يخضع امتياز نيل الجنسية الليبية إلى معايير فضفاضة نظرياً وغير واضحة عملياً, يلزم طالبها تقديم أدلة يصعب إثباتها أو معاينتها أو حتى الولوج إلى مصادرها. ما يجعل من فكرة الحصول على حق المواطنة لبعض الأعراق بمثابة الحلم.

عاني أكثر من 10 مليون إنسان حول العالم حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة وشؤون اللاجئين من مشكلة انعدام الجنسية وصعوبة الحصول عليها. فهناك دول وحكومات لا تقبل فئات معينة من المجتمع لأسباب مختلفة منها التمييز ضد الأقليات العرقية و الدينية, التنازع بين الدول, التغييرات الحدودية المستحدثة أو عدم إدراج كافة السكان المقيمين ضمن مجموعة المواطنين عند إعلان استقلال دولة ما.

في ليبيا أيضا هناك العديد من فاقدي الجنسية أو ناقصي المواطنة. فحسب القرار (538) لسنة 1981 تم حصر أكثر من 14 ألف عائلة معنية من فئة الطوارق, ولكن لم يصدر قرار بمنح الجنسية إلا لـ 7102 عائلة منهم في عام 2009 بموجب القرار 328. يمثل هذا العدد فئة محددة من الطوارق المقيدين في السجل المؤقت حتى عام 1981 فقط, ولا يمشل بقية الفئات من ناقصي المواطنة.

لا تتوفر معلومات دقيقة حول أعداد الأشخاص ناقصي المواطنة من المصادر الرسمية المتاحة, إلا أن شهادات متقاطعة من الضحايا ترجح بأن هناك ما يتراوح بين 40 الى 60 ألف شخص يعيشون في ليبيا بلا جنسية.

الفئات التي تعاني من مشاكل في الحصول على الجنسية الليبية:

: من لم يشملهم الحصر السكاني : سكان المناطق الحدودية والقرى النائية أو الرحّل ممن لم يشملهم الحصر السكاني عامي 1954 و 1964

مواليد أوزو: تم اعتبار مواليد إقليم أوزو الحدودي أجانب بموجب التعميم وقم 13 عام 1996، جاء هذا التعميم بعد عامين من حكم محكمة العدل الدولية بأحقية الأرض المتنازع عليها لدولة تشاد.

العائدون من المهجر: من غادروا ليبيا لأسباب مختلفة تم عادوا إليها لاحقا ولم يتم تسجيلهم ضمن سجلات المواطنين.

ضحايا التمييز العرقي والاستغلال السياسي: من تم استغلالها سياسيا وتقديم الوعود لهم بمنحهم حق المواطنة، ومن تم حرمانهم من حق المواطنة نتيجة تمييز ديني ـ عرقي أو لأسباب سياسية أخرى.

غير المشمولين بالحصر السكاني

تنحدر أصول أسرة “يوسف عبد الكريم” صاحب الـ54 عاماً و الموظف في قطاع التعليم الى منطقة وروي في أقصى الجنوب الليبي, على الخط الحدودي بين ليبيا و تشاد, حيث اعتاد والد يوسف أن يقضي أشهراً للرعي في مواسم معينة من السنة على الحدود الليبية التشادية.

ورغم وجود هذه المنطقة حسب التصنيف القانوني و حسب خرائط جوجل داخل الشق الليبي الا أن لجان الحصر سواء الأولى في عام 1954 أو الثانية عام1964 كلامهما لم يصلا إلى تلك المناطق ما جعل عائلته تتخلف عن التسجيل.

لم يشمل الحصر السكاني أسرة “يوسف”, ولكنهم قاموا بالتسجيل في سجل الكفرة عام 1975 قبل أن تصدرالنيابة قراراً بإيقاف هذا السجل الذي يضم (43) أسرة في عام 1977. و بعد أسبوع من قرار إيقاف السجل, صدر قرار آخر و من نفس النيابة بإلغاء الإيقاف, ولكن هذا القرار لم يُعمل به من قبل السجل المدني بالمدينة الذي رفض بدوره تسجيل هذه العائلات ضمن سجلات المواطنين.

