بقلم محمود حسين

كان مشهد انتخاب سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا هو آخر مشاهد الأزمة الليبيبة التي شهدت توافقات ومؤتمرات دولية لم تشهدها أي أزمة في المنطقة. فهل تلوح في الأفق ملامح مستقبل أفضل؟ أم تتغلب مصالح الحلفاء على مصالح الشعب الليبي؟

مرحلة انتقالية جديدة تدخلها ليبيا بعد انتخاب سلطة تنفيذية مؤقّتة وموحّدة يتعيّن عليها تشكيل حكومة والتحضير للانتخابات المقرّر إجراؤها في كانون الأول/ ديسمبر من هذا العام لإنهاء سنوات من الفوضى والدماء.

محطات سياسية على طريق الأزمة

انقسمت البلاد إلى مناطق وفصائل متناحرة منذ اندلاع ثورة أطاحت بالقذافي ونظامه في عام 2011 والذي حكم البلاد لأكثر من أربعة عقود، وانتهى المشهد بوجود حكومتين وجيشين في شرق وغرب البلاد. منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم شهدت البلاد مبادرات ومؤتمرات واتفاقيات لإنهاء النزاع هذه هي أهمها:

في آب/أغسطس 2012، أعلن المجلس الوطني الانتقالي، الأداة السياسية للثوارآنذاك تسليم سلطاته إلى المؤتمر الوطني العام (البرلمان) الذي كان قد انتُخب قبل شهر.

في حزيران/يونيو 2014، تم انتخاب برلمان جديد جاءت أغلبيته مناوئة للإسلاميين الذين قاطعوهاستقرت الحكومة والبرلمان في شرق البلاد.

في نهاية آب/أغسطس 2014، قام ائتلاف فجر ليبياالذي ضم العديد من الفصائل المسلحة بينها جماعات إسلامية، بإحياء المؤتمر الوطني العام، البرلمان المنتهية ولايته، وتم تشكيل حكومة في طرابلس. وهكذا أصبح في ليبيا حكومتان وبرلمانان.

في كانون الأول/ديسمبر 2015 وبعد مفاوضات استمرت أشهرا، وقع ممثلون للمجتمع المدني ونواب في الصخيرات بالمغرب، اتفاقا برعاية الأمم المتحدة، وأُعلنت حكومة الوفاق الوطني.

في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، وقّع طرفا النزاع اتفاقا لوقف دائم لإطلاق النار بمفعول فوريبعد محادثات استمرت خمسة أيام في جنيف برعاية الأمم المتحدة.

في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أعلنت الأمم المتحدة أن المندوبين الليبيين المجتمعين في تونس توصلوا الى اتفاق على إجراء انتخابات عامة في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021.

في الخامس من شباط/ فبراير 2021، انتخب المشاركون في الحوار الليبي الليبي خلال اجتماعات في جنيف برعاية الأمم المتحدة عبد الحميد محمد دبيبة رئيسا للحكومة المؤقتة، ورحب العالم بالخطوة.

سلطة تنفيذية جديدة .. أمل جديد؟

كانت الأمم المتحدة قد أعلنت عن تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا والتي تتكون من مجلس رئاسي مكون من رئيس ونائبين(من أقاليم ليبيا الثلاثة)، بالإضافة لرئيس حكومة مستقل عن المجلس. وتم انتخاب محمد يونس المنفي رئيسا للمجلس الرئاسي ونائبين هما عبدالله اللافي وموسى الكوني، وعبد الحميد دبيبه رئيسا للحكومة، وذلك خلال تصويت جرى في جنيفوبعد انتخابه، كتب المنفي على حسابه الرسمي بموقع تويتر“:

ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول عام 2020، صمدت الهدنة الأخيرة التي توسطت فيها الأمم المتحدة بين الفصيلين المتناحرين. لكن هل يمكن اعتبار التطورات الأخيرة بداية جديدة لمستقبل أفضل في ليبيا؟ هذا ما يأمله طارق المجريسي، المحلل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمتخصص في الشؤون الليبية.

