بقلم د. خيري عمر

منذ اندلاع ثورة 17 فبراير 2011م تبنت الأمم المتحدة مساراً لبناء الدولة في ليبيا عبر دعم العملية السياسية، وشكل توفير الحماية للثورة والنظام الجديد محور اهتمام المنظمة الدولية بجانب رفضها المستمر لفكرة التدخل العسكري.

الجزء الأول

كان من المفترض خفض دور “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا”، لكنه مع الأزمة الحالية زاد دورها بشكل واضح، وهو ما يثير الجدل حول اتساق السياسات الدولية مع تطلعات الثورة الليبية وقدرتها على حل الصراعات.

وفي الفترة الأخيرة، قام الأمين العام للأمم المتحدة بزيارة لليبيا عبر طرابلس؛ لأجل دعم الحوار الوطني في “غدامس”، ورغم وقوعها تحت سيطرة حكومة المؤتمر الوطني العام لم يلتقِ مع “نوري أبو سهمين” (رئيس المؤتمر)، وبغض النظر عن الموقف القانوني للأمم المتحدة، لا تشكل هذه المواقف دعماً للحوار السياسي بقدر ما تثير الإشكالات حول دور المنظمة الدولية تجاه الأزمة السياسية في ليبيا.

أولاً: أداء بعثة الدعم:

في سبتمبر 2013م صدر تقرير الأمين العام حول رصد بعثة الأمم المتحدة حول الأوضاع السياسية، ليغطي القرير نشاط بعثة الأمم المتحدة بشكل تراكمي للفترة (فبراير – أغسطس)، وذلك في مجالات الشؤون السياسية والأمنية وحقوق الإنسان.

ويشير التقرير إلى أن تزايد حدة الاستقطاب السياسي، أدى لخفض فاعلية المؤسسات وتباعد المواقف السياسية بشأن مستقبل البلاد وسياسة معالجة الملفات الانتقالية كمستقبل كتائب الثوار ودور الأحزاب السياسية، وخلص إلى أن تضارب مصالح القوى السياسية والإقليمية شكَّل عقبة أمام نضج المؤسسات الانتقالية.

وإذا ما كان تناقض المصالح بين الأطراف الداخلية واضحاً، فإن التقرير لم يشر للعوامل الإقليمية التي تؤثر في الشؤون الليبية، فوجود فواعل خارجية يوجب على الأمم المتحدة الكشف عنها أو التصدي لها وفق اختصاصات القرار (2095).

وبعد إنجاز انتخابات المؤتمر الوطني وتشكيل الحكومة، أشارت تقارير المبعوث الخاص للأمم المتحدة (طارق متري) لحدوث تقدم في انتخابات الهيئة التأسيسية والمفوضية العليا للانتخابات، وتعديلات قانون (59/ 2012م) بشأن القواعد المتعلقة بانتخابات المجالس البلدية، واعتبر أنها تقود الدولة للانتهاء من الفترة الانتقالية، حيث اعتبر أن البدء في انتخابات الهيئة التأسيسية سوف يؤدي لتكوين ديناميات جديدة في الدولة، تساعد في خفض الاحتقان السياسي عبر توسيع المشاركة في صياغة الدستور، ففي 16 سبتمبر 2013م رأى رئيس البعثة أن إقرار المؤتمر الوطني لقانون انتخاب الهيئة التأسيسية يعزز فرص التقدم في عملية صياغة الدستور.

كما تناولت تقارير الأمم المتحدة سياسات الأمن والمشردين وتعاملت مع حالة “تاورغاء” (شرق مصراتة) كمسألة مشردين تستعصي على الحل؛ بسبب تعقيدات نشأت مع الثورة الليبية، تمثلت في اتساع نطاق الصراع الاجتماعي، ويشير التقرير إلى أن محاولات عودة سكان تاورغاء ظلت محفوفة بلأخطار خلال العامين الماضيين.

