تشهد ليبيا زخما سياسيا جديدا لمحاولة إنقاذ الحوار السياسي، وتدارك حالة الانسداد التي وصل إليها المشهد في البلاد، في حين تبحث أطراف أخرى عن بدائل واقعية لتجاوز هذا التعثر.

حيث تمكنت اللجنة الاستشارية (18 عضوا) المنبثقة عن ملتقى الحوار (75 عضوا)، خلال اجتماعها في جنيف ما بين 13 و16 يناير/ كانون الثاني الجاري من الاتفاق على آلية لاختيار “سلطة تنفيذية موحدة”، تعرض الإثنين، على أعضاء الملتقى للمصادقة عليها.

وبحسب ما أعلنت عنه ستيفاني وليامز، المبعوثة الأممية بالإنابة إلى ليبيا، السبت، فإن إقرار هذا المقترح لن يتطلب سوى موافقة 63 في المئة من الأعضاء الـ75، بعدما كانت النسبة 75 في المئة، وحتى في حالة عدم الموافقة عليه يتم عرضه مرة ثانية للتصويت ولن يحتاج سوى نسبة 50 في المئة + 1.

والمقترح التوافقي للجنة الاستشارية يتضمن، بحسب ويليامز، أن يختار كل إقليم مرشحه بنسبة 70 في المئة على الأقل، فإن تعذر ذلك يتم اللجوء إلى خيار القوائم المكونة من 4 أشخاص لكل قائمة، مع تحديد المنصب الذي يترشح إليه سواء في رئاسة المجلس الرئاسي أو عضويته أو رئاسة الحكومة.

ويشترط في القائمة المترشحة أن تحظى بتزكية 17 عضو (8 من الغرب، 6 من الشرق، 3 من الجنوب)، وقد لا يتيح هذا الشرط سوى لقائمتين بالترشح، بالنظر إلى انتخابات سابقة.

وتم تخفيض نسبة العتبة الانتخابية من 75 إلى 60 في المئة من الأصوات لفوز أي قائمة بالجولة الأولى.

وإن لم تحصل أي من القوائم على هذه النسبة، تتنافس في جولة ثانية القائمتان صاحبتا النسب الأعلى على أن تفوز منهما من تحصد 50 في المئة+1 من الأصوات.

والشرط الأخير لم يكن متاحا فيما سبق، مما جعل عملية اختيار سلطة تنفيذية موحدة مهمة مستحيلة في ظل التنوع والاختلاف بين الأعضاء الـ75 للملتقى.

ويزاوج مقترح اللجنة الاستشارية بين المقترحين الثاني والثالث، اللذان نالا أعلى الأصوات في تصويت سابق.

فالمقترح الثاني (أنصار التيار المدني) يدعو إلى أن يتم انتخاب رئيسي المجلس الرئاسي والحكومة على مستوى أعضاء الملتقى، أما المقترح الثالث (التيار المؤيد لعقيلة صالح رئيس مجلس نواب طبرق) فيصرّ على أن يتم الانتخاب على مستوى كل إقليم.

إذ تم التوافق مسبقا على أن يعود منصب رئيس المجلس الرئاسي للمنطقة الشرقية بينما تتولى شخصية من المنطقة الغربية رئاسة الحكومة.

ومن شأن موافقة ملتقى الحوار على هذا المقترح إنهاء هذا الانسداد وتسريع عملية اختيار رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه ورئيس الحكومة ونائبيه.

وتتمسك البعثة الأممية بضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها بتاريخ 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، لكن الوقت يمضي بسرعة دون التمكن من تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وأيضا توحيد البرلمان والاتفاق على قاعدة دستورية تجري على أساسها الانتخابات.

ويتنافس على رئاسة المجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة تحالفان رئيسيان؛ الأول يمثله رئيس مجلس نواب طبرق، عقيلة صالح، ووزير الداخلية فتحي باشاغا، ويوصف بالحرس القديم.

أما التحالف الثاني فيضم أسماء جديدة لم تتول مناصب سياسية بعد ثورة 2011، مدعومة من قوى التيار المدني، وتتمثل في عبد الجواد العبيدي (شرق) ورجل الأعمال المصراتي عبد العميد الدبيبة (غرب).

لكن لم يتمكن أي من التحالفين من الحصول على نسبة 75 في المئة من أصوات أعضاء ملتقى الحوار، رغم أن تحالف العبيدي-دبيبة يتقدم على تحالف عقيلة – باشاغا من حيث الأصوات.

السراج والخيار البديل

نظرا لتعثر الحوار السياسي أكثر من مرة، يتحرك رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج في مسار موازٍ للحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة، بعد مناقشته مع عدد من أعضاء مجلس النواب، في 13 يناير، تشكيل “حكومة وحدة وطنية” تعمل على الإعداد لإجراء الانتخابات.

وفي خطوة تعكس جديته في المضي نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية مع احتمال احتفاظه برئاسة المجلس الرئاسي، شكّل السراج فريق عمل يتولى مهام التواصل بين مجلسي النواب في طبرق وطرابلس والمجلس الرئاسي.

ففي ديسمبر الماضي، زعمت صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية، أن السراج عرض على الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، عبر رسالة نقلها وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، ترشيح رئيس الحكومة، لكن سرعان ما فند الناطق باسم المجلس الرئاسي هذا الخبر، في تغريدة.

