بقلم محمد مؤمن

ما الذي يعنيه أن يعيش إنسانٌ ما، في البلد التي وُلِدَ فيه وترعرع به هو وأهله، ولا يعرف غيره وطنا ولا سكنا، دون أن يكون مواطنا، ولا حاملا الجنسيّة؟

ببساطة، يعني ذلك، أنّ كلّ الحقوق المدنيّة والسياسيّة ستكون مفقودة؛ ابتداء من أبسط المعاملات الأساسيّة والضروريّة، كفتح حساب في مصرف أو حسابٍ في جمعيّة استهلاكيّة، إلى أعقدها كالمشاركة في الانتخابات، ترشيحا وترشّحا. فكلّ هذه الممارسات والمعاملات في ليبيا، ترتبط ارتباطا وثيقا باعتراف الدولة بك، إنسانا ومواطنا.
مواطنون بلا حقوق

سعاد امرأة ليبية، تزوّجت من شخصٍ لا يتمتّع بالجنسيّة الليبيّة، فأوراقه لا تزال بمكتب الصحراء الشرقية، الذي لم تعترف به إدارة القانون الليبيّ، واعتبرته مكتبا دخيلا على مكاتب السجلّ المدنيّ الليبيّة. أنجبت (سعاد) 5 أطفالٍ، لم يتم تسجيلُ أيّ منهم، في السجِلّات المدنيّة الليبيّة. (سعاد) وأطفالها اليوم، غير المعترف بهم قانونيّا، يعانون ظروفا اقتصادية صعبة خصوصا بعد وفاة زوجها، إثر رصاصة طائشة استقرّت في صدره.

أمّا (عامر) أو كما يناديه أصدقاؤه بالتشادي، فقد وُلِد في ليبيا لأبٍ يحمل الجنسيّة الليبيّة، وكلّ أخوته الأصغر منه سنّا يحملون الجنسيّة الليبيّة، ولكنّه لا يحمل الجنسيّة الليبيّة مثلهم!. يبدو الأمر محيّرا، أليس كذلك!

عامر وُلِد في ليبيا، ولكن قبل أن يأخذ أبوه الجنسيّة الليبيّة، والتي اكتسبها – أي أبوه – بالاختيار، في سبعينات القرن الماضي. لذا يعتبره القانون الليبيّ أجنبيّا؛ لكون مصلحة الجوازات والجنسية لم تعترف له بحق المُواطنة، فهم يرونه – مثلما يراه أصدقاؤه – تشاديّا، رغم أنّ (عامر) لم يزر تشاد يوما، ولا يعرف شيئا عنها، كما أنّه لا يحمل جنسيّتها، ولكن ترتّب على عدم حمله الجنسيّة الليبيّة، أن يعيش في بلده فاقداً للحقوق، بل وفاقدا لزوجةٍ أيضا؛ لأنّه لم يجد من يتقبّل/يفهم وضعه المعقد الذي وضعه القانون الليبيّ، فيه.

ماذا عن الجدّ (جبريل) رحمه الله، الذي توفي منذ أكثر من عقدٍ مضى؟. وُلِدَ في قطاع أوزو “شريط حدودي بين ليبيا وتشاد” سنة 1910م. وانتقلَ إلى مدينة طرابلس للعمل بها في ستينات القرن الماضي، وأنجب اثنا عشر ولداً، وهم بدورهم أنجبوا أولادًا، ليُنجِبَ أولادهم أولاداً. منهم الدكتور والمهندس والضابط.

كلّ أبناء وأحفاد الجدّ (جبريل) وأحفادهم، بعد سنة 1996م يُعتبَرون أجانبًا في نظر القانون الليبيّ! لماذا؟

لأنّه في سنة 1996م صدر قرارٌ من أمانة مؤتمر الشعب العام (ما يُعادل البرلمان وقتها) تقرّر فيه “أنّ كلّ من وُلد في إقليم أوزو يعتبر أجنبياً” لكون هذا “الإقليم” ضُمّ بموجب حكم محكمة العدل الدولية إلى دولة تشاد.

