بعد سنوات من الانقسام الحاد منذ ثورة فبراير 2011، تقف ليبيا على أعتاب توافق سياسي قد ينهي الحرب التي طاولت أغلب مناطق البلاد، بين قوات حكومة الوفاق وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والتي وصلت إلى العاصمة طرابلس، قبل أن ينتقل ميدان القتال إلى وسط البلاد، وتحديداً سرت والجفرة.

على الرغم من ذلك، يبقى السلاح التهديد الأكبر لمستقبل ليبيا، خصوصاً أن بعض الأطراف المسلحة لم تتخلَ بعد عن حلم العودة للإمساك بالمشهد، وفي ظل استمرار وجود آلاف المقاتلين الأجانب، والتدخلات المختلفة من أكثر من دولة خارجية.

وتدرّج ملف السلاح في ليبيا خلال سنوات الصراع في أكثر من مرحلة، من حرص الثوارعلى حماية الثورة منذ نهاية عام 2011 وحتى 2012، حين تشكّلت في البلاد عشرات المجموعات المسلحة تحت مسمى دروعحماية الثورة، وسط نقاش حكومي واسع لدمج المسلحين في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، ليمر الملف بتعقيدات خلقتها الاصطفافات السياسية التي عملت على ضمان وحماية وجودها بالتحالف مع المجموعات المسلحة، تزامناً مع خروج مجموعات مسلحة تنتمي لتيارات إسلامية متشددة، بداية بـأنصار الشريعةوالسلفية المدخلية، وانتهاء بتنظيم داعش“.

ارتباط ملف السلاح والمسلحين في البلاد بأطراف خارجية، هو المعرقل الأول للاستقرار لكن الملف أخذ منحى أخطر بإطلاق اللواء المتقاعد خليفة حفتر عملية الكرامة” في بنغازي عام 2014، قابلتها عملية فجر ليبيالطرد أنصار حفتر من طرابلس، ما أوقع البلاد في انقسام سياسي حاد، لجأ فيه الطرفان للسلاح والمعارك التي طاولت أغلب أجزاء ليبيا.

ومقابل هيمنة حفتر وقواته على شرق البلاد، كثيراً ما اختلفت المجموعات المسلحة مع سلطة حكومة الوفاق غرباً، ودخلت في صدام مسلح، حتى أن مراقبين يشيرون إلى أن السلطة في طرابلس ارتهنت في بعض الأوقات لخيارات المجموعات المسلحة المختلفة، على الرغم من توحدها لمواجهة قوات حفتر إبان هجومه على طرابلس.

في الفترة الأخيرة، وإثر توافق ملتقى الحوار الليبي، المكوّن من 75 شخصية تمثل كل الأطياف المجتمعية والسياسية، على الدخول في مرحلة تمهيدية حتى نهاية العام الحالي، وانتخاب سلطة سياسية موحدة لقيادة هذه المرحلة، رحب حفتر بالسلطة الجديدة، وحثها على توحيد المؤسسات والوصول بالبلاد إلى الانتخاباتالمقبلة نهاية العام.

في المقابل، أبدت قوى مسلحة في غرب البلاد ترحيبها بالسلطة الجديدة. في هذا الوقت، لا تزال اللجنة العسكرية المشتركة، المكوّنة من ضباط يمثلون طرفي الصراع، تكافح من أجل تنفيذ اتفاق وقف دائم لإطلاق النار، تم توقيعه في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، واتفقت أخيراً على البدء في نزع الألغام في سرت ومحيطها، تمهيداً لفتح الطريق بين المنطقتين الشرقية والغربية.

وعلى الرغم من بوادر إيجابية حول إحراز تقدّم للمضي بالبلاد نحو الاستقرار، إلا أن ارتباط ملف السلاح والمسلحين في البلاد بأطراف خارجية، يعد المعرقل الأول. فمقابل صمت موسكو، التي تدعم حفتر، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده ستبحث سحب قواتها من ليبيا إذا انسحبت القوات الأجنبية الأخرى أولاً.

وفي تصعيد أحدث للموقف التركي، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، أن قوات بلاده ستبقى ما دام الاتفاق الثنائي العسكري قائماً بين أنقرة وحكومة طرابلس.

في الداخل، تكشف مواقف ممثلي طرفي الصراع عن حذرهما تجاه ملف السلاح. ويجدد مدير إدارة التوجيه المعنوي في قوات حفتر، خالد المحجوب، تأكيد حفتر المرحب بأعضاء السلطة السياسية الجديدة، لكنه يشدد في تصريح لـالعربي الجديدعلى أن الجيش الوطني (قوات حفتر) لن يتأخر في الرد على أي تهديد من الغزاة الأتراك، بحسب تعبيره، مشدداً على إصرار قواته على طلب مغادرة القوات التركية ليبيا.

في المقابل، يؤكد الطرف الآخر على شرعيةالوجود التركي في ليبيا كونه يأتي باتفاقية رسمية، وفق عبد المالك المدني، المتحدث الرسمي باسم مكتب الإعلام الحربي لعملية بركان الغضبالتابعة لحكومة الوفاق، مشيراً إلى أن السلطة في طرابلس، سواء الحالية أو المقبلة، لديها الحق في حل الاتفاقية أو عدم تجديدها، معتبراً أن الأجنبي المطلوب منه المغادرة هم داعمو حفتر من جنجويد وفاغنر“.