ولكنه رغم إدراك بعثة الأمم المتحدة لأهمية هذه المسألة، فإنها لم تقترح تصورات لحلها، وترك تسوية مشكلات النازحين للحوار السياسي والاجتماعي ما بين الأطراف الليبية الذي شهد تقدماً مع بدء عملية “فجر ليبيا”؛ حيث ظهرت مبادرات اجتماعية تطرح تسوية لعودة النازحين أو المشردين.

وفيما يتعلق بالمسائل الأمنية، رصدت البعثة (وفق تقرير الأمين العام في سبتمبر 2013م) الأحداث التي اندلعت في بعض مناطق ليبيا والسياسة الأمنية التي اتبعتها الدولة، فقد تناولت بشكل تفصيلي الأحداث والسياسة الأمنية في كل من طرابلس وشرق وجنوب ليبيا، وركزت على ملاحظتين أساسيتين؛ تتمثل الملاحظة الأولى في أن الحوادث التي اندلعت في هذه الأماكن كان يغلب عليها الصراع فيما بين القوى الثورية على الولوج لسلطة الدولة والاستحواذ عليها.

وينطبق ذلك لحد كبير على منطقة طرابلس والمنطقة الشرقية، فيما يرجع العنف والصراع في الجنوب لأسباب تتعلق بضعف الحكومة وانفلات الجماعات المسلحة.

أما الملاحظة الثانية، فتشير إلى أن السياسات التي اتبعتها الحكومة والمؤتمر الوطني حققت إنجازات محدودة في كل المناطق وخاصة في منطقي الجنوب والشرق، فيما حققت تقدماً نسبياً في المنطقة الغربية، وقد أرجع التقرير ضعف أداء السياسة الأمنية لعدم وضوح سياسة بناء الأجهزة الأمنية، أو سياسة دمج كتائب الثوار في أجهزة الدولة.

وقد انعكست هذه المشكلات في ضعف النظام الأمني والقضائي، وتباطؤ عملية بناء الجيش والنظام الدفاعي للدولة، واعتبرها مسؤولية مشتركة لكل من الحكومة والمؤتمر.

ولعل التوصيات التي تبنتها تقارير الأمين العام لجانبين مهمين؛ احترام المؤسسات المنتخبة، ومراعاة حقوق الإنسان في تناول المسائل السياسية وتطبيق القوانين، والتأكيد على حوار وطني يساهم في تحديد الأولويات الوطنية يشارك فيه جميع الأطراف.

وقد تم تطبيق هذه الرؤية في مفاوضات “أوسلو ديسمبر 2013م”، وفي مبادرة المبعوث الخاص في يونيو 2014م، حيث وجهت الدعوة لكل الفاعلين السياسيين بغض النظر عن تقييم البعثة لموقفهم السياسي أو دورهم داخل مؤسسات الدولة.

غير أن القيام بهذا الدور واستكمال بناء الدولة يواجه تحديات، ليس فقط بسبب ضعف مؤسسات الدولة، ولكن بسبب تنامي دور العوامل الخارجية، وخاصة ما يتعلق بشرعية التدخل الدولي، وهنا تشير تصريحات طارق متري (8 أكتوبر 2013م) إلى أن اختطاف “الرفيعي” كمواطن ليبي يمنح ليبيا الحق في الدفاع عن سيادتها، ومن هذه الوجهة، لا تتصمن هذه الرؤية انتقادات للحكومة الليبية بقدر ما تدفع عن حقها في ممارسة السيادة على أراضي الدولة.

وتعبر مبادرة “متري” في 13 يونيو 2014م فلسفة أداء بعثة الدعم منذ تشكيلها، حيث كان خطابها السياسي موجهاً للمجتمع الليبي وقواه الحية، ولم يقتصر فقط على المؤسسات الرسمية، كما وضعت مبادئ لإدارة الأزمة السياسية تقوم على أن العمل السياسي لا يستقيم مع العنف، وأن المنافسة الديمقراطية تتنافى مع الإقصاء، وأن قوة الحجة هي البديل الأسلم لحجة القوة في إطار الالتزام بالحوار من أجل ضمان التعايش السلمي، وتشكل هذه المبادئ جوهر حل الإشكالية المتعلقة بأولوية بناء الديمقراطية أو تحقيق الأمن وبناء الجيش، لترسيخ التعايش السلمي كمدخل لتحقيق الديمقراطية وبناء المؤسسات.

