بقلم أسامة الرشيدي

على مدار الأشهر الماضية، حققت قناة العربية أرقاما قياسية في عدد الأخبار الكاذبة التي نشرتها عن التطورات في الساحة الليبية، فضلا عن نشر أخبار نقلا عن مصادر مجهولة، تقول كلاما فارغا عبارة عن أمنيات وأحلام لا أساس لها على أرض الواقع، بالإضافة إلى تفسير أخبار أخرى بطريقة متعسفة ومثيرة للسخرية.

وقد وثقت بنفسي خلال الأسابيع الماضية، عددا كبيرا منها. وسنعرض هنا عددا من الأمثلة لتلك الأخبار، على سبيل المثال لا الحصر.

فقد جن جنون القناة في الخامس من حزيران/ يونيو الماضي، عندما استعادت قوات حكومة الوفاق الليبية مدينة ترهونة من أيدي مليشيات حفتر، إذ نشرت عدة أخبار معظمها عن تركيا وليس عن ليبيا! مثال لذلك تقرير علّق عليه حساب القناة على تويتر بالقول إن قوات الوفاق “دخلت ترهونة تحت غطاء من المسيّرات التركية من 3 محاور وبالاستعانة بأسلحة متطورة حصلت عليها من تركيا”، إذ ذكرت تركيا مرتين خلال سطرين فقط بينما ذكرت قوات الوفاق مرة واحدة، وبصياغة ركيكة تدل على أن كل ما يهم في التغطية هو تركيا فحسب.

ودون أن يدري هؤلاء البؤساء أن هذا التركيز والمبالغة في تقدير الدعم التركي لحكومة الوفاق إنما يصب في مصلحة أنقرة وليس العكس، إذ يجعلها ضامنة لحلفائها والسبب الرئيس في انتصاراتهم، ما يجعلهم يثقون فيها أكثر ويشجع آخرين على طلب الدعم التركي.

في نفس هذا الشهر أيضا، نشرت العربية بيانا لما يسمى “المجلس الأعلى للقبائل الليبية”، يقول إن “الحل السياسي يبدأ بطرد الغزاة ونزع سلاح المليشيات” في إشارة بالطبع لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، وتجاهلت القناة حقيقة أن ليبيا فيها ما يقرب من 10 مجالس للقبائل، يدعي كل منها أنه يمثل القبائل الليبية، رغم أن معظمها مجالس وهمية، ومنها هذا المجلس الذي نشرت العربية بيانه.

كما حاولت القناة أن “تجتهد” في تفسيرها لتصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عندما اتهم جهات لم يسمها بمحاولة “السيطرة على العرب”، لتقرر القناة بكل أريحية أن تؤكد لجمهورها أن السيسي كان يقصد تركيا دون سواها!

ورغم أن هذا الأمر يمكن استنتاجه من سياق كلام السيسي، إلا أن الغريب أن القناة أعطت لنفسها الحق في تفسير التصريح في حسابها للأخبار العاجلة على تويتر! رغم أنها كان يمكن أن تترك مهمة التفسير للخبراء والمحللين الذين تستضيفهم دون أن تتورط في هذا الأمر، بما يؤكد انحيازها غير المهني.

أما في الشهر الذي سبقه، فقد تورطت القناة في عدد من الفضائح حول الشأن الليبي. فقد نشرت العربية الحدث خبرا يزعم أن وفدا أمريكيا وصل إلى بنغازي لبحث جهود حل الأزمة الليبية، إلا أن السفارة الأمريكية في ليبيا كذبتها ونفت ذلك.

وفي أواخر نفس الشهر، زار رئيس وزراء مالطا ليبيا ووقع اتفاقية تعاون مع رئيس حكومة الوفاق فائز السراج حول الهجرة غير الشرعية، إلا أن “مصادر العربية” كان لها رأي آخر، إذ قالت إن رئيس وزراء مالطا حمل “رسالة تحذير” للسراج من الاتحاد الأوروبي!

ويجدر بنا أن نتساءل عن نوعية التحذير الذي وجهه رئيس وزراء مالطا، إذا كان قد وقّع اتفاقية تعاون مع الحكومة الليبية! والمضحك أن تقريرا للقناة على يوتيوب حمل عنوان “رئيس وزراء مالطا ينقل رسالة استياء أوروبية إلى السراج” إلا أن مضمونه كان خاليا تماما من محتوى العنوان، واكتفى بالحديث عن القلق الأمريكي والأوروبي من التواجد العسكري الروسي في ليبيا، والذي يهدف إلى مساندة مليشيات حفتر، التي تدعمها قناة العربية!

كما زعمت القناة أن “طفلا” من سوريا جنّدته تركيا للقتال في ليبيا قتل في طرابلس، ليخرج “القتيل” المزعوم وينفي وفاته في مقطع فيديو ويؤكد أنه في سوريا وليس ليبيا، وأنه ليس طفلا من الأساس لأن عمره 20 عاما! لتلجأ القناة بعد ذلك إلى الحل المعتاد: حذف الخبر دون تقديم اعتذار.

