بقلم علي عبداللطيف اللافي

مما لا شك فيه أن الصراعات المُتواصلة في ليبيا منذ صائفة 2014 وإن كانت تتجلّى أو تُقدم على أساس أنها بين أطراف وفرقاء ليبيين ممن يمكن اعتبارهم ضيقي الأفق الاستراتيجي في التعاطي مع مشاكل وملفات بلدهم.

فإنها في واقع الأمر واجهة عملية لحروب بالوكالة تخُوضها أطراف ومكونات وتشكيلات ليبية عبر الولاء المباشر وغير المباشر لأطراف إقليمية ودولية، وهذه الأخيرة لها مصالح ومطامح في ليبيا تاريخيا واقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا بل أن تلك المطامح قديمة وليست وليدة اللحظة ولا السنوات الماضية بل وتعود عمليا لما قبل سنة 1949.

والثابت أن كل ما يهم تلك القوى الدولية و أذرعها الإقليمية هو وبشكل رئيسي ووفقا لخيارات واستراتيجيات مدروسة هو ترسيخ حضورها اللوجستي والمستقبلي في كل أرجاء القارة الإفريقية وان كان الهدف المرحلي هو بسط النفوذ وتطويع الخيرات الباطنية في شمال افريقيا وبعض دول الساحل والصحراء الافريقية.

فكيف يمكن قراءة فعل وفاعلية الأطراف الدولية في الملف الليبيراهنا في ظل مارتون وجولات ملتقى الحوار السياسي،وكيف يمكن استقراء الصراع الدولي في ليبيافي أفق انتخابات 24 ديسمبر 2021؟

في الجزء الأول من هذه الدراسة التحليلية تعرضنا إلى “أبجديات التفاعل الدولي مع تطورات الملف الليبي”، أما في هذا الجزء الثاني فنستعرض “فاعلية وتوجهات الايطاليين والفرنسيين في التعاطي مع الملف الليبي حتى نهاية سنة 2018 .

ملاحظات أساسية حول علاقة الايطاليين والفرنسيين بالملف الليبي

علاقات الايطاليين والفرنسيين بالملف الليبي فيها التاريخي والجغرافي والاقتصادي والسياسي والثقافي، ذلك أن البلدين حضرا تاريخيا في التراب الليبي كما أن نفوذهما وتأثيرهما لم ينقطعا لا سياسيا ولا اقتصاديا منذ نهاية القرن التاسع عشر الى اليوم بأشكال مختلفة وخاصة في الجنوب الليبي (فزان) بالنسبة للفرنسيين، والايطاليين في المنطقة الغربية (تاريخيا كانت تعرف بـ”طرابلس الغرب”)، قبل أن تدخل القوات العسكرية الإيطالية لطرابلس الغرب سنة 1911 والتي بقيت فيها بأشكال متفاوتة من فترة لأخرى حتى استقلال ليبيا سنة 1951.

  • علاقات الفرنسيين والإيطاليين مع ليبيا خلال العهدين “الملكي” و”الجماهيري” (عهد القذافي)، تراوحت بين علاقات مباشرة ومُتميزة وبين التوتر والارباك المتبادل بين الطرفين وخاصة خلال حكم القذافي(1969-2010)

حضر الفرنسيون والايطاليون بقوة أثناء احداث “فبراير 2011” من خلال دعم عمليات الناتو والمشاركة فيها ضد نظام القذافي وكتائبه، وأيضا عبر الوقوف وراء قرارات دولية وأممية عدة ومن خلال التواصل مع الأطراف المتنازعة ومن خلال دعمهما السياسي واللوجستي للمجلس الانتقالي بين فيفري 2011 وجويلية/يوليو 2012، إضافة الى تواصلهم مع مكونات المشهد السياسي قبل وبعد سقوط نظام القذافي.

بقي الفرنسيون والايطاليون على تواصل مُستمر مع كل مكونات المشهد السياسي بين أكتوبر 2011 وماي 2014 وداعمين لحكومة “علي زيدان” كما بقوا مُؤثرين في تطورات الاحداث قبل وبعد حرب “فجر ليبيا/الكرامة”، وفيما اختار الايطاليون التحالف وان ضمنا وبتكتم سياسي غير معلن مع قوى المنطقة الغربية (بالمعنى السياسي)، فان الفرنسيين اصطفوا أكثر مع الشرق الليبي وحافظوا على وجودهم في الجنوب وفي بدئهم لاحتواء مُتدرج للفاعلين السياسيين والعسكريين في المنطقة الشرقية (بالمعنى السياسي).