ومن ثم، طرحت مبادرة البعثة الدولية منظوراً لمعالجة الأزمة الليبية يختلف عن المقترحات التي قدمها مؤتمر روما حول ليبيا والمنعقد في مارس 2014م، حيث ركز (مؤتمر روما) على السياسات الأمنية ومكافحة الإرهاب في ظل بناء الديمقراطية، وهذا المنظور تبناه “تحالف القوى الوطنية” وذوو التوجهات الليبرالية، حيث إنه في وقت أزمة تمديد المؤتمر الوطني كان منظورهم للأولويات السياسية يقوم على بناء الجيش والأجهزة الأمنية كخطوة لدعم الديمقراطية.

ولكنه مع تشكيل مجلس النواب في “طبرق”، اعتبر بيان تحالف القوى الوطنية في 27 أغسطس أن مجلس النواب هو الجهة الشرعية الوحيدة في الدولة، وأن قراراته ملزمة لكل الليبيين، وأشار بشكل خاص لقرار حل التشكيلات المسلحة، وتفعيل الجيش والشرطة فقط، وهذا ما يفسر خلفية رفضهم لمبادرة بعثة الدعم في ليبيا.

وحتى نهاية أغسطس 2014م، اتسمت تقارير بعثة الدعم بتغليب فكرة توسيع مشاركة كل الأطراف في العملية السياسية ووضع أولوية الحل السلمي في خفض وتسوية الصراعات، فقد التزم تقرير مبعوث الأمين العام بالحياد تجاه الوضع العسكري والسياسي في ليبيا، حيث لم يسبغ الشرعية على عملية “الكرامة”.

وكانت توجهات البعثة نحو دعم العملية السياسية وتوفير أجواء المصالحة واستكمال المؤسسات، وهذا ما يضفي على سياسات البعثة نوعاً من التنوع والشمول يقربها من القبول على المستوى الوطني، فحديث التقرير (سبتمبر 2013م) عن المؤسسات غير المكتملة لا يعني التركيز على العيوب التي تعاني منها، بقدر ما يعزز البحث عن سبل استكمال تكوين وبناء هذه المؤسسات.

ثانياً: طور جديد لدور الأمم المتحدة في ليبيا:

مع صدور قرار مجلس الأمن (2174) حدثت تغيرات جوهرية في دور الأمم المتحدة في ليبيا، ويتمثل ذلك في تعديل اختصاصات بعثة الدعم وتوسيع نطاق الرقابة الدولية على الكيانات والأفراد الليبيين، وهو ما صار يعطي إطاراً واسعاً للتدخل في الشؤون الداخلية.

أ– من القرار (1970) إلى (2174):

يأتي قرار مجلس الأمن رقم (2174) ضمن سلسلة قرارات بدأت في عام 2011م، بدأت بالقرار (1970) لغرض الإشراف على الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد، والقرار الأخير انعقد بناء على طلب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، واكتسب القرار أهميته في أنه يأتي في مرحلة نزاع حول دستورية سلطات الدولة؛ السلطة التشريعية والتنفيذية.

ولمعالجة الأزمة في ليبيا وضع مجلس الأمن 11 بنداً تضمنت الأشكال المختلفة لضبط العنف ومنع وصول السلاح للأراضي الليبية، تأمين الأسلحة والذخائر وعدم وصولها للجماعات “الإرهابية”، وإدراج المتورطين في الجرائم، وأنه وفق القرار (1970) أحال الوضع في ليبيا للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

ويكتسب القرار الأخير أهميته في أنه يأتي في مرحلة نزاع حول دستورية سلطات الدولة؛ السلطة التشريعية والتنفيذية، واندلاع صراع مسلح في طرابلس وبنغازي يتطلب وضع حلول للأزمة السياسية المعقدة.