وقد وصلت القناة في تغطيتها للشأن الليبي إلى مستويات مضحكة، عندما استضافت صحفيا معارضا، قال إن “الشعب التركي يرفض التورط في ليبيا”، وأن المعارضة التركية متفقة على أن أردوغان لا يصلح للحكم!

والمضحك في هذا التصريح الذي أبرزته القناة على أنه فتح مبين، هو أنه أمر بديهي في أي بلد توجد فيه معارضة، فمن الطبيعي أن تهاجم المعارضة الحكومة وتتهمها بعدم الكفاءة، لكن يبدو أن القناة اعتبرت أن ذلك أمر لا يوجد إلا في تركيا فقط، وأن المعارضة في الدول الأخرى تؤيد الحكومة!

وفي تموز/ يوليو الماضي، كانت هناك ثلاث فضائح كبرى، كانت الأولى عندما بثت قناة الحدث التابعة للعربية مقطع فيديو قالت إنه لقصف قاعدة الوطية في ليبيا، بعد سيطرة قوات الوفاق عليها، لكن تبين بعد ذلك أنه مقتطع من لعبة فيديو مشهورة على الإنترنت، وهو ما أثار سخرية واسعة.

كما تورطت في فضيحة أخرى، عندما زعمت أن من سمته “حفيد عمر المختار” قال للسيسي إن “صاحب البيت لا يستأذن الدخول”، في إشارة إلى ترحيبه بدخول قوات مصرية لبلاده! رغم أن عمر المختار ليس له حفيد من الأساس، إذ أنجب ابنا واحدا توفي ولم تكن له ذرية!

وحتى إذا كان هذا الشخص المزعوم حفيدا للمختار، فإن هذا لا يعطي له أي حيثية معتبرة، كما لا يعطيه هذا النسب – إن وجد – أي حق في دعوة قوات أجنبية للدخول إلى بلاده في معزل عن الحكومة والسلطات الرسمية.

وفي الفضيحة الثالثة، حرّفت العربية بيانا للسفارة الأمريكية في ليبيا، بعدما زعمت أنها “تتهم تركيا ضمنا بالتدخل باقتصاد ليبيا” وأنها “تلمح لتركيا وتهددها بعقوبات اقتصادية لاستغلالها ثروات ليبيا”، وفقا لما جاء في حسابها للأخبار العاجلة على تويتر.

رغم أن البيان يخلو من أي ذكر لتركيا أو أي تلميح لها من قريب أو بعيد! بل اتهم البيان مجموعة مرتزقة فاغنر الروسية بأنها تتدخل في الاقتصاد الليبي، عبر شن غارات على مرافق المؤسسة الوطنية للنفط، كما اتهم البيان قوات حفتر بعدم التعاون في ما يخص إقرار الهدنة واستمرارها.

وأكد البيان أن واشنطن عازمة على تكثيف تعاونها مع مؤسسات الدولة الليبية، ومنها حكومة الوفاق الوطني ومجلس النواب.

وفي أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قالت قناة الحدث نقلا عن “مصادر” إن تركيا غاضبة ومتحفظة من زيارة وزير داخلية حكومة الوفاق الوطني الليبية، فتحي باشاغا، إلى القاهرة، دون أن تقدم أي دليل على هذا الغضب المزعوم، وها قد مرت الأيام ولم تظهر أي دلائل على توتر العلاقات بين باشاغا والحكومة التركية.

أما عن تفسير الأخبار بطريقة متعسفة لم يقصدها حتى المعنيين بالخبر، فتكررت عدة مرات، ولعل أبرزها، تحريف القناة لتصريح وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا، الذي قال فيه إن حكومة بلاده تعتبر أي قوات أجنبية داخل حدودها هي قوات “معادية”، وإنها لن تتردد في الدفاع عن سيادة ليبيا وحريتها. لكن القناة قالت إن الوزير وصف “أي قوات أجنبية تدخل ليبيا بالمعادية باستثناء التركية”، رغم أن الوزير لم يتحدث عن أي جنسية بعينها.

هذه هي “الفضائح الكبرى” التي تورطت فيها القناة، أما عن الأكاذيب الصغرى فهي تفوق القدرة على الحصر، مثل خبر منع جنود أتراك 40 ضابطاً إيطالياً من دخول مستشفى مصراتة في آب/ أغسطس الماضي، وهو الخبر الذي لن تجده إلا عند العربية فقط، رغم أن إيطاليا نفسها لم تتحدث عن تلك الواقعة المزعومة، ومن الطبيعي أنها لن تسكت إذا حدث هذا الأمر.

وأخيرا، فإن هناك بالتأكيد فضائح أخرى قد تورطت فيها القناة ولم أستطع توثيقها، لأن فضائح القناة باتت أكبر من أن يتم حصرها.

***

سامة الرشيدي ـ صحفي وكاتب مصري، شارك في إنجاز أفلام وحلقات وثائقية عن قضايا مصرية وعربية، وكتب دراسات ومقالات نشرت في مجلات ومواقع إلكترونية.

______________

مواد ذات علاقة