ولا يرى المدني، في تصريح لـالعربي الجديد، أن البلاد تجاوزت خطر عودة سعي العسكر للحكم، قائلاً: “قبلنا التفاوض مع ممثليه (حفتر) في اللجنة العسكرية في سياق طرح المجتمع الدولي لرؤى للحل بعيداً عن الحل العسكري، لكنه يشدد على رفض حفتر في أي جسم عسكري فـقد عوّدنا على غدره، وكلما حانت له فرصة للانقضاض لم يفوتها، وهو لا يريد التسوية بل حكم الفرد العسكري المستبد“.

من جهته، يدافع المستشار السياسي المرشح للمجلس الرئاسي الجديد، رضا الطويل، عن قدرة السلطة الجديدة على بحث ملف السلاح مع كل الأطراف للوصول فيه إلى مرحلة متقدمة في طريق الحل، مضيفاً في حديث لـالعربي الجديدأن أعضاء السلطة سواء في المجلس الرئاسي أو الحكومة لم يُظهروا ميلاً إلى طرف محدد، وهو العامل الذي دفع الداخل والخارج للترحيب بالسلطة“.

ويكشف عن انشغال أعضاء السلطة الجديدة بملف السلاح، وأنهم قرروا فصله إلى ملفين، الأول يتعلق بالمصالحة الوطنية، والثاني ملف التهيئة للانتخابات الوطنية المقبلة. ودون الإدلاء بمزيد من التفاصيل عن كيفية فصل الملف في ملفين آخرين، يلفت إلى أن معالجته ستكون في سياق رؤية تعمل السلطة الجديدة عليها لإطلاق اتصالات كثيفة بالأطراف الخارجية الداعمة للمجموعات المسلحة على الأرض لطمأنتها بشأن موقفها وتبنيها لمطالب الأمم المتحدة بشأن إخراج المقاتلين الأجانب.

وتعليقاً على ذلك، يرى مصطفى الجعيدي، عضو هيئة شؤون المحاربين المكلفة من الحكومة المؤقتة عام 2012 بإدماج الثوار المقاتلين في برامج مدنية وتنموية، في حديث مع العربي الجديد، أن ما حصل سياق طبيعي لثورة اضطر ثوارها إلى حمل السلاح منذ الوهلة الأولى، معرباً عن تفاؤله بانحصار السلاح بين طرفين، فحلحلة الخلاف بين طرفين ممثلين في لجنة مشتركة، أسهل بمرات من فوضى أمراء الحرب الأهلية متعددة القادة، وفق قوله.

ويعتبر الجعيدي، في حديث لـالعربي الجديد، أن نجاح السلطة السياسية الجديدة في إنهاء آمال العسكر في العودة للمشهد مرتبط بخططها التي يتوجب فيها عدم قطع روابطها مع قادة طرفي الصراع“.

ويشير إلى أن لقاء رئيس المجلس الرئاسي الجديد محمد المنفي بحفتر نقلة إيجابية، مقترحاً أيضاً الاستفادة من خبرة شخصيات أمنية نافذة في معسكر غرب البلاد، كوزيري الدفاع محمد سيالة والداخلية فتحي باشاغا في حكومة الوفاق، اللذين يمتلكان برامج فاعلة في إدماج المقاتلين في مؤسسات الدولة، مضيفاً أن واشنطن المهتمة بشكل كبير بعزل الوجود العسكري الروسي في ليبيا، عقدت اتصالات كثيفة في هذا الملف مع باشاغا، ولا أعتقد أنها عوّلت على سراب“.

ويشير الجعيدي إلى أن للخيارات الدولية تأثيراً في ملف السلاح، لافتاً إلى تصريح السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، أثناء ترحيبه بنتائج انتخابات ملتقى الحوار السياسي، بقوله إنه سيكون هناك تفاعل أكثر من واشنطن، معتبراً أن هناك إدارة غربية في طريقها للتبلور بشأن التدخلات الخارجية العسكرية في ليبيا ما يساعد الليبيين على تبديد آمال العسكر في الطموح للحكم“.

ويرى أن موسكو التي تدعم حفتر لن تجازف بدعمه في أي حرب جديدة، فلن يكون بمقدورها الرد إذا أعطي الضوء الأخضر للأتراك لضرب مقاتلي فاغنر، لأنها لا تقر بوجود عسكري لها في ليبيا، معتبراً أن الخطر الروسي بالنسبة للغرب هو ما سيدفع قريباً نحو تسوية ملف الوجود الأجنبي في ليبيا، وبالتالي أطراف الصراع الداخلية التي تستقوي بداعميها الخارجيين ستنصاع لقرارات السلطة الجديدة من خلال اللجنة العسكرية المشتركة وقتها“.