لذلك، سُحِبتْ جميع المستندات الليبيّة ممّن ولد في قطاع اوزو؛ ففقد الجدّ (جبريل) وأبناؤه وأحفاده وباقي أسرته اللاحقين الذين وُلدوا والذين لم يُولدوا بعد، الجنسية الليبية. وإلى الآن، عائلة جبريل لا يتمتعون بالجنسيّة الليبيّة ولا بأيّ رعويّة أجنبيّة أخرى، رغم أنّ عددهم فاق 120 فردا.

لمحة عن قانون الجنسيّة الليبيّ

إنّ طرق الحصول على الجنسيّة الليبيّة، مرّت بمراحل عديدة، عبر القوانين الخاصّة بها. فقانون رقم 17 لسنة 1954م قسّم الجنسيّة الليبيّة إلى جنسيّة إثبات في مادّته الاولى، وجنسيّة اختيار في المادّة الثالثة وما بعدها، وجنسيّة تجنّس في المادّة الخامسة.

أمّا القانون رقم 18 لسنة 1980م بشأن أحكام الجنسيّة، فقد صدر في خِضمّ تبنّي الدولة الليبيّة، القوميّة العربيّة. فجعل الجنسيّة العربية هي جنسيّة مواطني الجماهيرية العربيه الليبيّة سابقاً.

نصّت المادّة السابعة “تثبت الجنسية العربية للمواطنين الليبيّن بموجب شهادة إثبات الجنسية العربية”، وأقرّ القانون أنّ “الجنسيّة العربيّة هي حقٌّ لكلّ عربيّ، يدخل الأراضي الليبيّة، ويرغب في الحصول على هذه الجنسيّة، وذلك بأن يثبُت انتماؤه إلى إحدى الدول العربيّة، أو أن يثبُت انتماؤه أو أحد والديه للأمة العربية”

آخر هذه القوانين الفاعلة، كان قانون رقم 24 لسنة 2010م بشأن الجنسيّة، الذي أدمج جنسيّة الإثبات مع الاختيار كما هو منصوصٌ في مادّته السابعة، فجعل الجنسيّة الليبية هي جنسية مواطني الجماهيرية الليبية”.

نقدٌ قوانين الجنسية، الليبيّة: متى تُقدَّم الحقوق على السياسة؟

يُستفاد من القوانين سالفة الذكر، ونتائجها، أنّ المشرع الليبيّ – في نهاية أمره – أرجع الأمر إلى ما كان عليه سنة 1954م وجعل الجنسيّة الليبيّة هي جنسيّة المواطنين الليبين، وأنّ القوانين المتأثّرة بأفكار القوميّة العربيّة، لم تكن سِوى نزوة – في تقديري – تسبّبت في تركة من المشاكل والعراقيل لا يزال المشرّع الليبيّ، يُعاني منها، حتى الآن.

إضافة إلى أنّ إنشاء مكتب الصحراء الشرقيّة، في بداية سبعينات القرن الماضي، بتعليمات من القذّافي، والذي أنشئ لأسباب سياسيّة، أدّى إلى تفاقم أزمة الصحراء الشرقيّة، وتسبّب في ولادة جيل لم يعترف به المشرع الحالي كونه لم يستطع أن يُثبت الانتماء إلى الأصل الليبيّ، بعد أن كان الأصل العربيّ هو المطلوب للتجنّس.

ناهيك على أنّ المكتبّ – مكتب الصحراء الشرقيّة – ليس من إدارات ولا مكوّنات مصلحة الأحوال المدنيّة، مما جعل إدارة القانون في إحدى الآراء القانونية، تنصّ على أنّ “قدوم الأسر من مكتب الصحراء الشرقيّة إلى مكاتب السجلات المدنيّة يُعدّ مخالفاً للقانون” كون أنّ هذا المكتب لا يخضع للهيكل التنظيمي لمصلحة الأحوال المدنية ولا يعتبر مكوّنا من مكوّناته.

