بقلم مختار غميض

انفرط حلف حفتر المبني على مصالح وأطماع فردية ومختلفة، بانضمام مصر إلى دول الجوار بالتطبيع مع الشرعية في طرابلس، بعد المتغيّرات الجديدة والوضع الراهن، في رسائل سياسية تلقّفتها القاهرة بطابع براغماتي مرحلي.

الجزء الثاني

ب – التطبيع المصري

من المهم الإشارة أولا أن مصر أحسّت بالضرر من مقاطعتها طرابلس، فخيّرت مرغمة بداية العودة لمصر الطبيعية وترميم ما خسرته مع حفتر، لكن من الأهم الإشارة إلى أن الرجوع المصري ليس تغيّر جذري لكنه بداية وتغير محدود بعد خيبة أملها في حفتر واستئمانه على مصالحها في بلد جوار وعمق استراتيجي أمني واقتصادي.

فتغير مصر لافت بعد ست سنوات من دعم حفتر بالسلاح والمال والقصف، ودماء أطفال درنة وقتل براءتها خير شاهد، وبعد تأييدها حفتر واستثمرت كثيرا في مشروعه، وسلحت بنغازي ضد الوفاق وحذرت حتى من التدخل في ليبيا لحماية حفتر، وفضلت طرفا على آخر، ولم تكن محايدة فأيدت دور الإمارات في قصف طرابلس وكل الأسلحة كانت تمر عبر الأراضي والقواعد الجوية المصرية بضغط إماراتي.

كذلك بعد هزيمة حفتر، رسمت خطوط حمراء بضغط روسي هذه المرة، ثم وعدت بتسليح القبائل الليبية الموالية لحفتر، لكن يبدو أن حفتر لم يعد أمينا على المصالح المصرية، ولا حماية الحدود وهذا ماتم طرحه في طرابلس رغم عدم تسربّه إلى البيانات الرسمية ولا نعلم لماذا اشترط الوفد المصري عدم نشر نتائج اللقاء إلا بعد عودته إلى مصر.

من هنا جاءت الزيارة التمهيدية للوفد الأمني المصري الذي يرأسه نائب جهاز المخابرات أيمن بديع ونائب وزير الخارجية محمد أبو بكر والتقى بنظرائه في حكومة الوفاق بدءا بوزير الخارجية محمد سيالة والداخلية فتحي باشاغا ورئيس الأركان محمد الحداد والمخابرات عماد الطرابلسي، وسبق ذلك زيارة لبشاغا إلى القاهرة وحديث عن زيارة سرية مماثلة لفايز السراج، ولا عجب أن يقوم بزيارة جديدة على راس وفد كبير، ليعلن بدأ التطبيع السياسي.

خيبة أمل النظام المصري في حفتر واضحة من الإعلام المصري للدولة العميقة الذي وصف وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا بالرجل القوي في ليبيا، فأين قوة حفتر “الرجل القوي” كما يوصف دائما، هذا ناهيك عن حديث لزيارة مرتقبة لوزير الخارجية المصري الى طرابلس وهو الذي لم يزر بنغازي ولم يعرف له لقاء بوزير خارجيتها الموازي ولا حتى برئيس الحكومة المؤقتة؟

زيارة باشاغا للقاهرة مؤخرا، واحتضان مصر لاجتماع اللجنة العسكرية بالغردقة وترتيباتها قبل ذلك، يؤكد التوجه الجديد لمصر توجه التي لم تعد تضع أو تحدد الخطوط الحمراء أم الوفاق أو تعتبرها حكومة تمثل الميليشيات تارة والإرهابيين تارة أخرى!

لاشك أن زيارة الوفد المصري جاءت نتاج ظرفية معينة لكنها ستكون مؤثرة وحادة، فجس النبض المصري واضح حتى من خلال إرسال نائب رئيس المخابرات أيمن بديع لطرابلس بينما أرسلت رئيس المخابرات عباس كامل الى حفتر، جس نبض مصري للخروج من التقوقع داخل منظومة حفتر، المتغيّر جاء نتيجة ظروف إقليمية ودولية جديدة متزامنة كذلك مع جسّ نبض تركي وروسي وسعودي مرحلي.

