“تغيرت الظروف التي جعلت التمرد ممكنا”

سلطت صحيفة لوموند الفرنسية الضوء على الثورات العربية بعد مرور أكثر من 10 سنوات على اندلاعها، محاولة تقييم تلك التجربة من حيث مظاهر النجاح والفشل.

وتحدثت الصحيفة في هذا الشأن إلى المؤرخة ليلى الداخلي (لم تذكر جنسيتها) التي رأت أنه “من الصعب تحليل التحركات الاحتجاجية العربية من ناحية نجاحها أو فشلها”.

وأشارت الداخلي إلى أن “تلك التحركات أظهرت أنه من الممكن بناء أنظمة مضادة في البلدان التي يبدو أن الوضع السياسي فيها مسدود تمامًا”.

تذكر الصحيفة أن ليلى الداخلي قامت بالتنسيق والإشراف على برنامج للمراكمة والبحث حول الثورات العربية. وكنتيجة لذلك العمل الذي قامت به تمّ إصدار مؤلف بعنوان “روح الثورة.. أرشيف وأخبار الثورات العربية” وهو عمل جماعي مُصور كثيف يُركز على سؤال “كيف” بدلاً من سؤال “لماذا”؟ 

هل فشلت الثورات؟

لا يتعلق السؤال بالحكم على نجاح أو فشل حراك شعبي، نحن لا نعود أبدا للوراء، حتى عندما تفاقم العنف والقمع بسبب رد الفعل العنيف بعد ثورات 2010-2011.

وتقول الداخلي: “غالبًا ما تصاحب الثورات المضادة والحروب الحركات الثورية، مما يُعقد تحليل الانتفاضة الشعبية في كونها مجرد فشل أو نجاح”.

ولفتت إلى أن التمرد هو انتفاض للمجتمع بالمعنى الحرفي للكلمة، وينتج عنه ردود فعل متسلسلة يصعب التنبؤ بها، ولا تُعزى جميعها إلى “المتمردين”.

وتساءلت الصحيفة: إذا سقطت أنظمة قليلة، فما هو الإنجاز الرئيس لهذه الثورات؟ لتجيب الداخلي: “الإنجاز الأول هو دخول النموذج الثوري في التاريخ الاجتماعي والسياسي لهذه الدول المستقلة”.

ورأت أن “فكرة الثورة ذاتها هي خلع الملابس التي كانت ترتديها من قبل، وربطها بالنضالات ضد الإمبريالية (الثورات الجزائرية والفلسطينية) أو بشخصيات كاريزمية مثل شخصية جمال عبد الناصر في مصر”.

ولفتت إلى أن الثورة أصبحت سمة بارزة للانتفاضة الشعبية العربية، مضيفا أنها “مساحة لتطوير أشكال سياسية جديدة موجهة للأنظمة السلطوية والاستبدادية (في 2010-2011) ، ولكن أيضًا للدول الفاشلة المبتلاة بالفساد (في لبنان والعراق، على سبيل المثال، في 2019).

وقالت: “أزاحت الثورة جملة من الحواجز، وبالأخص تلك المتعلقة باللعبة السياسية، التي حولت المجتمعات إلى ساحة لعب واسعة للعملاء وإلى سلاسل متعاقبة من الاستعباد في المجالين العام والخاص. هذه الثورات جذرية لأنها تشير إلى سلسلة التبعية والإذلال والاستعباد باسم الكرامة”.

وتساءلت لوموند: ألم يكن افتقار هذه الحركات إلى قيادة، على المدى الطويل ، عائقا؟، لتجيب المؤرخة: “لا يبدو لي أن القيادة هي القضية المركزية. موضع التساؤل هو قدرة القوى السياسية و / أو النقابية و / أو المجتمع المدني على دعم الحركات الشعبية”.