المفارقة، أنّ المشرع الليبيّ، أقرّ لمجهولي النسب الجنسيّة الليبية في قانون 5 لسنة 1424م (1997م) بشأن حماية الطفولة، وذلك في مادّته الثامنة “يُمنح الأطفال مجهولو النّسب أسماءً ثلاثيّة، ويسجّلون بسجلٍ معدٍ لذلك بمكتب السجل المدني المختصّ، ويحق لهم الحصول على البطاقات الشخصيّة وجوازات السفر، وكذلك كتيبّات العائلة، دون التقيّد بشرط إبرام عقود الزواج”.

ولا يزال السؤال معلّقا:

لماذا لا ينظر المشرّع الليبيّ إلى أبناء عديمي الجنسيّة، بنفس النظرة الحقوقيّة الإنسانيّة، التي نظر بها مجهولي النّسب؟

خاتمة: إنّ المشرّع الليبيّ لم يجد حلولا فعّالة؛ لإنصاف هؤلاء المضطهدين، فحقّ الجنسيّة هو أساس الحقوق التي يُبنى عليها العمل والتعليم والصحة، وضياع الجنسيّة يعني ضياع الإنسان وانتمائه.

وهذا الأمر يقرّه الشرع وحقوق الإنسان. على أمل أن يضع أصحاب القرار حلا جذريّا لمعاناة عديمي الجنسية.

فحقوق الإنسان واحدة لا تتجزّأ.

************

مزدوجو الجنسية في ليبيا: شكل جديد للعزل السياسي؟

بقلم مروان الطشاني

بعد عودة الكثير من معارضي النظام السابق في ليبيا إلى البلاد بعد الثورة وتقلدهم مناصب سيادية وهامة عدة، بدأت تطفو على السطح مسألة جديدة لم يألفها المجتمع الليبي وهي (ازدواجية الجنسية). فلأغلب المعارضين جنسية ثانية اكتسبوها أثناء إقامتهم في دول المهجر. ومع زخم الثورة الأول وبداية مرحلة التغيير، لم تكن للمسألة شأن كبير بل كان ينظر لبعضهم على أنهم مناضلون وشخصيات وطنية.

لكن، ومع اشتداد الصراع السياسي المرتبط مع الفشل المتكرر لأغلب السلطات السياسية والتنفيذية المتعاقبة في القيام بمهامها، بدأت تتصدر مسرح الأحداث المطالبات الشعبية وخصوصاً عبر صفحات التواصل الاجتماعي بإبعاد مزدوجي الجنسية من الترشح للإنتخابات وتولي المناصب العامة. وانتشرت تدريجياً عبارة (دبل شفرة) على المستوى الشعبي وهي جملة يوصف بها المسؤول مزدوج الجنسية وتحمل تشكيكاً في ولائه وإشارة لرجوعه إلى المهجر بعد تركه لمنصبه.

واللافت أن جميع قوانين الانتخابات الصادرة بعد الثورة لم ينصّ أي منها على منع مزدوجي الجنسية من الترشح للانتخابات حيث اشترطت حمل الجنسية الليبية فقط. وهذا ما نتبينه في قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام الذي أصدره المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت وقانونا انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور وانتخاب مجلس النواب الذي أصدرهما المؤتمر الوطني العام. وقد عكست هذه القوانين الروح الإيجابية التي كانت سائدة تجاه مزدوجي الجنسية، علماً أن الجهات مصدرة القوانين تضمنت في تركيبتها بعض مزدوجي الجنسية. وتبعاً لذلك، فاز عددٌ من مزدوجي الجنسية بمقاعد نيابية وباشروا مهامهم السياسية والتنفيذية.

وفي يناير/جانفي 2016، صدرت المسودة الثانية للجنة العمل المشكلة من الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور. وتناولت هذه المسودة موضوع الجنسية في المواد 12-13-14 مجيزةً لليبي اكتساب جنسية أخرى، مانعة إسقاط الجنسية لأي سبب كان. أما فيما يتصل بشروط الترشح لانتخابات رئاسة، اشترطت المسودة أن لا يكون للمترشح جنسية ثانية ما لم يتنازل عنها قبل خمس سنوات من الترشح لرئاسة البلاد.