قام “يوسف” برفع دعوة قضائية استناداً علي قرار الإفراج الصادر من النيابة, وحكمت المحكمة بصحة القرار ولزوم الافراج عن سجل هذه العائلات, الا أن السجل المدني في الكفرة تمسك بمواصلة الرفض رغم الحكم القضائي.

تمكنت لجان الحصر في ذلك الوقت فقط من الوصول إلى نقاط مركزية في الجنوب الليبي, ولكن لم يتم التأكد من وصولها إلى مناطق داخلية نائية كالأودية الجنوبية جنوب الكفرة والعوينات, التي كان يسكنها عدد قليل من السكان في ذلك الوقت, كما أن قلة المصادر المعلوماتية آنذاك ساهم في صعوبة معرفة هذه اللجان بوجود سكان تلك المناطق.

مواطنون ولكن عائدون“!

“خديجة عنديدي”, 35 عام خريجة هندسة معمارية وممثلة النساء في المجلس الأعلى لطوارق ليبيا, و لكنها لا تتمتع بحق المواطنة الكامل ولازالت تًصنف عند الدولة الليبية كمواطنة مؤقتة, حيث تُصنف أسرتها من ضمن الأسر العائدين من المهجر الذين غادروا البلاد ثم عادوا إليها بعد الحصر السكاني وإنشاء سجل المواطنيين.

تم إنشاء السجل المؤقت عام 1971 حسب القرار 193 الصادر عن وزير الداخلية والحكم المحلي. اطلق على هذا السجل اسم (سجل العائدين) وذلك لتخصيصه لفئة العائدين من المهجر الذين لم تستكمل إجراءاتهم الإدارية التي تخول لهم الحصول على حق المواطنة.

تقول خديجة انها تشعر بالقهر والحسرة كونها ليبية المولد والنشأة والروح ولكنها في ذات الوقت ليست مواطنة كاملة لها حقوق إجتماعية و سياسية. لم يسبق لخديجة أن غادرت التراب الليبي منذ ولادتها, ولكنها لم تتحصل على رقم وطني نتيجة لسجل عائلتها الموجود ضمن السجلات المؤقتة.

احني ليبيين وعندنا حق زينا زي غيرنا, لكن الدولة تعامل فينا كمواطنين درجة ثانية

رقم إداري

ظهر الرقم الاداري لأول مرة في عام 2014 بعد احتجاج مجموعة من قبائل الطوارق جنوب غرب ليبيا و إقفال حقل الشرارة النفطي, كوسيلة ضغط على الحكومة من أجل اتمام اجراءاتهم القانونية ومنحهم اوراق ثبوتية. وكرد فعل على هذا الاحتجاج, أصدرت الحكومة الليبية آنذاك أرقام إدارية مؤقتة تستخدم كبديل للرقم الوطني, من أجل استكمال بعض الاجراءات الإدارية كصرف المرتبات. ولكن بقي هذا الرقم محدودا, لا يعطي لحامله حق المواطنة الكامل كمن يحمل الرقم الوطني. حيث لا يسمح لحاملي الرقم الإداري (رقم قيد مؤقت) بالالتحاق بالمؤسسات التعليمية الحكومية ولا بالعلاج في المستشفيات العمومية, ناهيك عن عدم إمكانية السفر أو فتح حساب بنكي, مما يُعد عائقأً كبيراً لهذه الفئة .

تمتلك خديجة رقم قيد العائلة وكل المستندات المطلوبة من أجل نيل حق المواطنة بحسب قانون الجنسية, شأنها شأن العديد من الطوارق المسجلين ضمن السجلات المؤقتة. ولكن تتم مماطلتهم في إتمام إجراءاتهم القانونية على مر الحكومات المتعاقبة منذ فترة حكم القذافي وحتى تاريخ إجراء هذا الحوار. كما تعتقد خديجة أن سبب المماطلة يرجع للتمييز العرقي ضد الطوارق والتبو, إضافة إلى الرغبة في استغلال شباب هذه الفئة في الحروب.