غير أن السراج يعلم جيدا أن تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يكون إلا بموافقة حفتر، الذي يسيطر على المنطقتين الشرقية والجنوبية، وبدون هذه الموافقة لا يمكنه قيادة المرحلة الانتخابية التي تنتهي بانتخابات عامة في 24 ديسمبر المقبل.

ويعتقد محللون سياسيون بينهم عضو المؤتمر الوطني العام (البرلمان التأسيسي) محمود عبد العزيز، أن السراج “لديه آمال بأن يكون رئيس المجلس الرئاسي، وهو ما دفعه للذهاب إلى إيطاليا”.

ففي 8 يناير الجاري، التقى السراج رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، في روما، وبعد أربعة أيام طار أحمد معيتيق، نائب السراج، الذي أعلن رغبته في رئاسة الحكومة المقبلة، إلى إيطاليا أيضا، حيث استقبله وزيرا الخارجية لويجي دي مايو والداخلية لوتشانا لامورجيزي.

وتحاول إيطاليا العودة للعب دور الوسيط في ليبيا، خاصة بعد إطلاق حفتر سراح صيادين صقليين في ديسمبر الماضي، وإعادة روما “الروابط” معه، بعد انقطاع دام أشهرا.

حيث عيّنت روما لأول مرة مبعوثا خاصا لها إلى ليبيا، وتولى هذا المنصب السفير باسكوالي فيرارا، بالتزامن مع تعيين الاتحاد الأوروبي الإيطالية نتالينا تشيا، رئيسة لبعثته لدى ليبيا “يوبام”، لتخلف مواطنها فينتشينزو تاليافيري، الذي شغل المنصب منذ 1 سبتمبر/ أيلول 2016.

الاتحاد الأوروبي يتريث في إرسال مراقبين

لكن الاتحاد الأوروبي ورغم إبدائه اهتماما متزايدا بالوضع في ليبيا، إلا أنه أظهر تريثا واضحاً في التعامل مع طلب وجهه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للمفوضية الأوروبية لتأمين “مراقبين وإمكانيات مادية وعملية لبعثة مراقبة وقف إطلاق النار المزمع إرسالها لليبيا”.

وفي هذا الخصوص، قال المتحدث باسم الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية جوزيب بوريل، أن بروكسل “أخذت علماً بطلبات الهيئة الأممية”، منوهاً بوجود “نقاشات أوروبية – أممية لمزيد من المعلومات”.

إذ أن الوضع في المنطقة الفاصلة بين الجيش الليبي ومليشيات حفتر بين محافظتي سرت والجفرة (وسط)، ورغم الهدوء النسبي الذي يسوده، ما زال يلفه الغموض بسبب حشود الطرفين بالمنطقة.

حيث هدد حفتر، الشهر الماضي، بالعودة مجددا إلى الحرب، فيما يتهم الجيش الليبي مليشيات حفتر بحفر مزيد من الخنادق بالمنطقة، وعرض فيديو مؤخرا لما قال إنها ثلاث طائرات حربية يقودها مرتزقة شركة فاغنر الروسية، واعتبر ذلك خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار.

كما أن الجفرة شهدت مظاهرات صاخبة ضد مليشيات حفتر عقب مقتل مواطن ليبي على يد مرتزقة أفارقة، وطالبوا بطرد المرتزقة الأجانب من مدنهم.

يضاف إلى ذلك، مطالبة قبائل الجنوب الشرقي الممتد من مدينة أجدابيا شرقا إلى سرت غربا ومدينة الكفرة جنوبا، بإقليم رابع تحت اسم “برقة البيضاء”، إلى جانب الأقاليم الثلاثة الأخرى؛ طرابلس فزان وبرقة (الحمراء).

وهذا الوضع الضبابي في المنطقة يدفع الاتحاد الأوروبي إلى التريث في إرسال مراقبين دوليين إلى خطوط التماس في ليبيا، رغم أن بوريل كان أكثر المتحمسين لهذه الفكرة، لمنح الأوروبيين ثقلا على الأرض ينافس الدور التركي والروسي في ليبيا.

وفي هذا الصدد، بحث نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، مع السفير التركي في موسكو محمد صامصار، تطورات الأوضاع في ليبيا.

كما أعلنت الخارجية الروسية، الجمعة، استقبال بوغدانوف، ممثلين لما أسمته حركة “سيف الإسلام القذافي”، وهما مفتاح الورفلي وعمر أبو اشريدة.

وتعكس هذه الخطوة، بداية تفعيل مخطط ترشيح سيف الإسلام القذافي لرئاسيات ديسمبر المقبل، خاصة وأن ممثلين عنه يشاركون في ملتقى الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة.

بالمقابل، وافق مجلس الأمن الدولي على تعيين السلوفاكي يان كوبيتش، مبعوثا أمميا جديدا إلى ليبيا بعد اعتذار البلغاري نيكولاي ميلادينوف عن قيادة البعثة الأممية متذرعا بأسباب قال إنها “عائلية”، بعد موافقة مجلس الأمن على اسمه في 15 ديسمبر الماضي.

ومن شأن هذا الزخم السياسي، أن يمنح الحوار الليبي دفعة جديدة، خاصة بعد الرحيل المرتقب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن البيت الأبيض في 20 يناير، وتحقيق المصالحة الخليجية، التي قد تنعكس إيجابا على الوضع في ليبيا.

غير أن أي تعثر جديد في إنجاح الحوار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، قد يفسح المجال لمبادرات جديدة ليس بالضرورة أن تكون محل توافق الجميع.

___________

(الأناضول)

مواد ذات علاقة