واشترطت على المترشح لعضوية المجلس النيابي بغرفتيه عدم الحصول على جنسية أخرى، مما يعكس تغيّر المناخ العام واختلاف النظرة لمزدوجي الجنسية ومحاولة إبعادهم عن المناصب السيادية مع الاعتراف لهم بباقي حقوقهم كمواطنين.

وعلى خلفيّة هذه الظروف، صدر حكم قضائيّ في الشقّ المستعجل من دائرة القضاء الإداري بمحكمة إستئناف البيضاء في 15-2-2016، بوقف تنفيذ قرار المفوضية العليا للانتخابات المتصل باعتماد نتائج انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور رقم 55 لسنة 2014 جزئياً، لجهة اعتماد انتخاب “علي عبد السلام الترهوني” عضواً في الهيئة التأسيسية.

كما قضى الحكم نفسه بوقف تنفيذ قرار الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور باختيار الترهوني رئيساً لهذه الهيئة. وكان عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور السيّد ضو المنصوري ومواطنون آخرون تقدموا بطعن باعتماد عضوية الترهوني فيها (والذي انتخب فيما بعد رئيساً لها) بحجّة أن لديه جنسية أخرى ومتزوج بأجنبية.

وقد حصل الطعن المذكور بالرغم من انتهاء مدد الطعن المقررة بشأن انتخابات الهيئة التأسيسية ومباشرة الهيئة لأعمالها وتشكيل لجانها وإصدارها لائحتها الداخلية واكتسابها مركزها القانوني بموجب القرار المطعون فيه منذ 2014. وفور إعلام المفوضية العليا للانتخابات بالحكم بتاريخ 22 فبراير/ففري 2016، قرر مجلس إدارتها في اليوم ذاته وقف اعتماد الترهوني عملا بالقرار القضائي.

وهذا الحكم الهامّ في أبعاده وتوقيته يستدعي قراءة معمقة، ليس فقط من زواياه القانونية، لكن بالدرجة الأولى من زاوية أبعاده السياسية، وما يتحصل عنه لجهة العلاقة بين القضاء والسياسة.

في قراءة للحكم من الناحية الفنية القانونية:

بالرغم من أن المحكمة لم تقضِ بعد في أصل الموضوع، فإن إصدار قرارها بتعليق اعتماد الترهوني يعني أنها تحققت عند النظر في الطعن من كونه قائماً على أسباب جدية ومن توفر عنصر الإستعجال. فمن شأن نفاذ القرار الإداري الطعون فيه أن يرتّب نتائج يتعذر تداركها فيما لو قضي بإلغائه فيما بعد.

فكيف بإمكان الهيئة التأسيسية أن تنجز الدستور وتعرضه للاستفتاء في حين إن هناك عواراً وبطلاناً لحقا بقراري انتخاب أحد أعضائها ورئيسها، مما يترتب عليه ضرر بالمصلحة العامة والخاصة. وفي هذا المجال، سنبدي عددا من الملاحظات، سنبينها في سياق عرض الحجج التي استندت إليها المحكمة:

بخصوص اختصاص المحكمة

فيما يتصل بإعلان اختصاصها، اعتبرت المحكمة أن قانون الانتخابات نصّ على آلية الطعون في النتائج الأولية فقط وجعل نظرها من اختصاص القاضي الجزائي لكنه لم ينص على آلية الطعن في النتائج النهائية والذي يدخل تالياً ضمن اختصاص القضاء الإداري، عملا بالقواعد العامة للطعون في القرارات الإدارية. كما اعتبرت المحكمة أن قرار الهيئة التأسيسية بانتخاب الترهوني رئيسا يدخل في اختصاصها باعتباره قرارا إداريا يختص القضاء الإداري بالفصل فيه.