تم تجنيد شباب هذه الفئة في كتائب القذافي بعد تقديم وعود لهم بمنحهم أرقام وطنية, ولكن هذا لم يحدث إلا لمجموعة بسيطة كانت ضمن كتيبة خميس ابن القذافي. كما استمر استغلالهم من قبل المجموعات المسلحة التي وجدت بعد ثورة فبراير في الحروب الأهلية المتتالية, وهذا ما أكدته مصادر آخرى متقاطعة. بعد عام 2014 بات الوضع أكثر تعقيداً لهذه الفئة, فبعد اصدار الأرقام الإدارية, أصبح من غير الممكن تسجيل المواليد, حتى في السجلات المؤقتة, ولا يمكن تسجيل الوفيات ولا إصدار كتيبات عائلة منفصلة للمتزوجين حديثا… مما يجعل المواليد الجدد محكوما عليهم بفقدان الجنسية.

في أغسطس 2018, طالب رئيس مصلحة الأحوال المدنية “محمد بالتمر” مدراء فروع المصلحة بموافاته بحصر ملفات الأسر المدرجة ضمن سجل العائدين. كما أشار “بالتمر” في مراسلته إن سجل العائدين من المهجر(المؤقت)، قد أصبح مغايراً لما أورده المُشرع، وتحول من سجل مؤقت لغرض إثبات الانتماء للأصل الليبي، إلى سجل موازي لسجل المواطنين. بحسب المادة (2) من قانون الجنسية الليبية رقم (24) لسنة 2010 بشأن أحكام الجنسية: يعد ليبياً كل شخص كان مقيماً في ليبيا إقامة عادية في 07/10/1951, ولم تكن له جنسية أو رعوية أجنبية, إذا توفرت فيه أحد الشروط الأتية:

أـ أن يكون قد ولد في ليبيا.
ب ـ أن يكون قد ولد خارج ليبيا, وكان أحد أبويه قد ولد فيها.
ج ـ أن يكون قد ولد خارج ليبيا, وأقام فيها إقامة عادية لمدة لا تقل عن عشرة سنوات متتالية قبل 07/10/1951م.

بالعودة لنص القانون نجد أنه يعتبر ليبياً كل من كان مقيماً بليبيا و ليس له رعوية أجنبية قبل 1951 , ما يعطي أقوام وشعوب كثيرة و متنوعة حق الجنسية, دون أي ذكر لعبارة “الأصل الليبي”, مما يحول دون إمكانية فهم أو تفسير هذا المصطلح الذي أشار إليه السيد بالتمر في مراسلته، و يفتح باب التأويل و الاعتباطية على مصراعيه.

لجنة الرقم الإداري.. لا توقعات كبرى ولا فائدة مرجوة

بعد التواصل مع الجهة المسؤولة عن منح الرقم الإداري وسؤالها عن مدى فعالية هذا الإجراء وفائدته لصالح هذه الفئة, تلقينا إجابات مقتضبة من السيد “طارق قويدير”, رئيس لجنة الرقم الإداري المكلفة من مصلحة الأحوال المدنية, تحدث فيها عن صعوبة عمل المؤسسة و عدم تحصلهم على الامكانيات, وإستحالة عملهم كلجنة في ظل وجود عراقيل وتهديدات جدية من العديد من المواطنين, كما أنهم لم يتلقوا أي دعم أو ميزانية من المصلحة أو الحكومة حسب قوله, لذا فهم يعملون بمجهودات ذاتية دون أي ضمانات أو منح للسكن أو الخطر أثناء عملهم في مدن الجنوب. وأعزى سبب هذا الخلل للمواطنين الذين يقدمون على تسجيل أنفسهم في اكثر من مكتب لإصدار الرقم الإداري, مما جعل التكرار في الأسماء يضخم عدد الحالات ويصعب المهمة أكثر فأكثر.