وأوضحت أنه “لم يتم تدمير هذه البنية التحتية المتشددة بشكل كامل، حيث كانت قادرة على تقديم الدعم، ولعبت دورًا حاسمًا مع عدم استبدال الحراك الشعبي بتنوعه”.

وتعتقد أن “هذا هو المعنى العميق لجائزة نوبل الممنوحة للرباعي التونسي (أربع منظمات نظمت مفاوضات بين الأحزاب السياسية بهدف ضمان الانتقال إلى الحكم الديمقراطي) في عام 2015”.

هذه ليست أفعالا “في الخفاء” بمعنى أنها تحت الطاولة أو مخزية، بل هي إجراءات للمساندة، وفق ما تقول. وأضافت: “يناقش كتابنا الأشكال العملية جدًا لتلك المساندة، مثل توفير الخيام أو المعدات للتظاهرات. يتم فعل ذلك على عديد المستويات”.

وأردفت: “في البلدان التي قلصت فيها الديكتاتورية كل شيء إلى لا شيء، وجد الثوار أنفسهم بلا شبكة، ودون وساطة، في مواجهة العنف المطلق للنظام أو أمراء الحرب”. 

وأكدت أن الظروف في ليبيا وسوريا كانت أكثر صعوبة بالنسبة للثوار. لذلك، من الأهم النظر إلى التجارب التي حدثت هناك: إنها إعادة اختراع للسياسة، وفق تعبيرها.

انتقال الثورات

أما عن انتقال أفكار الثورة من بلد إلى آخر، فقالت إن “هذه الامتدادت ليست مثل كتيبات الثورة التي تنتقل من يد إلى يد، بل إن كل حراك له جذور محلية قوية، وربما تكون هذه هي النقطة المشتركة الأكبر، لكنهم يملكون دوافع متشابهة من بلد إلى آخر”.

وجرى تبني الشعارات والأشكال وتكييفها، بدءاً بعبارة “الشعب يريد”، التي تنتهي في كثير من الأحيان بـ”سقوط النظام” ، ولكن أيضًا بمطالب أخرى.

ورأت أن تلك الشعارات مستمدة من الثقافة واللغة ومتشابهة بلهجات مختلفة، مضيفة: “عندما تحدث اللبنانيون والسودانيون والعراقيون عن الثورة في عام 2019، أعادوا إحياء معجم كامل شبيه بعام 2011”.

وبينت أنه “يمكن بالفعل ربط تحركات عام 2011، وهي تحركات انبثاق ثوري، بحلقات سبقتها: أشكال معينة من النضال والخطب التي سمعت في عام الثورات تحيي النضالات التي سبقتها”.

وقالت: “نحن لا نبحث عن أصل – أو سبب – ولكن عن حلقة متواصلة، وهو يعتمد على الأحداث التي أعقبت استقلال الدول العربية”.

وزادت: “لقد انهار ميثاق ما بعد الاستعمار، الذي كان قائمًا على فكرة التحرر، كما تجمد الخطاب المناهض للإمبريالية وتحول إلى مصطلحات وفي كثير من الأحيان إلى حلول وسط مختلفة، خاصة في مواجهة القضية الفلسطينية التي تبيعها الدول العربية”.

وواصلت أنه “يمكن أن تتعايش مع شكل من أشكال الأبوية الاستبدادية، لكن الليبرالية الاقتصادية والطريقة التي استولت بها النخب التي اختارتها السلطات على الثروة قوضت تدريجياً أسس هذا التعايش”.

وأكدت أن “هذا هو المكان الذي نحتاج فيه إلى تركيز انتباهنا على قياس هذا الانهيار، الاجتماعي والسياسي ، الذي يحمل في صميمه قدرة الشباب العربي على إظهار أنفسهم في المستقبل”.

وترى أن سياسات الهجرة – الأوروبية أو الخليجية – لها دورها في هذه الرواية، وكذلك سياسات الإصلاح الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي منذ أواخر السبعينيات، وبالطبع القبضة الخانقة للحكام وحلفائهم على الثروة والسلطة.