بدا الفرنسيون واضحين في تحالفهم مع المحور المصري/السعودي/ الاماراتي بين سنتي 2015و2016، أما الايطاليون فقد بدوا مُرتبكين من حيث أنهم لم يقطعوا كل علاقاتهم مع المنطقة الشرقية، ولكنهم اعتبروا حلفاء موضوعيين للمنطقة الغربية وحليفيها الاقليميين أي القطريين والأتراك باعتبار ان مصالحهم الاستراتيجية سياسيا واقتصاديا هي في المنطقة الغربية…

الايطاليون والملف الليبي قبل وبعد مؤتمر باليرمو (2017-2018)

كيفية امتلاك “الملف” وافتكاكه من الفرنسيين:

لم يرتح الايطاليون إلى الافتكاك الذكي للفرنسيين للملف الليبي منهم منذ منتصف 2017 وصولا إلى مؤتمر باريس في 29 أيار/ماي 2018 فسارعوا يومها إلى تبني خطاب أن الملف الليبي وإدارته حق تاريخي وجيو- سياسي لإيطاليا، بل وسارع أهم الوزراء على غرار الدفاع والخارجية والسفير في طرابلس يومها إلى القيام بلقاءات متعددة ومؤثرة وتعددت الزيارات المكوكية  للعواصم العربية والى دول الجوار ولطرابلس وطبرق، وخاصة لوزيرة الدفاع ورئيس الوزراء وأصبح الملف الليبي بيد الايطاليين تفاوضيا فدخلوا مع المصريين منذ جوان/يونيو 2018  في مفاوضات مستمرة دامت لمدة أسابيع رغم الخلافات حول عدد من النقاط الرئيسية.

ومن خلال استقراء الفعل السياسي للإيطاليين يتبين أنهم يتبنون منطق إدامة امتلاك الملف ولعل  تصريحات السفير الليبي لقناة ليبية يومها تُؤكد أن الايطاليين وضعوا خارطة طريقة طويلة المدى وواضحة المعالم لإدارة الملف وخاصة في ظل إصرارهم المتواصل على رفض مخرجات اتفاق باريس (ماي 2018) التقنية بالذات من حيث تأجيل الانتخابات حتى إقرار دستور وإجراء مصالحة فعلية تؤشر على ذلك وان ذلك تم بمباركة الأمريكيين وأغلب الدول الأوروبية ورضى متنام من طرف اغلب دول الخليج وبعض أركان النظام المصري والحكومة التونسية ومن طرف الجزائريين أيضا.

ولا شك أنه قد حدث ارتباك كبير لدى الايطاليين في أكتوبر 2018 والذين تغيرت يومها رؤيتهم وترتيباتهم وأجنداتهم للمؤتمر الدولي الذي دعوا يومها اليه، بل ووجدوا أنفسهم في مأزق نتاج عوامل عدة من بينها:

خلافاتهم الداخلية: وهي خلافات تتركز أساسا بين حزبي الائتلاف الحاكم في ايطاليا وخاصة تضارب رؤية الحزبين في عدد من الملفات وفي العلاقات الخارجية على غرار تفاصيل وجزئيات العلاقة مع الفرنسيين

مواقف المحور المصري/الإماراتي/السعودي:وهي مواقف جد مُربكة قبل وأثناء أشغال “باليرمو” وغلب عليها المناورة والمراوغة والمراوحة في إرسال تهديدات ضمنية بعدم الحضور أو منطق الإرباك المباشر للمؤتمر الدولي وإفراغه من محتواه التوافقي بين كل الأطراف وقد تم توظيف “حفتر” يومها بشكل درامي قبل وأثناء الأشغال وحتى بعد المؤتمر.

ونقل بعض الحاضرين بشكل حصري أنه عند مغادرة الوفد التركي قام ممثلو بلدين صحبة بعض أعضاء وقد أوروبي بحركات بالأيادي تعبر عن النصر، إضافة إلى ما أتته الماكينات الإعلامية الإمارتية والمصرية وبعض أجنحة الإعلام السعودي على غرار نشر خبر أن “كونتي” انتقل قبل يوم واحد من المؤتمر إلى الرجمة للتوسل وإقناع “حفتر” بالحضور، وهو طبعا أمر خال من الصحة ونفته السلطات الإيطالية بشدة. 