يؤمن السيد “قويدير” بأن الأمر يتعلق بالأمن القومي لليبيا وسلامة تراب الوطن, حيث لا يمكن للسجل المدني أو لجنة الرقم الإداري أن تتعامل فقط بصفة شفهية مع الناس, أو أن تمنحهم قرارات الجنسية بصفة عشوائية. كما يؤكد قويدير أن غياب إرادة الدولة و القوانين الدستورية يجعل من المشكلة تتفاقم, ما يزيد من صعوبة وضع حل جذري لهذه المسألة.

مواليد أوزو

بعد اندلاع الحرب بين ليبي و تشاد حول اقليم اوزو الحدودي بين عامي 1978 و 1987 لجأت كلتا الدولتين إلى محكمة العدل الدولية لفض النزاع, و في عام 1994 حكمت محكمة العدل الدولية بأحقية تشاد بالأرض التي كانت تتبع الدولية الليبية. أصدرت أمانة مؤتمر الشعب العام  التعميم رقم 13  عام 1996 والذي يقضي بإلغاء كل السجلات لمواليد الإقليم ومعاملتهم معاملة أجانب.

يصف الموظف المتقاعد “محمد عيسي” نفسه بالمتضرر من سياسات الدولة لمدة 24 عاما. فبعد مغادرته إقليم أوزو في أواخر عام 1987 نتيجة الحرب, استقر رفقة عائلته في مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا. ولكن بعد صدور التعميم رقم 13, تبدل حالهم من ليبيين إلى أجانب, نسبة إلى سجل العائلة المسجل ضمن إقليم أوزو.

ولد أبناء “محمد” في مدينة الكفرة قبل عام 1993 أي قبل صدور التعميم رقم 13, و تم إدراجهم ضمن سجل مواليد الكفرة. إلا أنهم أصبحوا يعاملون كأجانب بعد صدور التعميم 13, نسبة لسجل ميلاد والدهم الذي يعود إلى سجل مواليد اوزو.

بعد صدور التعميم, كانت لمحمد أكثر من محاولة من أجل استعادة الجنسية الليبية عن طريق اللجوء للقضاء, حيث قام برفع قضية لدى محكمة الكفرة الابتدائية. ولكن المحكمة قضت بعدم الاختصاص شفهياً, ورفضت منحه نص الحكم, أو أي مستند قانوني يثبته.

لم يتمكن “محمد” وأسرته من الحصول على جوازات سفر وأرقام وطنية حتى بعد ثورة فبراير. رغم وجود مراسلة من الكاتب العام في مايو 2011, تفيد بعدم الاعتداد بكل القرارات التي تعتبر مواليد أوزو أجانب و الإذن بمنحهم أوراق ثبوتية ليبية, إلا أن جهات الاختصاص ترفض الاعتراف بهذا الإلغاء والعمل به.

تدعي رواية متداولة في ليبيا أن السكان المحليين لإقليم أوزو خضعوا لاستفتاء, من أجل تقرير مصيرهم كمواطنين ليبيين أو تشاديين, و أن اغلبهم قد اختاروا تشاد, ولكن لا يوجد أي مصدر يثبت صحة هذا الإدعاء، الذي ساهم رغم ذلك في تعميق الوصم و العنصرية ضدهم. من جانب أخر قام آمر منطقة أوزو العسكرية بإرسال تقرير إلى آمر القطاع الغربي بتاريخ31 مايو 1994, أكد خلاله أن كل سكان إقليم أوزو غادروا الأراضي التي سلمت للجانب التشادي إلى المناطق المجاورة داخل الشق الليبي, تأكيدأ على رفضهم البقاء تحت السلطات التشادية, ما عدى مواطن واحد, مما يدل على فداحة الإفتراء الذي يدعي ولائهم المزعوم لدولة تشاد.