إلا إن هذا التفسير يقبل الإنتقاد. فعلى فرض وجود قصور تشريعي في قانون الانتخابات لجهة تنظيم الطعن في النتائج النهائية، فإن معالجة هذا القصور تقتضي البحث عن الإرادة المحتملة للمشرع والحكمة التشريعية التي يسعى لها والتي تظهر لنا من خلال توجه المشرع العام للاستعجال والسرعة في الفصل في الطعون الانتخابية نظرا لخطورة نتائجها.

ويلحظ أن المادة 29 من قانون الانتخابات والذي نظم آلية الطعون الانتخابية أفردت فقرة كاملة أعطت فيها الحق لكل ناخب أو مرشح للطعن في قوائم المترشحين أو الناخبين بعد نشرها في حالة عدم توفر الشروط والضوابط المقررة في القانون ومن بينها اكتساب الجنسية الليبية، مما يعني أنه كان بالإمكان الطعن في ترشح الترهوني فور نشر القوائم وخلال الثلاثة أيام المحددة خاصة وان قوائم المترشحين تنشر قبل بداية العملية الانتخابية بفترة كافية، وهو أمر لم يحصل.

وما يعزز هذه القراءة هو أن التشريعات الحديثة المرتبطة بالعملية الانتخابية نصت على ضرورة أن يكون الفصل في الطعون الانتخابية بطريقة سريعة ومستعجلة كونها ترتب آثاراً قانونية وتنشئ مراكز قانونية دائمة ومستمرة ولا يمكن تغييرها إلا بعملية انتخابية أخرى، كما أنها مرتبطة بالمصلحة العامة واستقرار مؤسسات الدولة.

بخصوص تبرير تجاوز مدة الطعن

فيما يتعلق بالاعتراض المتصور على التأخير في الطعن، رأت المحكمة أن له ما يبرره رغم انقضاء حوالي 22 شهراً من تاريخ قرار المفوضية العليا للانتخابات باعتماد الترهوني و21 شهراً من اختياره  رئيسا للهيئةوتالياً تجاوز مدة الطعن بالقرارات الإدارية وهي ستين يوماً. ولتبرير ذلك، أوضحت محكمة استئناف البيضاء بأنها كانت مغلقة حتى 1 ديسمبر 2015 مما شكل عائقاً مادياً أمام الطعن وأنه يتعين عليها في حالات كهذه أن تمنح الطاعنين فرصة أخرى تعوض حرمانهم من الطعن والتقاضي طيلة هذه المدة.

إلا أن هذا التعليل يقبل النقد، لجهة أنه كان بإمكان الطاعنين اللجوء إلى  دوائر القضاء الإداري في محاكم استئناف عاملة أخرى ينعقد لها الاختصاص مثل محاكم طرابلس أو مصراتة أو الزاوية  أو الخمس أو غيرها.
بخصوص جدية الطعن في العضوية على خلفية حيازة جنسية مزدوجة

ولعل الملاحظة الأهم تتصل بما تضمنه القرار ضمنياً. فالمادة الخامسة من القانون رقم 14 لسنة 2010 بشأن أحكام الجنسية تنص على أنه “يفقد الجنسية الليبية من يكتسب باختياره جنسية أجنبية ما لم تأذن له بذلك اللجنة الشعبية العامة للأمن العام وتحدد اللائحة التنفيذية الضوابط المتعلقة بتنفيذ أحكام هذه المادة”. وإنطباق هذه المادة في حالة الترهوني تستدعي ملاحظات عدة:

فمن جهة، من غير المقبول أن يتم سحب الجنسية الأصلية لمزدوج الجنسية دون تمكينه من الحفاظ عليها، وإن لزم قانون الجنسية 2010 الصمت بهذا الشأن. وهذا ما نقرؤه بوضوح في قانون الجنسية القديم 18 لسنة 1988 بشأن الجنسية والذي اشترط تسبيب قرار السحب والإسقاط، وأن يصدر من اللجنة الشعبية العامة بعد عرض من اللجنة الشعبية العامة للعدل مفسرة ذلك بأن مسألة الجنسية من المسائل التي أحاطها المشرع بضمانات خاصة وأن أمر إسقاطها وسحبها قد حدده المشرع بالقانون ولا يمكن إسقاط الجنسية أو سحبها خلافا للطريق الذي رسمه المشرع. وقد ذهبت المسودة الثانية للدستور إلى حظر إسقاط الجنسية الاصلية كما سبق بيانه.