كيف تجاوز الايطاليون تكتيكات حفتر وحلفائه في الشرق الليبي أثناء اشغال مؤتمر باليرمو؟ :

عمليا مارس اللواء المتقاعد عددا من تكتيكاته المعتادة والمستنسخة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وخطاباته على غرار التصريح أنه لن يحضر أشغال المؤتمر خاصة وأن البعض (عبر الصفحات الاجتماعية) قد نقل عن مقربين أن حفتر قد غادر روما بعد أربع ساعات فقط من وصوله في أحد الأيام الأولى من الشهر الحالي نتاج طبيعة النقاشات ونتاج تحذيرات سياسية وصلت إليه في عدد من مواضيع المؤتمر.

ومعلوم أنه زار روسيا يوم 07 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، ثم لوح بعدم الحضور ثم تحركت الماكينات الإعلامية الخاصة بحلفائه الإقليميين لخدمته وتضخيم مواقفه وموقعه، وفي الأخير حضر عشية اليوم الأول وعمد إلى التصريح أنه لا علاقة له بالمؤتمر، ثم ليحضر الجلسة الرسمية ومع الوفود الدولية، ليغادر صحبة السيسي في اليوم الثاني أثناء جلسة نقاشات توحيد المؤسسة العسكرية مُصرا على انه لابد أن يجمع بين صفة القائد العام والأعلى قبل الانتخابات كما صرح المسماري إنهم لا يعترفون في الكرامة بصفة القائد الأعلى.

وهي “بهلونيات/تكتيكات” أربكت الايطاليين ولكنهم تعاملوا معها بحذر وذكاء نادر، وعمليا لم يهتم الإيطاليون بزيارة “حفتر” لموسكو قبل أربع أيام من المؤتمر مع أنهم علموا بخفاياها وانتبهوا لمتابعة غرضيتها اللاحقة.

الايطاليون والفاعلية القصوى أثناء وبعد مؤتمر باليرمو

إنّ الايطاليين وإن بدت خطواتهم واستراتيجيتهم قبل وأثناء المؤتمر الدولي في “باليرمو” (نوفمبر 2018) مرتبكة، فإنهم بدوا مُتزنين حيث لم يفقدوا البوصلة، ومارسوا دبلوماسية حذرة تجاه جميع الأطراف وبدلا من الإصرار أن يكون المؤتمر ناجحا بشكل كامل أو ينفجر، اتبعوا سياسة تحقيق وضمانا لحد الأدنى عبر اختيار أن يكون المؤتمر مؤديا للمؤتمر الجامع ثم لاحقا تبنى على قراراته عملية انجاز الاستحقاقات الانتخابية في تاريخ يتفق عليه الفرقاء الليبيون.

وإضافة إلى كل ذلك نجح الايطاليون يومها فيبعث رسائل مفادها أنهم طرف دولي مُهم وشريك مقتدر ورئيسي وخاصة مستقبلي في القضايا الإقليمية وخاصة تلك التي تهم القارة الإفريقية حيث امتلكوا الملف الليبي بل وأداروه بحكمة واتزان وشراكة رغم أن النجاح يعتبر نسبيا من حيث النتائج المباشرة. دعموا البعثة الأممية وفكرة إشراك الليبيين في الترتيبات للمؤتمر وفي مخرجاته، ولعل كلمة غسان سلامة يومها كانت دالة عندما قال “إن المؤتمر كان وسيكون جسرا للحل نحو المؤتمر الوطني الجامع، وبذلك أفلح الايطاليون في:

إعطاء فكرة إعادة إشراك الليبيين في الحل أبعادها الرمزية والدلالية من خلال أن كان المؤتمر رافعة وحل أولي للتوجهات الكبرى للخارطة الأممية المستقبلية، إقرار مؤتمر باليرمو وتنصيصه على أسس دستورية متعارف عليها لإجراء الاستحقاقات الانتخابية.