أصبحت مصر ترغب في فتح جسور ساخنة، خطوط جوية، دبلوماسية مع الوفاق واستقبال مصر أكثر من سبعين شخصية من الجنوب الليبي، كلها ليست بعيدة عن التوافقات الإقليمية والمصالحة الخليجية. ولربما مصر بدأت تفكر في دخول طرابلس من باب لعب دور ناعم لفك التحالفات مع تركيا، لذلك فإن الأشهر المقبلة حبلى بالتطورات، فمع تغير أمريكا، تغيرت مصر تكتيكيا.

وأخيرا والأهم أن الزيارة تمّت وسط أجواء عامة إيجابية وتبادل هدايا، بعد التمترس خلف مشروع العسكرة، اليوم القاهرة تريد السلطة الشرعية وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين في الغرب الليبي فلم يعد أمنها القومي مرتبطا بشرق ليبيا فقط، وباتت تدرك رغبة أمريكا والأوروبيين في انسحاب الروس وبالتالي ضمان مصالحهم مع إخفاقات وهزائم حفتر، لذلك تسعى القاهرة لضمان ولاء أطراف أخرى وهو تحوّل مهم، وهي زيارة بداية لبناء الثقة المنهارة كما قال وزير الخارجية المصري سامح شكري لنظيره سيالة بعد زيارة الوفد.

صحيح أن تغيّر مصر هو تكتيكي وليس استراتيجي، مرغمة وليس مخيرة أمام الأمر الواقع، رغم أن الوفاق دعت مرارا وفي عز العدوان مصر (حكومة الوفاق لم تناصب العداء لمصر رغم انتقادات الشارع والنخبة) إلى تغليب مصالحها، من هنا مصر باتت تعلم أن روسيا ستهيمن عليها في الشرق بشهادة عقيلة صالح الذي صرح بذلك في تسريبات خلال اجتماعات قبلية.

ذلك دون اعتبار الحوافز الاقتصادية القديمة لآلاف العائلات تعمل بدخل سنوي محترم في الغرب الليبي، ناهيك عن الحوافز الجديدة بمزيد تحسين وضع العمالة المصرية خاصة مع التطبيع الكامل عبر التمثيل الدبلوماسي من خلال دعوة الخارجية بتفعيل الاتفاقيات الأربع لعام تسعين، وهي اتفاقيات قديمة تؤكد أن عودة اشتغال العقل المصري العميق الذي فُقد السنوات الأخيرة.

هذا دون اعتبار تخوّف مصر من ترك المجال لتركيا كلاعب وحيد في سوق كبير من حيث الاستثمار وإعادة الإعمار، وسنسمع قريبا زيارة وفود من رجال أعمال مصريين إلى طرابلس، فالسيسي في سبيل حماية وتعزيز وجوده المتآكل، لم يعد يتحمل طول المسار السياسي في ليبيا الذي لم يخدمه ولن يخدمه، عكس توقعه بسرعة انقلاب حفتر في 48ساعة كما وعد بداية عدوانه.

كذلك مصر هي المحتاجة اليوم إلى ليبيا وليس العكس، خاصة مع ما تعانيه من تداعيات أزمة كورونا. كل ذلك سيصب في مصلحة مصر التي أخطأت سابقا، طريق البحث عن جارة قوية ومستقرة أمنيا علها توفر أرضية مناسبة لبناء الثقة في السنة المتبقية قبل المشهد الليبي الجديد، وهذه ليست المرة الأولى التي تحررت فيها القاهرة من الخليج، خاصة وأن الفرصة باتت ملائمة مع إعلان الكويت رسميا عن مصالحة خليجية.

3 – سيناريوهات مستقبلية

أ– ما بقي لحفتر

لم تبق بيد حفتر سوى خطابات ساعات الصفر التي فقد بها حتى ثقة أنصاره، مجرد كلمات ليقول إنه مازال موجود. كما لم تعد له من مناورات تذكر خاصة مع فقدانه سند دول الجوار، وتفيد كل المؤشرات بتوجّه جديد بعد وقف إطلاق النار باتت تنتهجه القوتان المؤثرتان تركيا وروسيا، وتغيّر الموقف المصري مع الوفاق يؤشر لانتهاء حفتر كمشروع “سيسي جديد” ونهاية رغبة السيسي في استنساخ نهجه بليبيا.

