي إلى ولادة مشوهة هذا إذا لم يولد الجنين ميتاً.

المحزن أنه بعد أكثر من أربعة عشر قرنا من محاربة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لقريش لعبادة الأصنام .. ها هي بعض النخب الليبية تعيد استنساخ مشهد صناعة وعبادة الأصنام بآليات محدثة .. حيث تتمحور جولات الحوار السياسي حول إعادة تدوير (أصنام) النواب والحكومات الحالية الجاثمة علي المشهد .. لتولي إدارة البلد مجدداً و(تكريس حالة الإقطاعية المتنامية) والعودة بنا إلي (وهم) جديد أسمه دولة ليبيا.

حتما سنظل نعيش حالة وهم الدولة .. ما لم تلتئم القوى الوطنية (المؤثرة) المؤهلة والصادقة والثابتة وحتى الصامتة والصابرة وتلم الشتات عبر التوافق علي مقدسات ومحرمات وقواسم وطنية مشتركة .. وتشكل قوة ضغط شعبي حقيقي علي الوضع القاتم القائم .. تستنهض الأصوات والنخب الوطنية الحقيقية ليعلو صوتها عبر المنابر الإعلامية والقانونية والدينية (الوسطية) .. بالضغط علي بعثة الأمم المتحدة للدعم لاشراكها في الترتيبات البنيوية للدولة القادمة ودفع السلطة القائمة للرحيل طوعاً أو قسراً.

***

اسماعيل علي الشريف ـ خبير سابق بمجلس التطوير الاقتصادي

______________

مواد ذات علاقة