بالرغم من تعدد القرارات المتعلقة بقضية مواليد اقليم اوزو يظل وضع هذه الفئة معقداً و دون وجود اجراءات واضحة تحسم الوضع القانوني لمواليد الإقليم حتى تاريخ كتابة هذه السطور. فلا يزال يعاني مواليد أوزو من صعوبة في الاعتراف بهم كليبيين بالرغم من إمتلاكهم كتيبات عائلة وأرقام قيد مسجلة حتى عام 1994.

ضحايا التمييز الفئوي والاستغلال السياسي

يعتبر الطوارق من أكثر الفئات تعرضا للحرمان من الجنسية, ضمن عديد من مظاهر التمييز العرقي والاستغلال السياسي التي تطالهم. لا يزال الطوارق العائدون من المهجر مدرجين ضمن السجلات المؤقتة, كما أن بعضهم من سكان الصحراء و الرحل الذين لم يشملهم الحصر السكاني. يذكر الناشط التارقي “ابوبكر كحتي” أن السلطات الليبية تعودت خلال فترة حكم القذافي على استغلال الطوارق, للزج بهم في الحروب و المغامرات العسكرية المختلفة للقذافي, مقابل وعدهم بمنحهم الجنسية الليبية.

حيث انشأ القذافي الفيلق الإسلامي سنة 1972 كأداة للتدخل في دول مثل أوغندا وتشاد ولبنان, ورغم عدم موافقة معظم الدول الافريقية على ذلك خلال مؤتمر عدم الانحياز في هافانا سنة 1979, أصر القذافي على تحريض الطوارق وجلبهم من الصحراء الكبرى إلى ليبيا, من أجل الانضمام إلى “الحركة الثورية الكبرى لمناطق الصحراء”.

كان العقيد الراحل يدّعي في خطاباته أن حق الجنسية هو حق مشروع لكل أمة الطوارق داخل ليبيا وخارجها, وهذا ما زاد من رغبة الكثيرين منهم في العودة إلى وطنهم. لكن الإدارات المدنية لم تمنح الجنسية الا لعدد قليل منهم, متعللة بضرورة حصولهم على موافقة أمنية مجهولة المعايير.

ساهمت سياسة الوعود الزائفة للقذافي في تزايد عدد الطوارق عديمي الجنسية, لتوافد أعداد هامة من الطوارق سكان الصحراء الكبرى, من الجزائر ومالي وغيرها من الدول, أملاً منهم في الحصول على الجنسية و الاستقرار في ليبيا. ولكن أملهم هذا بقى حلماً بعيد المنال إلى حد الآن.

تمييز ديني

السيد رفائيل لوزون رئيس جميعة يهود ليبيا, أن اليهود الليبيين الذين اجبروا على مغادرة البلاد عام 1967 إبان حكم المملكة السنوسية, هم كذلك يواجهون صعوبات جمة في الحصول على الرقم الوطني أو أية وثائق رسمية حديثة. أجبر اليهود الليبيون على مغادرة ليبيا في عام 1967 و رغم إمتلاكهم وثائق ثبوتية لجنسيتهم الليبية, كجواز سفر المملكة و شهادات الميلاد وغيرها من الوثائق الرسمية, إلا أنهم لم يتمكنوا من تحديث هذه الوثائق بعد نهاية صلاحيتها.

كل محاولات لوزون لاستخراج رقم وطني أو وثائق ثبوتية حديثة بائت بالفشل, حتى مع تقديم وعود متكررة له من المسؤولين على مر الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011. و لكن التحجج بحساسية مسألة اليهود الليبيين و عدم استقرار الأوضاع كان العامل المشترك بين كل المسؤولين الذي تحدث معهم طيلة هذه السنوات. يختم لوزون حديثه معنا بتأكيده على أنه لن يتنازل عن حقوقه المدنية و السياسية كمواطن ليبي, و سيقوم بتقديم شكوى ضد الدولة الليبية في حال استمرار المماطلة و الإقصاء المتعمد ليهود ليبيا.