فحفتر لم يعد أهلا للتعويل عليه في إحداث تغيير جذري، وهذا يؤكد نهايته عمليا، عسكريا وجيوسياسيا في محيطه وقبل ذلك في مهده ببرقة.

فانقسام الحاضرين خلال مؤتمر برقة الجامع الذي انعقد مؤخرا بسيدي خليفة ببنغازي بين الولاء لحفتر وعقيلة، والتمسّك بقرار الانتخابات المرتقبة، كشف عن خلافات عميقة وباتت معلنة بينما لم يكن من الجرأة بمكان أن يبدي كائن من كان رأيه المخالف للولاء لحفتر أو القيادة العامة، ناهيك أن يصبح اختلاف الولاءات، ومعاداة النظام الشمولي والقبلي على رؤوس الأشهاد.

وبالتالي لم يعد لحفتر مستقبلا من هامش للمناورة غير الغوغائية واللعب على خلط الأوراق والمزيد من السقوط في حضن روسيا الذي لا يخدم مصلحتها حاليا.

ب – مصلحة طرابلس ودول الجوار

تؤكد كل المعطيات تلقّف القوى الإقليمية المؤثرة في الصراع الليبي، السعودية من حيث التمويل ومصر كقاعدة انطلاق، للمتغيرات من حولها، أن زمن الرّهان على حفتر كجواد رابح وقوة قادرة على بسط نفوذها على كل ليبيا، هو سراب قد انتهى، باستثناء الإمارات الوحيدة التي ما تزال تراهن على الفوضى رغم خسارتها جميع معاركها وذهابها تسعى إلى الكيان الصهيوني بحثا عن ربيع عبري، هي أوّل من بشّر به في المنطقة.

لذلك يبقى حفتر عند أبو ظبي مجرد ورقة ضغط ومساومة ضعيفة مالها من قرار، فقد يتم التوكؤ عليه واستخدامه لكن ليس خارج تلك الدائرة الضعيفة، فرياح التغيير العنيفة بعد التدخل التركي والمفاجأة الأمريكية بعثرتا أوراق قوى مثل الإمارات والسعودية، فجاءت مكاسب الوفاق الذي صارت شبه المخاطب الوحيد في ليبيا.

وبناء على هذه المتغيرات، فإن احتمال خيار عودة الحرب أضحى خيارا ضعيفا بالنسبة إلى حفتر وقد جسّ النبض مؤخرا بأوباري وفشل فشلا ذريعا في السيطرة على معسكر لقوات الوفاق. وعليه وفي حال فشل التوافق على فترة تمهيدية، الجاري بحثها حاليا في اجتماعات الـ75، فإن حكومة الوفاق ستواصل قيادة المرحلة إلى حين التوافق على سلطتين تشريعية وتنفيذية جديدتين، وسبق للسراج أن أعرب عن استعداده لتسليم السلطة إذا تم ذلك التوافق، أو قيادتها المرحلة برمتها والإشراف على الانتخابات العامة المقررة بعد عام وتسليمها السلطة.

فلا شيء ثابت غير موعد الانتخابات وصعود شرعية جديدة، وذاك يؤكده اجتماع اللجنة القانونية والاستشارية، لبحث المسار الانتخابي وهو المسار الناجح باعتراف مفوضية الانتخابات التي تسلمت من المجلس الرئاسي الميزانية المطلوبة لتنظيم الانتخابات، على أمل تجاوز تعثر المسار السياسي خاصة في توحيد السلطة التشريعية والتنفيذية.

بالتزامن مع ذلك، فإن النفوذ التركي والروسي سيستمر ولو بأقل حدة في رسم الخطوط العريضة للمسارات الليبية كما بدأتها السنة الفارطة فهما من سينهيها العام القادم، وحديث وزيري خارجية البلدين في لقاء سوتشي قبل أيام، عن تثبيت وقف إطلاق النار لدليل واضح، والأوضح هو مطالبة وزير خارجية الوفاق لنظيره الروسي لافروف من موسكو بعد دعوة منه، أن يسحب مرتزقة “فاغنر”.