احباط سياسات “إرباك المؤتمر” و”إفراغه من محتواه” فوضعوا اللواء المتقاعد خليفة حفتر في صورة”المُربك” لتقدم حل الملف الليبي والباحث عن حكم ليبيا عبر أسس غير دستورية، وأثبتوا للعالم أن بعض الأطراف الإقليمية هي أمثلة للتهور والإرباك، وأنها تلعب أدوار خفية تخريبية بل وتعمل على هوامش عدة في القضايا الإقليمية عبر لوبيات وقوى عالمية عبر تنزيل سياسات تعتمد المادي واللوجيستي وخيارات الإرباك والاحتواء والتأثير في السياسات الدولية في معالجة الأزمات الإقليمية.

نفي تُرهات وأكاذيب الحديث عن محور “قطري-تركي – إيطالي – الغرب الليبي”، التي روجت لها قنوات عربية ووسائل إعلام مصرية وخليجية بالأساس،بل وتبين أنها هي مجرد أسطوانة مشروخة تم ترديدها بين سنتي 2016و2018، والغريب أنه بعد مؤتمر “باليرمو” قالت تلك الأبواق إن الحلف المذكور سقط وانتهى.

وعمليا أكدت دراسات ومتابعات أن مراكز البحوث الأجنبية والفاعلين الرئيسيين التنفيذيين لبعض الأطراف الدولية قد وقفت على سقطات تلك الأبواق ومن يقف وراءها من دول إقليمية وأطراف محلية ليبية.

:الفرنسيون والملف الليبي استراتيجيا الامتلاك واحتواء الفاعلين السياسيين (2017-2018)

كما أكدنا أعلاه فان الفرنسيين لم يغادروا الساحة الليبية من حيث التواجد والتأثير والفاعلية في الملف الليبي في كل المحطات بداية من أحداث ثورة فبرايرحتى عقدهم بمؤتمر باريس الأول، والحقيقة أن العقل السياسي الفرنسي استطاع مع وصول “ماكرون” للحكم استقراء مستقبل القارة الإفريقية وتطور حضور قُوى دولية أخرى فيها.

فتم بناء استراتيجيات ديناميكية لقوة الحضور والفعل والتأثير، وتم منذ جويلية/يوليو 2017 امتلاك الملف الليبي ودارته والتواصل مع القوى السياسية والاجتماعية في ليبيا وصولا لمؤتمر باريس في نهاية ماي الماضي، وطبعا وظف الفرنسيون الأزمة السياسية الإيطالية التي طالت لأشهر بين سنتي 2016و2017 كما وظفوا تردد الايطاليين في إرساء سياسة استراتيجية تتناغم مع التطورات السريعة للملف الليبي وترتيباته المطلوبة وضرورة الدفع بمبادرات وخيارات للميدان لتحريك السواكن.

وعمليا مرت السياسة الفرنسية مرتبحقبات ثلاثبين بداية 2017 ونهاية 2018 كل تم الاعتماد فيها على استراتيجية وديناميكية معينة:

التفرد بالملف واحتواء حفتر:خلال هذه الحقبة وظف الفرنسيون ضعف الايطاليين وأزمتهم السياسية الداخلية وعدم وجود استراتيجيا لبقية الفاعلين الأوروبيين والذين بقوا ينتظرون سياسيات ترامب ورؤيته للعلاقة معهم في ملفات المنطقة الشرق أوسطية وشمال افريقيا ليتبين لكل المتابعين لاحقا أن هناك عودة أمريكية لسياسات أواباما وغياب استراتيجيا لإدارة “ترامب” والذي حافز على الخطوط الحمراء الثلاث بضغط من الإدارة العميقة الأمريكية أي النفط والإرهاب والتواجد العسكري الروسي.