ب– قيود الأمم المتحدة:

وتعكس فلسفة القرارات حول ليبيا وجود اتجاه لفرض مزيد من القيود على تحركات الأفراد، حيث تضمن القرار (2174/ 4) إدراج الأفراد والكيانات التي  تخترق  القانون الدولي الإنساني وتهدد السلم والاستقرار أو تقويض التحول السياسي أو تقديم دعم لها، ووضع أربعة مستويات للاتهام بارتكاب انتهاكات، وهي: التخطيط أو شن هجمات ضد مرافق الدولة، أو تقديم الدعم للجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية، أو العمل لصالح المدرجين في القائمة الجنائية الدولية. وهذه التصنيفات تفتح آفاق اتهام وتوقيف الليبيين من قبل أي دولة دون توجيه اتهام محدد، وخصوصاً في ظل منح صلاحيات واسعة لأي دولة عضو (2174/ 11) في الأمم المتحدة في إجراء تفتيش لكل من يشمله القرار، سواء الأفراد أو الكيانات.

وبعد صدور القرار (2174) صارت البعثة الدولية تتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة في تقرير المسؤولية عن الانتهاكات وإعداد قوائم المتهمين، وهي مسؤولية خطيرة في ظل عدم وضوح متطلبات التحقيق في الجرائم ووجود نزاع على السلطة واتساع نطاق العنف؛ مما يثير القلق حول تداخل الاعتبارات السياسية في تشكيل القوائم الجنائية أو في تقييم انتهاكات القرار الدولي كما جاءت في البنود (9 – 11) والمتعلقة بالترتيبات الخاصة بحظر تصدير السلاح لداخل البلاد، حيث لا تتبع البعثة قوات دولية لتأمين الحدود ومراقبتها، وتعتمد على تفويض دول الجوار في تفتيش الأفراد والشحنات الواردة من ليبيا أو الصادرة إليها، وذلك وفق القوانين المحلية والدولية وقانون البحار.

وتأتي هذه القيود بالتزامن مع انتهاء المرحلة الأولى (تحرير طرابلس) من عملية “فجر ليبيا”، حيث توسع دور البعثة الدولية في الرقابة على كل التطورات وتصرفات الكيانات والأفراد، وكانت مسألة عدم الاعتراف الدولي واحدة من القيود التي وضعتها الأمم المتحدة في مواجهة الأوضاع السياسية في طرابلس، فقد حاولت بريطانيا طرح تسويات تقوم على استمرار مجلس النواب كمسار انتقالي وأجراء تعديلات محدودة للعزل السياسي، وذلك في مقابل تنازلات محدودة تتمثل في الاعتراف بشرعية “فجر ليبيا” كطرف سياسي.

وهذه الصيغة تعبر عن اختلال الإطار التفاوضي لصالح عملية “الكرامة”، حيث لم تكتسب “فجر ليبيا” سوى الاعتراف الدولي ككيان سياسي، ولكنه خارج المؤسسات الدستورية، وتظهر في شكل تيار سياسي أو دمج عناصرها في الجيش الوطني.

ووفق هذا التصور ترجع المسألة الليبية لوضع ما قبل 7 فبراير 2014م، والفكرة الأساسية هنا تتمثل في تقويض الأوضاع السياسية والعسكرية التي حققتها “فجر ليبيا” منذ يوليو 2014م، والتفاوض حول عودة سلطة البرلمان للمنطقة الغربية بكل تحالفاته مع “الكرامة” وارتباطاته الدولية.

يتبع في الجزء التالي

***

خيري عمر ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا، حصل على الدكتوراة والماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وعمل باحثاً في عدة مراكز بحثية. ونشر مقالات وبحوثاً عديدة عن السياسية في أفريقيا ومصر والشرق الأوسط .

__________

مواد ذات علاقة