التشكيلات المسلحة بدأت في التشظي بعد أن كانت تتوزع في طرفين أثناء هجوم حفتر على طرابلس

لكن الأكاديمي والخبير الأمني الليبي ياسين العريبي، يرى أن معطيات الميدان وتشابك ملف السلاح، أقوى من الفرص المتاحة للسلطة الجديدة، وحتى البرنامج السياسي الذي عرضه رئيس الحكومة الجديد عبد الحميد دبيبة على أعضاء ملتقى الحوار السياسي أثناء ترشحه، وتضمّن سعيه لتسريح المقاتلين وتشجيعهم على الولوج في برامج اقتصادية وتنموية، مضيفاً أن كلمة الميدان لم تعد في يد الشباب، فهم وقود حرب معروف مصدره، وحتى قادتهم ينفذون القرار الذي يصنع في عواصم بعيدة عن طرابلس والرجمة“.

ويشير العريبي، في حديث لـالعربي الجديد، إلى أن التشكيلات المسلحة بدأت في التشظي بعد أن كانت تتوزع في طرفين أثناء هجوم حفتر على طرابلس، موضحاً أن مجموعات طرابلس المسلحة دخلت في تلاسن وتوتر أخيراً مع كتائب مصراتة التي تؤيد برامج وزير الداخلية فتحي باشاغا الأمنية، وتكوّنت في طرابلس أجسام مسلحة جديدة تحت مسميات حكومية“.

ويضيف: “في معسكر شرق ليبيا، دخل حفتر في خلافات مسلحة مع مقاتلين موالين للنظام السابق انسحبوا مع قواته إلى بنغازي إثر خسارتهم للرهان عليه في السيطرة على طرابلس، معتبراً أن هذه الأوضاع تحتمل الانفجار في أي وقت.

ويلفت العريبي إلى تصريحات رئيسة البعثة الأممية بالإنابة ستيفاني وليامز، بشأن وجود 20 ألف مقاتل مرتزق وعشر قواعد أجنبية، معتبراً أن هذا هو التحدي في ظل تصريح المتحدث باسم الرئاسة التركية الذي عكس فيه إصرار بلاده على البقاء، وهو تصريح لم يقابله موقف روسي، لكن لا بد أن له دوافعه التي لم تعلن من الطرف الآخر“.

ولا يرى أن البلاد تجاوزت خطر عودة العسكر للحكم، متسائلاً: “ألم يكن حفتر الذي تعهد اليوم بدعم مخرجات الحوار السياسي، هو من هاجم طرابلس في وقت كانت فيه الأمم المتحدة تحضّر لإطلاق ملتقى الحوار السياسي في غدامس؟، معتبراً أن إزاحة خطر السلاح رهين بالمواقف الإقليمية وإمكانية صنع تفاهمات بشأن مصالح تلك الأطراف المتدخلة في الحرب.

**********

مصدر بسبها: أتباع القذافي متورطون بهجوم احتفال ذكرى الثورة

كشف عضو مجلس حكماء سبها” (جنوب ليبيا)، حسن الرقيق لـعربي21″ عن تفاصيل الهجوم الذي تعرضت له المدينة خلال التحضير لاحتفالات الذكرى العاشرة للثورة الليبية.

وقال في تصريحات خاصة من المدينة إنه وأثناء تجمع مجموعة من الشباب والأطفال وقيامهم بتزيين الشوارع بعلم الاستقلال وشعارات الثورة الليبية للتحضير للاحتفال بالذكرى العاشرة التي توافق يوم 17 شباط/فبراير، قامت مجموعة بإلقاء قنبلة ستريم على التجمع ما تسبب في مقتل طفل وإصابة أخيه وهو في حالة حرجة الآن“.

ولفت الرقيق إلى إصابة مدير البحث الجنائي بمديرية أمن سبها بإصابات خطيرة ومعه ضابط آخر مصاب بعدة جروح و12 آخرين تم نقلهم جميعا إلى مركز سبها الطبي، وفق معلوماته.

وأكد خلال تصريحاته الخاصة لـعربي21″ أن القذيفة جاءت من جهة الغرب التي يتمركز ويتواجد بها أتباع نظام القذافي المتورط في هذا القصف حتى الآن، حيث يجري البحث عن المجرمين، مشددا على أن هذه الأحداث تتكرر منذ سنوات في نفس اليوم من نفس المجموعات المضادة للثورة الليبية، وهم من نتهمهم رسميا بالوقوف وراء هذا الحادث المأسوي“.

وشهدت مدينة سبها (جنوب البلاد) حادثا مأساويا في حي المنشية بالمدينة أثناء التحضير لاحتفالات الذكرى العاشرة لثورة شباط/ فبراير وهو ما لاقى ردود فعل محلية واسعة وسط مطالبات بسرعة تقديم الجناة التابعين للنظام السابق إلى العدالة.

وطالبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، مكتب النائب العام ووزارة الداخلية بـفتح تحقيق عاجل وشفاف وشامل في هذا الاعتداء الصارخ والجريمة البشعة التي ارتكبت بحق هؤلاء الأطفال الأبرياء، وضمان ملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة، وإنزال أشد العقوبات بهم، معربة عن خالص تعازيها لأسرة الطفل الضحية، والشفاء العاجل للأطفال المصابين.

_____________


مواد ذات علاقة