واضافة الى ذلك استطاع الفرنسيون الاحتواء المتدرج لحفتر وحلفائه في المنطقة الشرقية بل انهم كانوا طرفا رئيسيا في تمكينه من السيطرة على بنغازي وبقية مدن الشرق الليبي لوجستيا وعسكريا وفنيا واستخباراتيا، وبناء على تلك المرحلية وطبيعة احتوء الفاعلين رتبوا للقائي باريس في محلولة منهم لتكريس رؤيتهم للملف الليبي واحتواء البقية في التعاطي مع رسم خارطة المشهد السياسي الليبي وما يمكن ان يترتب عليها حتى انهم دعوا في برايس 2 الى انتخابات في ديسمبر 2018 قبل أن يطوعوا السراج لحفتر والقبول به شريكا في باريس1

سياسة فرنسية صامتة تجاه الايطاليين ومؤتمر “باليرمو”(جوان – نوفمبر2018):

مما لا ريب فيه أن الفرنسيين وان بدوا هادئين ظاهريا لافتكاك الايطاليين للملف منهم ما بعد مؤتمر باريس في نهاية آيا/ماي 2018 بعد امتلاكهم العمل واللوجستي له منذ ربيع 2017، فإنهم اعتمدوا سياسات خفية وصامتة في انتظار التطورات والمتغيرات وعمدوا إلى توخي ديبلوماسية احتوائية وخاصة أثناء وبعد مؤتمر “باليرمو”، وطبعا تم تنزيل ذلك عن طريق حلفائهم الموضوعيين أي قيادات عملية “الكرامة” ومن ورائهم المصريين والإماراتيين وقوى أخرى غير ظاهرة في الصورة.

ولم يبق الفرنسيون مكتوفي الأيدي حيث تحركوا في كل الاتجاهات مثلما فعل الايطاليون قبل وأثناء وبعد مؤتمر باريس، وتطور فعلهم تكتيكيا عبر عدد من اللقاءات مع الفاعلين الليبيين على غرار استقبال ماكرون للطاهر السني (مستشار “السراج” السياسي) في أكتوبر 2018.

وأيضا تلاحقت تكتيكات الفرنسيين من خلال استقبال وفد عن نواب “مصراتة”بداية نوفمبر 2018 (قبل أسبوع من مؤتمر “باليرمو”) إضافة إلى أحداث وتطورات في الداخل الليبي قريبة من فاعلين قريبين من الفرنسيين، ولاشك أن رسائل الايطاليين المعبرة عن مكانة للفرنسيين والتوافق معهم لم تكن مفلحة في استراتيجيات الإرباك التي قد تكون أنجزت بطرق مختلفة وعبر أشكال غير مباشرة.

الفرنسيون و الخيارات الحذرة (نوفمبر- ديسمبر 2018):

مع دخول الايطاليين على خط إدارة الملف بمباركة أمريكية واصطفاف بعض الدول الرئيسية معهم منذ جوان/يونيو حدثت خلافات داخل الإدارة الفرنسية وتزامن ذلك مع استقالة أكثر من وزير فرنسي على خلفية ملفات فرنسية داخلية وأخرى إقليمية، وأصبحت السياسة الفرنسية تباعا في حالة تراجع وارتباك وخاصة في قراءة تطورات المشهد في ليبيا.

ومن بين أسباب ذلك الانحسار المستمر للواء المتقاعد “خليفة حفتر” وهو الذي راهن الفرنسيون عليه، واحتووا كل معسكره السياسي والاجتماعي خلال السنوات الثلاث الماضية، فهالهم تراجع شعبيته حتى في الشرق الليبي وخاصة بعد ورود تجاوزات نجله المالية ومقربين منه في تقارير أممية.

فعدلت الإدارة الفرنسية سياساتها ومواقفها عبر بعض الخطوات والعلاقات مع بعض أطراف إقليمية، حيث تم تغيير السفيرة الليبية بأخرى وتم الإعلان عن نية فتح السفارة الفرنسية في طرابلس والذي برمج لشهر أفريل2019، كما تم الانفتاح أكثر على حكومة الوفاق الوطني وتم فتح علاقات مع بعض الفاعلين في مدينة “مصراتة”.

وبالتوازي مع زيارة الاممي يومها “غسان سلامة” للقاهرة في أكتوبر 2018 أكدت مصادر مقربة من “الإليزي” يومها أن الفرنسيين قد عبروا أنهم ضد أي مغامرة عسكرية من طرف “حفتر” باتجاه المنطقة الغربية، وفي “باليرمو” بدأ الفرنسيون ظاهريا حذرين، وارتاحوا لتصريحات “كونتي” المؤكدة على التوافق معهم، ولكن وكما بينا أعلاه فان حلفائهم الكلاسيكيين حاولوا إرباك المسارات ومخرجات المؤتمر والبعد التوافقي الذي حرص الايطاليون على إبرازه.

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

______________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة