بقلم هاجر جمال خليفة


تشكلت العقيدة الأمريكية منذ القدم بالارتباط بالمنطقة لما فيها من أهمية اقتصادية وسياسية وجغرافية وتاريخية , بالإضافة لرغبة الولايات المتحدة منذ صعودها لفرض نفوذها فى الساحة الدولية وأن تصبح قوى عظمى تفرض رأيها وقيمها على العالم .

وبالتالى فإن الولايات المتحدة تضع فوق عاتقها التدخل فى الأزمات والصراعات والتحالفات الدولية سواء كانت مؤيدة او معارضة أو مشاركة , وخاصة إذا تعلق الأمر بمناطق نفوذها ومصالحها , “حيث يقول عالم السياسة الأمريكي هانز مورجنتاو أن مفهوم الهيمنة والسيطرة على العالم ، والذي يعكس في باطنه شعوراً دفيناً بالتميز الحضاري والثقافي , كان المحرك الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية، وهو المفتاح الرئيسي لفهمها منذ نشأة الولايات المتحدة كدولة فيدرالية وحتى الآن.

السياسة الخارجية للدولة لا تتم فى فراغ وإنما تحددها مجموعة من العوامل تتشكل وفقاً لعدد من الاعتبارات السياسية والاقتصادية وأيضاً البيئة الخارجية والظروف الدولية ,وهذه العوامل جميعاً تحدد اختيار سياسة معينة دون غيرها , فهى تضع الإطار الذى يتصرف فيه صانعو السياسة , ونجد أن بالتطبيق على السياسة الخارجية الأمريكية ,هناك ثوابت لديها بغض النظر عمن يحكم الحزب الجمهورى أو الديمقراطى وهو مايتعلق باستراتيجيتى الدفاع والاقتصاد .

ويُعد العامل الخارجى عنصراً هاماً لايمكن تجاهله عند دراسة طبيعة التغيرات التى لحقت بالسياسة الخارجية لأى دولة , بل فى كثير من الأحيان تقوم الدولة باللجوء لسياسة معينة تحت تأثير البيئة وأيضاً عند تحليل السياسة الخارجية لا يجب أن نقلل من أهمية العوامل الداخلية فى صنع السياسة الخارجية , برغم من أن الكتابات التقليدية تقلل من أهميتها.

ومما سبق ستحاول الباحثة تفسير الموقف الأمريكى من الثورات العربية وفقاً للمتغيرات الداخلية والخارجية التى أثرت على تحديد الموقف الأمريكى كما ذكرنا فى الفصل السابق , وبالطبع سوف نركز على العامل الخارجى المتمثل فى وضع كلاً من مصر وليبيا فى الرؤية الأمريكية والمتغيرات الخاصة بكل دولة على حدة .

فرغم التراجع الأمريكي الملحوظ فى المنطقة , فإن الأهداف الأمريكية في السيطرة على المنطقة لم تتغير, وهذا ما انعكس فى موقفها تجاه الدول العربية التى شهدت تغيير وثورات الذى اتسم بالتناقض والاختلاف نتيجة لوقوعها فى مأزق بين الترويج للديمقراطية أو التخلى عن مصالحها والأنظمة الحليفة لها.

أولاًملامح السياسة الخارجية الأمريكية تجاه ليبيا

اندلعت الثورة الليبية فى 17 فبراير 2011م , التى بدأت عن طريق احتجاجات شعبية في بعض المدن الليبية كانت تهتف ضد نظام القذافي , وقد قامت قوات الأمن بقتل بعض المتظاهرين وازدادت الاحتجاجات وسقط عدد كبير من الضحايا والجرحى , وتحول الأمر إلى نزاع مسلح وقد أخذت تلك الثورة الليبية مسارين، الأول وهو المسار السلمي والطبيعي وهو التظاهر والاحتجاج ,ولكن بعد أن استخدم النظام كتائبه في قصف وضرب المتظاهرين , أخذت الثورة الليبية شكل آخر وهو الثورة المسلحة والتي قرر فيها القذافي القتال حتى النهاية.

أيدت الولايات المتحدة بحذر الانتفاضة الليبية , ثم تبنت تحت شعار أهداف إنسانية وبغطاء من الجامعة العربية ومبادرة خليجية مشبوهة فرض حظر جوى على ليبيا , لمنع قوات نظام القذافى من الإعتداء على المدنيين، وتزايد الضغط الدولى على النظام الليبى فى مجموعة من خلال مجموعة من الإجراءات , فقد تم تقديم القذافى إلى المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية و تجميد الأصول المالية التى يملكها القذافى وعائلته فى الدول الغربية .

, إلا أن نظام القذافى استمر فى المقاومة ولم يأبه بهذه الضغوط الدولية حتى سقوطه, بعد تكلفة انسانية ومادية عالية دفعت ثمنها ليبيا حتى الآن.

لم يكن تدخل حلف الناتو أمراً يسيراً , نتيجة للخبرات السلبية للحلف فى التدخل فى الأزمات السابقة , فعلي الرغم من صدور قرار 1970و1973 بشأن الحالة الليبية من مجلس الأمن بالأمم المتحدة (ومضمونهما إحالة الوضع في ليبيا إلي المحكمة الجنائية الدولية وحظر الأسلحة والسفر وتجميد الأصول الليبية في الدول الغربية وإقامة منطقة حظر طيران جوي في الأجواء الليبية).

فضلاً عن قرار الجامعة العربية رقم 7298 بتاريخ 2 مارس 2011 بشأن الطلب من مجلس الأمن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي علي حركة الطيران العسكري الليبي وإقامة مناطق آمنة , فإن حلف الناتو لم يتدخل كمنظمة سوي في نهاية شهر مارس 2011 أي بعد ما يقرب مما يزيد علي شهر من اندلاع الأزمة.

وبرغم من ذلك فإن موقف التدخل العسكرى من الولايات المتحدة كان يتسم بالتردد , وبالفعل بعد أيام من بدء العمليات العسكرية بقيادة أمريكية , نقل أوباما قيادة العمليات العسكرية من البنتاجون إلى الناتو , وتدخلت كل من فرنسا وبريطانيا وأمريكا عسكرياً فى ليبيا , وقام حلف الناتو بغطاء جوى للتيار الإسلامى بكل فصائله والثوار من أجل تصفية نظام القذافى.

ورغم ظاهرة تفكيك السلطة التى انطوت على إدارة المرحلة الانتقالية , فى واقع لم يملك فيه سواء المؤتمر الوطنى العام المنتخب 2012يوليو أو المجلس الوطنى الانتقالى أى أدوات لممارسة وظائف الدولة .

لم تدعم الولايات المتحدة السلطات الانتقالية الجديدة فى ليبيا إما لتجنب تكلفة العراق أو أفغانستان أولتفضيلها ممارسة دور اللاعب الخلفى قليل الخسائر , حيث اعتقلت قياديين جهاديين فى ليبيا بتهمة المشاركة فى الهجوم على قنصليتها فى بنغازى الذى قُتل فيه سفيرها فى سبتمبر 2012 , فقد بدا أن دور حلف الناتو والولايات المتحدة اقتصر على جنى مكاسب الإسهام فى إسقاط القذافى سواء المكاسب نفطية أو فى إعادة الإعمار , فتراخى دورهما بعد سقوط القذافى يؤكد ذلك.

ثانياًدوافع وأسباب اتباع أمريكا سياسة مختلفة فى ليبيا

يمكن القول أن حالة الانتقال الديمقراطى التى عاشها العالم العربى فى العقود الأخيرة , أظهرت أهمية وجود عامل خارجى مؤيد للانتقال أو على الأقل غير ممانع له , وبالمقارنة نجد أن الولايات المتحدة حسمت علاقاتها مع دول اوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية ,بينما ظلت تدعم الحكومات العربية المستبدة , وعلى سبيل المثال فى شرق أوروبا ساعدت الولايات المتحدة القوى الديمقراطية فى إطار مواجهتها للشيوعية و قللت من الهيمنة السوفيتية , وشكّل هذا الدعم عاملاً أساسياً للنجاح .

أما فى دولنا العربية لم تعمل العوامل الخارجية لمصلحة التغيير , فبعد أحداث 2001 تحدث الرئيس الأمريكى عن تغيير الأنظمة الحاكمة على أساس أنها المسئولة عن قمع الحريات وزرع التطرف, إلا أن الضغوط الأمريكية لم تثمر إلا عن تغييرات شكلية كتعيين النساء فى المناصب السياسية وإجراء انتخابات شكلية .

ثم تراجعت سريعاً على نحو فُهم منه أن الولايات المتحدة لاتريد تغييراً حقيقياً , لأنها ترى أن ذلك يهدد مصالحها فى المنطقة ,وقد عبرت عن هذه الازدواجية الأمريكية تجاه المنطقة فى خطاب اوباما 19 مايو 2011 , فكان يؤكد على وقوف بلاده مع الديمقراطية إلا أن سياسته تجاه المنطقة استمرت كما هى.

تدرك الولايات المتحدة حقيقة أن تدخلها المباشر ليس محل ترحيب الجمهور العربي بشكل عام, بسبب نظرته السلبية لدورأمريكا في رعاية أمن إسرائيل وصداقتها مع الدكتاتوريات التي ظلمت الشعب العربي, كما تدرك أيضًا التكاليف المالية والبشرية التي سوف تدفعها لتدخلها المباشر في المنطقة ، خصوصًا بعد تجربتها في العراق وأفغانستان .

لذلك كان قرار التدخل الأمريكى محل تفكير وليس أمراً سهلاً على الإدارة الأمريكية , ولكن قدرتها الإقتصادية والعسكرية الفائقة ,تجعلها تقوم بهذا التدخل , فمن المعروف أن الولايات المتحدة تخصص للإنفاق العسكرى مبالغ طائلة تجعلها الأقوى عسكرياً على مستوى العالم بدون منازع .

وفضلاً عن كل ذلك، فإن تاريخ الولايات المتحدة ليس تاريخ دولة تؤجج أو تؤيد ثورات شعبية علي الإطلاق، وإنما سجلها التاريخي يشهد بأنها تؤيد وأد الثورات وتنصيب نظم حكم ديكتاتورية, فقد دعمت ديكتاتوريات شتي حول العالم لأنها تخدم مصالحها حتي لو كان ذلك علي حساب شعوبها،لأنها تعلم جيداً أن الديمقراطية سوف تعني أن تطالب الشعوب بإرادة مستقلة وبوقف التبعية للولايات المتحدة ، فعلى سبيل المثال وليس الحصر كانت وراء عملية الإطاحة بيانكوفيتش في أوكرانيا في 2013.

ويرجع التفسير وراء تدخل القوات العسكرية فى ليبيا جاء من خلال حلف الناتو هو أن هناك دوافع ومصالح لدول أوروبية غربية تتمثل فى فرنسا وبريطانيا على وجه الخصوص , لاستغلال الاستكشافات النفطية بداية من عام 2007 بدأت تعلن عن نفسها سواء فى جنوب أو شرق البحر المتوسط , ثم راحت فرنسا ومن بعدها بريطانيا تتدخل فى مفاوضات مع القذافى.

وبدا أن تلك المفاوضات لم تكن مرنة , ومنذ عام 2010 م بدأت فرنسا ومعها قطر التى خافت أن تسيطر ليبيا على سوق النفط فى البحر المتوسط , فى النظر إلى أن نظام القذافى لم يصبح مرغوب فيه, وذلك لوقوفه أمام مصالحهما الإقتصادية.

وبالتالي كانت الانتفاضة الليبية هى الفرصة التى استغلتها كلاً من فرنسا وقطر فى التدخل فى ليبيا بقوة , وبالطبع تحسين شروط استخراج النفط هو السبب الحقيقي للحرب في ليبيا مقابل حماية الثورة .

فلم يكن الهدف هو نقل ليبيا إلى الدول الديمقراطية ، وإنما من أجل مصالحها المتمثلة بالسيطرة على الموارد النفطية , حيث احتدم الصراع بين الثوار وميليشيات القذافي على موانئ تصدير النفط وعلى منشآت التكرير”, وما يؤكد أن هنالك أهداف استراتيجية غير معلنة , إذا تمت مقارنة ذلك بالمواقف الدولية “المائعة” تجاه قمع ثورات أخرى في سوريا أو اليمن .

وبالنسبة للموقف الأمريكي الذى اتسم بالتردد , فإنه يقع أسير اتجاهات ثلاثة تسود المؤسسات والمصالح الأمريكية , أول هذه المواقف تعبر عنه الشركات النفطية الأمريكية التي ترغب في الوصول إلى النفط الليبي حتى لو كان الثمن تقسيم ليبيا.

الموقف الأمريكي الثاني تعبر عنه وزارة الدفاع الأمريكية التي لا تريد أن تخوض حرباً لمصلحة الشركات النفطية. ويرتبط الموقف الأمريكي الثالث من الحرب في ليبيا ببعض شخصيات الإدارة الأمريكية أمثال سوزان رايس وهيلاري كلينتون ويميل إليه الرئيس أوباما ومؤداه ضرورة رحيل القذافي.