ومن جهة ثانية، وفي ظل عدم صدور اللائحة التنفيذية للقانون، تتعدد التفسيرات لهذا النص. فالرأي الأول يدعو إلى إستحالة تطبيق هذه المادة، على خلفية أن أغلب المعارضين كانوا مطاردين من النظام. فكيف كان يمكنهم أخذ الإذن المسبق من أحد أجهزته الأمنية لاكتساب جنسيات الدول التي لجؤوا إليهاهرباً منه؟

الرأي الثاني يذهب إلى أن هذا العائق زال بعد الثورة، وكان على هؤلاء التوجه للجهات المختصة للقيام بالإجراءات اللازمة. وثمة رأي ثالث يعتبر صمت الجهة المختصة عن إتخاذ أيّ إجراء من قبيل القرار السلبي من جهة الإدارة بقبول حصولهم على جنسية أخرى. وهناك رأي رابع يذهب أبعد من هذا ولا يتصور أن يعاقب المعارضون السياسيون لأنهم حملوا جنسيات أخرى وأن يستعمل لإقصائهم قوانين وإجراآت عقابية سابقة على الثورة وُضعت لأسباب سياسية أصبحت غير قائمة الآن.

وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة العامة للقانون أصدرت بتاريخ 6-5-2015 فتوى قانونية انتهت فيها أن من اكتسب جنسية أخرى بإرادته واختياره أو كان متزوجاً بأجنبية يعتبر فاقداً لشروط التعيين في الوظيفة العامة والتي من بينها حيازة الجنسية الليبية.

القضاء والسياسة:

بالتأكيد، لا تنحصر أبعاد هذا الحكم بأبعاده القانونية. فبإمكاننا القول أنه يدخلنا إلى مطبخ السياسة ودهاليزها، كونه يتعلق بمسألة بالغة الحساسية ومثيرة للجدل ومرتبطة بالعديد من المناصب السياسية في الدولة. فمنذ قيام الثورة سنة 2011، تولى العديد من مزدوجي الجنسية مناصب سياسية وسيادية في الدولة. ومنهم المطعون فيه نفسه الذي تولى منصب وزير المالية والاقتصاد ونائب رئيس المكتب التنفيذي.

ومنهم أيضاً السيد علي زيدان الذي تولى منصب رئيس الوزراء سنة 2012، وهو متحصل على الجنسية الألمانية والتي تشترط التنازل عن الجنسية الأصلية. كما تولى رئاسة المؤتمر الوطني العام وهو أول برلمان منتخب بعد الثورة سنة 2012 محمد المقريف وهو متحصل على الجنسية الأميركية وغيرهم الكثير من الوزراء والسفراء و نواب البرلمان بل وبعض أعضاء الهيئة التأسيسية نفسها.

وقد تولى جميع هؤلاء مناصبهم ولم يحدث أن صدر أي تشريع حديث أو حكم قضائي يحظر عليهم ذلك. ومن أهم أبعاد هذا الحكم أنه يمنح سلاحاً جديداً بمتناول البعض للسعي إلى إقصاء خصومهم السياسيين في ظل حالة الاستقطاب السياسي الحاد. وقد تشهد ساحات المحاكم تاليا قضايا عديدة تطعن في تولي مزدوجي الجنسية لبعض المناصب خاصة في ظل عدم صدور اللائحة التنفيذية لقانون الجنسية.