في غضون ذلك، فإن الإدارة الأمريكية ستلعب دور الوسيط الجدي وستحتفظ بالموقف الحاسم. بقي الإشارة الى أن جس النبض المصري ربما يكون ظرفيا، مرحليا، واحترازيا خاصة وأن حلفاء حفتر ليسو على نفس الأهداف من قبل، فأهداف مصر ليست أهداف فرنسا أو الإمارات، جمعهم الحليف وفرقتهم المطامح والمطامع والآن تفرقوا بهزيمة الجواد الخاسر، أمام استفاقة أمريكية متأخرة بعد تراجع الدور الأمريكي منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما في شرق المتوسط لصالح تركيا وروسياز

لكن ذلك لا يعني فراغا أمريكيا كامل لصالح روسيا، ومن هنا فإن بايدن لن يسمح بعودة متعاظمة للروس، فبايدن لايميل للنظم السلطوية لذلك تتحسب السعودية ومصر وتتهيأ لقدوم الضيف البيضاوي الجديد.

الموقف الأمريكي الجيّد هذا، قد يدفع نحو توافق تركي مصري، لترتيب البيت الداخلي والإقليمي وتسهيل الاتفاقيات وكلها مكتسبات لخدمة وقف اللهيب بالمنطقة ككل، ومنع سقوط قتلى بعد إدراك الجميع أنه لاحل عسكري وضرورة إيجاد توافقات على قواعد مشتركة، وهذا كله أمر سيكون إيجابيا في ليبيا.

يبقى أن استشراف مصر للمستقبل من داخل طرابلس، كان وراء قرارها منافسة تركيا بدل مزيد تسليح حفتر وهو ليس بضعيف التسليح، هل ستنجح أم سيكون عامل توتير علاقات وتدافع سياسي؟ حرب شاملة مستبعدة وهذا ما يريده الأمريكان حتى من خلال تهنئتهم مؤخرا للجانب المعترف به بالاستقلال، وهذا سيمنح الفرصة لطرابلس لفرض شروطها على القاهرة، والتعاطي بمنطق الرابح لا المهزوم.

هذا سيشجع تونس والجزائر خاصة مع وجود توجّس من مصر، فخطوة القاهرة ستحفّز تونس (رفضت دعوة باشاغا للاصطفاف مع تركيا) والجزائر (تنافس خفي بينها ومصر)على مزيد تحسين العلاقات مع ليبيا وهو عامل إيجابي.

خاتمة

لم يبق لحفتر بعد كل مغامراته الفاشلة كصاحب أطول محاولة انقلاب في التاريخ، سوى التلويح بالحرب مجددا بعدما فقد بعضا من سنده الداخلي وجلّ سنده الخارجي خاصة مصر التي التحقت بركب دول الجوار المعترفة بالشرعية، لقد أخطأت القاهرة بوضعها كل بيضها بسلة حفتر عندما كانت تعتقد أن حكومة طرابلس ميليشياوية، بل ظهر أنها حكومة غير شرعية، وجب تغييرها بقوة السلاح.

لكن مع هزيمة حفتر، فلم يعد قادرا على تحقيق مصالحها، مع تصدع قواعده القبلية، ثم تغير المعادلة الدولية، وتآكل الدور الأمريكي بعد دخول “فاغنر”، حتى باتت القاهرة تخشى من مزيد تصاعد المعارضة الأمريكية لحفتر، ذلك ليس من باب التفاؤل لكنه طرح واقعي، جاء متأخرا رغم دعوات حكومة الوفاق المتكررة.

لكن لا شك أن هذه المتغيّر كان نتيجة ظروف إقليمية ودولية جديدة متزامنة كذلك مع جسّ نبض لبقية القوى الأخرى، كتركيا وروسيا والسعودية، اختبار مرحلي خاصة وأن حلفاء حفتر فرقتهم الأهداف بعد أن جمعتهم الوسيلة، أمام استفاقة أمريكية لن تسمح بدور متعاظم للروس، وعليه يمكن تفهّم موقف مصر في خفض جناحها لطرابلس، وتخلّي السعودية عن إدارة ظهرها لقطر مما قد يوسع دائرة المصالحات.

***

مختار غميض (صحفي تونسي)

___________

مواد ذات علاقة