ثالثاًالشرعية الدولية لحل النزاع الليبى

يؤطر الحل السياسى للنزاع الليبى أمميا القرار 1970 لسنة 2011، الذي أنشأ لجنة عقوبات ليبيا، وحظر توريد الأسلحة والتعاون العسكري معها إلا بموافقة لجنة العقوبات، واتفاق “الصخيرات” أو الاتفاق السياسي الليبي الذى شمل أطراف الصراع في ليبيا، وتم توقيعه والتصديق عليه تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة وبإشراف المبعوث الأممي مارتن كوبلر في مدينة “الصخيرات” في المغرب بتاريخ 17 ديسمبر 2015 لإنهاء الحرب الأهلية الليبية الثانية التى نشبت منذ 2014.

وكان أهم ما تضمنه الاتفاق:

منح صلاحيات رئيس الحكومة لمجلس رئاسة حكومة الوفاق الوطني الذي يترأسه رئيس الحكومة نفسه، وبدء مرحلة انتقالية جديدة، وتشكيل المجلس الأعلى للدولة من أعضاء المؤتمر الوطني العام الجديد والإبقاء على مجلس النواب الليبي المنتخب في يونيو 2014، واتخاذ تدابير بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، والترتيبات الأمنية، والالتزامات الاقتصادية والنفطية، وقد بدأ العمل به من معظم القوى الموافقة عليه في 6 أبريل 2016.

وعدت أحدى عشر دولة معنية بالنزاع الليبي فى 19/1/2020 في مؤتمر برلين الدولى، والذى انعقد برعاية أممية، باحترام حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة عام 2011 على ليبيا، وبعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتشكيل لجنة تتكون من خمسة ممثلين عسكريين عن كلا من الطرفين بهدف تحويل التهدئة العسكرية إلى وقف إطلاق نار دائم، سعيا إلى الوصول إلى بناء السلام، وقد وقعت جميع الدول المشاركة بما فيها تركيا على اتفاق مؤتمر برلين حول الملف الليبي.

وبالرغم من ذلك، ما زالت تستمر هشاشة الهدنة، ويوجد فجوة تفاهم واسعة بين طرفي النزاع الليبى، وقد أعربا رئيسا الوزراء الإيطالي والبريطاني عن استعداد بلادهما للمساهمة في مراقبة وقف إطلاق نار دائم في ليبيا في حال تم التوصل إليه.

على الرغم من الجهود التي يقوم بها المجتمع الدولي لوقف القتال في ليبيا، إلا أن تركيا مستمرة في حشد وتجهيز المعدات ونقل الأفراد من سوريا للقتال في ليبيا، حيث أن تركيا تقوم بحشد معدات عسكرية وأشخاص لتنفيذ مهمة هجوم على مدينة “ترهونة” بليبيا، وقد نقلت تركيا المعدات والأفراد إلى زوارة ومصراتة وطرابلس لتنفيذ مهام إرهابية، وبعد اشعال حكومة السراج والدعم التركى للمعارك، وقفت حالة التأهب العسكرى بين أطراف القتال عند سرت والجفرة.

وقد طالب البرلمان العربي تركيا باحترام السيادة الليبية، ووقف نقل الاسلحة إليها والالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي، كما دعت الأمم المتحدة خلال جلسة افتراضية عقدت في القاهرة، إلى التحرك العاجل والفوري لإيقاف نقل المقاتلين إلى ليبيا، ووضع آلية لمراقبة ومعاقبة الأطراف الممولة للنزاع في ليبيا.

خاتمة

يتضح مما سبق أن الثورة اللييبة ثورة ذو طبيعة خاصة , لكونها الثورة الوحيدة التي تم إقحام العنصر الخارجي بها , فالسياسة الخارجية الامريكية بليبيا جاءت برد سريع ومفاجئ للمجتمع الدولي بالتدخل العسكري رغم عدم الأخذ في الاعتبار لدور الأمم المتحدة ومجلس الامن .

فالقرار رقم 1973 الصادر من مجلس الأمن بشأن التدخل العسكري بليبيا صدر, ,مما يؤكد الازدواجية في السياسة الامريكية ويؤكد أيضاً تسيس هذه المنظمات فقط لخدمة السيادة الامريكية وهيمنتها .

لذا، ليس بديلا عن، محاولة تعديل موازين القوى الاقليمى لصالح العرب، وأن تلعب الدول العربية المحورية دورا فاعلا ووسيطا بين أطراف النزاع فى الدول العربية التى تشهد صراعات مسلحة، واحتوائها فى سياق عربى عربى، والتحوط للسياسات التركية، أو ممارسات أى دول أخرى تهدد الأمن الإقليمى العربى.

____________
المركز العربي للبحوث والدراسات

مواد ذات علاقة