وقال المجريسي في اتصال هاتفي مع DW: “إن الحكومة الجديدة تمثل فرصة تمنحني والآخرين الأمل، ويضيف: “صحيح أن المشهد يتكرر بحذافيره لكننا اليوم على الأقل ولأول مرة منذ عقود طويلة لدينا خيار التغيير بعد ذهاب القذافي، اليوم أصبح الليبيون أحرارا في رسم طريقهم بأنفسهم“.

ويتعيّن على رئيس الوزراء الانتقالي عبد الحميد دبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد يونس المنفي ونائبيه العمل على إعادة توحيد المؤسسات في البلد المنقسم.

وترى مجموعة الأزمات الدوليةأن ما تحقق لا يعدو أن يكون مكاسب هشّة، لأنه لا يزال هناك العديد من الخطوات التي يتعين اتخاذها قبل تشكيل حكومة الوحدة المؤقتة“. ويعتقد جلال حرشاوي الباحث في المنظمة أن الوضع يبقى هشا، فقد تراجع عدد القتلى الليبيين، لكن هل تحقق تقدم على المستوى السياسي؟ هل زال الخطر؟ لا على الإطلاق، مضيفاً أن الليبيين مستاؤون للغاية ويعانون كثيرا من وباء كورونا، لكن النخب لا تبالي بمعاناة الشعب“.

التدخل الدولي.. وقود مستمر لحريق مشتعل  

فور الإعلان عن الاتفاق على تشكيل الحكومة الليبية المؤقتة وانتخاب رئيسها، سارعت كافة الأطراف المتداخلة في المشهد الليبي للترحيب بالاتفاق وأبدت استعدادها لدعمه والعمل مع الحكومة الجديدة.

ورغم كل تلك المباركات، فلا يمكن إغفال أنه في عام 2014، وبعد أن أدت نتائج الانتخابات المتنازع عليها إلى اندلاع قتال بين حكومتي الشرق والغرب، أصبحت القوى الدولية أكثر انخراطا في المشهد الليبيفقد دعمت مصر والسعودية والإمارات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في الشرق، ويرجع ذلك جزئيا إلى معارضته للإخوان المسلمين في ليبيا ليشترك في ذلك مع الدول الداعمة له في حرب تلك الجماعة في أوطانها.

على الجانب الآخر، دخلت تركيا المعركة إلى جانب حكومة الوفاق الوطني في طرابلس لأسباب اقتصادية وسياسية بينها دعم الإخوان المسلمين، ولأن خصومها الإقليميين دعموا الجانب الآخر.

واجتذبت الإمكانات الجيوسياسية لليبيا وثروتها النفطية أطراف فاعلة أخرى مثل روسيا، وأدى دور ليبيا كنقطة انطلاق لطالبي اللجوء المتجهين إلى أوروبا وقربها من معالم مهمة مثل قواعد الناتو في إيطاليا إلى انخراط فرنسا وإيطاليا في الصراع الليبي أيضا.

وبحسب مجلة ايكونوميست البريطانية فإن هناك مؤشرات على أن القوى الأجنبية لا تريد غالباً أن تنجح الإدارة الليبية الجديدة في عملها، لكن الأمر المشجع هو صمود اتفاق وقف إطلاق النار خلال الأشهر الستة الماضية.

المقاتلون الأجانب.. حجر عثرة في طريق الحل

خلال توسطها لوقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، دعت الأمم المتحدة ما يقدر بنحو 20 ألف مقاتل أجنبي، تدعمهم تركيا ومصر وروسيا والإمارات وقطر، لمغادرة البلاد. وجاء أول رد فعل من تركيا، إذ أكد المتحدث باسم الرئاسة أن قوات بلاده ستظل في ليبيا ما دام الاتفاق الثنائي العسكري قائما وما دامت الحكومة الليبية تطلبه، كما كانت لدى قطر دوافع مماثلة لدعم القوات التابعة لرئيس حكومة الوفاق فايز السراج في طرابلس.