وبينت أن “القول بأن التفاوتات قد اتسعت لا يكفي، حيث خلقت هذه الأنظمة مجتمعات منقسمة على مستويات متعددة، فجرى تحديد الأوضاع الاجتماعية من خلال إمكانية الوصول الممكنة: إلى العمل ، والسلع ، والرعاية ، والتعليم الجيد ، وعبور الحدود ، واختيار الفرد نفسه لشريكه أو شريكته في الحياة”.

وفي اللحظة التي كانت فيها الثورة العربية قد انتهت، “فلن أخاطر بالتنبؤات، لكن انتفاضات 2019 (في الجزائر والعراق ولبنان والسودان) أظهرت أن الرغبة في الثورة لا تزال قوية وأن أسبابها ما تزال قائمة”، تقول المؤرخة.

مجتمعات ثورية

وتابعت أن الثورات العربية امتدت إلى مناطق أكثر بكثير من البلدان التي أدت فيها إلى ثورات هائلة، حتى تم الإطاحة بالحكام أو النظام.

وواصلت: “تم بناء مجتمع ثوري، مع الرغبة في التغيير الجذري الذي يهم المغربيين والأردنيين والفلسطينيين، وقد انتفضت البلدان التي لم تتأثر بالموجة الأولى”.

ونمت ثقافة الاحتجاج في العديد من المناطق، ولا سيما في منطقة الخليج، والتي كان يُعتقد أنها أصبحت سهلة الانقياد بسبب ثروتها ومكانتها في الجغرافيا السياسية العالمية.

وجرى قمع الثورة البحرينية، خاصة بمساعدة السعوديين، بالقوة المفرطة والقمع الهائل، لكن لم يتم تقديم حل. كما شرعت مصر، في سياسة قمعية مماثلة.

وقالت المؤرخة: “نحن نفهم أن الأنظمة قد تعلمت دروس عام 2011: لا تستسلم ، أبقِ العشيرة في السلطة بأي ثمن، حتى لو كان علينا حرق البلاد مثل عشيرة الأسد في سوريا”.

لقد فهموا أيضًا أن حركات التحرر يمكن أن تفقد مصداقيتها بسهولة في الرأي العام الدولي إذا أُجبرت على ارتكاب أعمال عنف، أو إذا قوبلت بالحركات الإرهابية، مستدركة أن “أسباب التمرد دائمًا – تقريبًا – موجودة بالكامل”.

وقالت المؤرخة: “تغيرت الظروف التي جعلت التمرد ممكنا، لكن خلفيته الفنية متاحة ويتم إحياؤها بانتظام، مع ضوضاء عالية أو ضوضاء أقل وتيرة”.

في تونس على سبيل المثال، لم يؤد تبديل النظام إلى تغيير اجتماعي حقيقي أو تبدّل في الممارسات، تعددت الاحتجاجات والحركات المطالبة بالإرث الثوري الذي يجمع الشباب غير المستقر كما في الجنوب، أو أصوات المجتمع المدني من أجل التطبيق الكامل للدستور الجديد.

ولكن ما الذي علمته الثورات العربية لبقية العالم؟

 تقول المؤرخة إنه “يبدو أن بقية العالم استعار من الثورات العربية، طريقة لاحتلال الفضاء العام ومن خلال ذلك، تحديد النظام. لقد أظهروا أن كل شيء يمكن اختراعه على الفور وأنه من الممكن بناء السياسة، على ما يبدو من نقطة الصفر وفي حالات الجمود الهائل”.

ومع ذلك، بدلاً من إسقاط نفسها في آفاق ثورية، تختار العديد من الحركات حول العالم اليوم ممارسة طريقة للاحتجاج أو العيش، وعلى ضوء ذلك، يصوغون أنظمة مضادة، وفق المؤرخة.

_______________


مواد ذات علاقة