وهذا الحكم ليس الحكم القضائي الأول من نوعه الذي يؤثر في المشهد السياسي العام. ومن هذه الأحكام، نذكر بشكل خاص ثلاثة منها:

–       حكم دائرة القضاء الإداريفي الطعن رقم 93/2012 الصادر في 15-5-2012 بوقف تنفيذ القرار المتعلق بتشكيل المفوضية العليا للانتخابات قبل الموعد المحدد لإجراء الانتخابات، مما أرغم المجلس الإنتقالي المؤقت وقتها على إصدار قانون جديد عدل فيه تشكيل المفوضية،

–       الحكم الذي ألغى تعيين السيد أحمد عمر معيتيقرئيساً للوزراء وهو الحكم الصادر من الدائرة الدستورية للمحكمة العليا بتاريخ 9-6-2014 بعدم دستورية القرار رقم (38) لسنة 2014 الصادر عن المؤتمر الوطني العام في جلسته رقم 187 المنعقدة بتاريخ 4-5-2014،

–       وأخيراً حكم المحكمة العليا وهو الأشهر والأكثر تأثيراً في المشهد السياسي والتشريعي، وهو يتصل بالطعن رقم 17 لسنة 61 قضائية الصادر في 6-11-2014 المتعلق  بالفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري المعدلة بموجب التعديل الدستوري السابع في 11 مارس 2014 والذي ترتب عليه بطلان مقترحات لجنة فبراير التي من ضمنها إقرار انتخابات مجلس النواب. وقد نتجت عن هذا الحكم ازدواجية في السلطة التشريعية: فمن جهة عاد المؤتمر الوطني العام ليمارس صلاحياته في غرب البلاد رغم انتهاء ولايته، فيما استمرّ عمل مجلس النواب المنتخب في شرقها.

وتتجلى خطورة هذا الحكم لجهة تأثيره المباشر عمل الهيئة الدستورية وما قد يستتبع ذلك من نتائج خطيرة على الوضع السياسي بشكل عام. فالحكم صدر في 15-2-2016، الأمر الذي قد يمنعها من تقديم مسودتها النهائية في الموعد المحدد في الإتفاق السياسي الليبي وهو 24-3-2016.

وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يتم اعتماده كتعديل دستوري من مجلس النواب، فإنه يشكل بالنسبة للهيئة في أقل تقدير التزاماً أدبياً. فوقف تنفيذ قرار تعيين رئيس الهيئة التأسيسية قد يؤدي إلى تعطيل عملها، خصوصاً أنه ومن المستعصي أن يتم التوافق على رئيس بديل في ظل حال الصراع المتفاقم بين أعضائها وخصوصاً بين الأعضاء المقاطعين والأعضاء العاملين، وفي ظل اختلافهم على بعض النصوص الدستورية الهامة.

ومن شأن هذه الأمور أن تجعل المسار الدستوري في خطر، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى انتقاد الحكم وتوقيته. ومن أبرز هؤلاء نقيب المحامين السابق المحامي عبد الحفيظ غوقة الذي تأسفبأن تكون صفة الطاعن انبنت على مصلحة شخصية له مفادها أن إعتماد (الترهوني) قد أثر على حظوظه في الترشح لرئاسة الهيئة، بغياب أي مصلحة عامة.

ويشار أخيراً أن تداعيات الحكم متواصلة على المستوى القضائي. فقد تم الطعن فيه أمام المحكمة العليا، ولم يتم الفصل فيه حتى كتابة هذه الأسطر في 20 مارس 2016. كما أن المحكمة مصدرة الحكم لم تفصل في موضوع الدعوى الذي ما يزال منظوراً أمامها، مما يعني أن المشهد قابل للتغيير في أي وقت.

ومهما سيكون الحكم في نهاية المطاف، من المؤكد أن آثاره لن تكون قضائية وقانونية فحسب بل وسياسية وربما تشريعية أيضاً. وبانتظار النتائج النهائية لهذه القضية، يثور تساؤل مشروع في ظل تجربة القضاء الليبي في مرحلة عدم الاستقرار وفي ظل استمرار الأزمات السياسية والعسكرية المتفاقمة حول علاقة القانون والقضاء بالسياسة. وهذا موضوع آخر يجدر إيلاؤه ما يستحق من بحث.

____________________

نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية

مواد ذات علاقة