ويقول أرتورو فارفيللي، رئيس مكتب روما التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن مغادرة المقاتلين الأجانب لليبيا أمر يبدو احتمالا ضعيفا، مضيفاً في حوار مع DW: أن ليبيا أصبحت إلى حد ما ساحة للحرب بالوكالة وأعتقد أن هذه هي المشكلة الأكبر في ليبيا في الوقت الحالي: محاولة احتواء اللاعبين الإقليميين، والعديد منهم لديهم رؤى متباينة لليبيا“.

ويرى الخبير الإيطالي أن العديد من القوى الأجنبية مثل تركيا وروسيا – التي لديها جنود على الأرض” – تخطط للبقاء: “للأسف، أخشى أنه من غير المرجح أن يغادروا بعد مكالمة بسيطة من الأمم المتحدة، أو بسبب حكومة وحدة وطنية.” وهو الأمر الذي يرى فارفيللي وخبراء آخرون أنه قد ينسف الاتفاقية ويعيد الوضع إلى المربع الأول في ليبيا.

على الجانب الآخر، يرى فولفرام لاخه، من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن الحكومة الجديدة سيكون لديها القليل من القوة على الأرض، وستجد صعوبة كبيرة في ممارسة أي نفوذ في شرق ليبيا، وحتى في غربها، وستواجه معارضة قوية وبالتالي لن يكون لديها قدرة على ممارسة سلطة تنفيذية لتوحيد ليبيا“.

ويقول لاخه إن الطريقة التي شكلت من خلالها هذه الحكومة تعني أن الأشخاص الأربعة المنتخبين ليس لديهم في الحقيقة مصلحة مشتركة أو مصلحة سياسية مشتركة إلا الوصول إلى السلطة والبقاء فيها“.

أوضاع هشة

بدوره، يعتقد عماد الدين بادي، من برنامج الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، أن الوضع استقر ظاهريا، لكن الزخم الدبلوماسي ناتج عن تحفظ مؤقت على استمرار القتال وليس نتاج رغبة صادقة في التوصل إلى حلّ، ويضيف أنه بعد عشر سنوات من الثورة، أصبحت ليبيا دولة مشوهة أكثر مما كانت عليه في عهد القذافي“.

ويقول بادي لـ DW: “يخلط الكثيرون بين توق غالبية الليبيين للتغيير الإيجابي وبين النظر بإيجابية للسلطة التنفيذية الجديدة، ويرى أنه لا أحد يتعلم أي درس من آخر حكومة وحدة توسطت فيها الأمم المتحدة وتشكلت في عام 2015 والتي فشلت في توحيد البلاد بأي طريقة واستمر القتال ليبدو الأمر وكأن ليبيا تدور في دوائر مغلقة“.

طارق المجريسي، المحلل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمتخصص في الشؤون الليبية لديه أيضاً تلك النظرة غير المتفائلة، إذ يقول: “الحقيقة، إننا نراوح في المكان نفسه، وما اختلف فقط هو سقوط بضع آلاف من الأرواح، ودمار يقدر بالمليارات وبلد في حالة يرثى لها فلا يوجد سبب حقيقي لكل هذا الاحتفال“.

الأمر نفسه تشير إليه آسيا الجعفري، الصحفية التي تراقب مواقع التواصل الاجتماعي لصالح المركز الليبي لحرية الصحافة في طرابلس، والتي ترى أن الناس في الشارع لا يشعرون بفرح عارم لكن لأسباب مختلفة“. وتضيف أن من لم يؤيد الثورة يقارن حاله اليوم بما كان عليه عندما كان القذافي في السلطة، ويقولون إن الثورة فشلت في تحقيق أي شيء بل إن ما تبعها كان أسوأ مما توقعوا.”

__________

مواد ذات علاقة