 تمييز عرقي

لا يقتصر ضحايا التوظيف السياسي على الطوارق فقط, بل أن التبو أيضاً عانوا من القهر المسلط عليهم من قبل الدولة القذافية آنذاك. في مدينة تونس, نلتقي الشاب التباوي والناشط الحقوقي حسن كدنو, والذي يتحدث عن الوضعية المعقدة لمجموعات التبو من عديمي الجنسية, أو الذين يواجهون مصاعب لنيل الجنسية الليبية.

يذكر “حسن كدنو” أن مواليد إقليم أوزو ليسوا الوحيدين الذين يعانون من هذه المعضلة، فهناك فئات تباوية آخرى معنية بها، و لكن لأسباب مختلفة. فبعد خسارة ليبيا لحرب تشاد سنة 1987, تم سحب الجنسية الليبية من قرابة 70 عائلة تباوية بدون أي سبب, و يُرجح حسن أن ذلك تم على خلفية اتهام أبنائهم الذين كانوا مجندين بالجيش الليبي بالخيانة, نسبة لجذورهم التباوية الممتدة لتشاد.

كذلك اثر انتفاضة الكفرة في نوفمبر 2008, التي إحتج خلالها الاهالي للمطالبة بحقوقهم, كالحق في تسجيل أبناءهم في المدارس وتجديد اوراقهم الرسمية, تمت أيضاً معاقبتهم بسحب الجنسية منهم, وراح ضحية هذه الانتفاضة أكثر من 150 شخص بين قتيل وجريح. 

إنكار للعدالة

تعتبر المحامية “غالية بوراس” من أبرز مساندات ضحايا انعدام الجنسية في ليبيا, فقد وكلها أكثر من 1600 شخص للترافع عنهم أمام المحاكم الليبية, للمطالبة بمنحهم ما وصفتها بـ “الوثيقة المعجزة”. تقول بوراس بأن رئيس مصلحة الأحوال المدنية يماطل دوماً في منح هؤلاء الأشخاص الوثائق التي تضمن لهم وضعا قانونيا مريحا في ليبيا, مؤكدة أن أعدادهم تضاعفت, و لم يحرز تقدم ملحوظ بشأنهم, اضافة إلى أن حالة انعدام الجنسية أصبحت متوارثة, وهذا سيكون له عواقب وخيمة في حال لم يتم تسوية وضعهم بشكل عاجل.

توضح “بوراس” بأن الرقم الإداري الذي ُصدر لهذه الفئة هو فقط لحل بعض المشاكل الصغرى, كمشكلة توقف رواتبهم, أو لإجراء عقود الزواج لا أكثر, بينما لا يزالون محرومين من حقوقهم المدنية والسياسية الأخرى. كما تؤكد أن المماطلة والتحجج بالتزوير و تكرار السجلات من قبل الجهات المسؤولة يؤكد عدم وجود إرادة لإنهاء هذه المشكلة, فكل الحلول المؤقتة تزيد من تعقيد المسألة.

من ضمن الشكاوي المقدمة من خلال مكتب الأستاذة “بوراس” نجد شكوى النائبة في البرلمان عن دائرة فزان “رحمة أبوبكر آدم”, ضد السيد “محمد بالتمر” رئيس مصلحة الاحوال المدنية, حيث اعتبرته مساهما بشكل مباشر في إجراء تعقيدات لتسجيل زوجها و ابنتها ضمن منظومة الرقم الوطني, رغم صحة اجرائتهم القانونية.

لا تنحصر الفئات المذكورة أعلاه فقط في هذه المعضلة, فهناك من لا يؤمن بالحدود الوضعية والجنسيات كونهم مؤمنين بجذورهم وانتماءاتهم القديمة التي تسبق هذه الحدود المرسومة, فهم إلى اليوم لهم أبناء عمومة وصلات مُصاهرة مترابطة ومختلطة في دول تشاد والنيجر والسودان. وهؤلاء لا يحملون الجنسية الليبية إلى اليوم ولا أي جنسية آخرى لعدم ايمانهم بوجود حدود تفصل بين سكان الصحراء.

______________


مواد ذات علاقة