أحمد علي الأطرش

ترى الورقة أنه على الدبلوماسية التونسية (الرسمية والأهلية) أن تقوم بدور أكثر إيجابية وفعالية، ليس عبر التصريحات والمجاملات فقط، في دعم مسارات الحل السلمي للأزمة الليبية، والتوصل إلى توافق بخصوص حكومة موحدة لكونها تصب في مصلحة تونس وأمنها كذلك.

الجزء الأول

في البدء لابد من التأكيد على فرضية حتمية التلازم بين الأمن والتنمية (بمفهوميهما الشاملين)؛ من ثم، فمن البديهي ألا تكون تنمية دون أمن، ولا أمن دون تنمية. تأسيسًا على هذه المقاربة، تسعى الدراسة إلى تفحص مدى مواءمتها ضمن نطاق الإطار المغاربي، مع تسليط الضوء على الحالة الليبيةالتونسية، وذلك لعدة اعتبارات لعل أبرزها:

  • رغم تقديرنا للجهود التي بُذلت من أجل توصيف وتحليل العلاقات بين البلدين (ليبيا وتونس)، إلا أنها، مع ندرتها، لا ترقى للمستوى الذي يعكس أهمية وحساسية الموضوع؛ سواء من حيث الموضوعية، أو التقيد بالمنهجية العلمية في الطرح، وذلك لكون جُلُّها سَلَك نهج الخطاب الصحفي العاطفي المؤدلج، أي المبني على توجهات محددة، أو أحكام مسبقة.

إن مساهمتنا تسعى لتفادي هذه المثالب، مع إماطة اللثام عن حقائق وخفايا هذه العلاقة في محاولة لفتح آفاق تناولها، والتعاطي معها، بشكل أوضح وأعمق وأجدى.

  • لقد أهدرت النظم الأوتوقراطية/الشمولية في المنطقة العربية قدرًا ضخمًا من ثرواتها وإمكاناتها من أجل أمنها (وليس من أجل أمن شعوبها بالطبع)، وذلك بغية التمترس المجحف في سدة الحكم أطول ردح ممكن من الزمن.

وعلى الرغم من مسلَّمة/يقينية أن أمن الإنسان هو شرط أساسي لتعزيز أمن الدولة بكافة عناصرها، ومكوناتها المتعارف عليها في أبجديات علم السياسة (شعب/ إقليم/ سلطة حاكمة)، إلا أن المؤشرات والمعطيات الرقمية المفزعة، والمستمدة من تقارير ومصادر موثوقة، والمتميزة بهامش كبير من الشفافية والدقة؛ تبين مدى الضرر والأذى الذي لحق ويلحق بالإنسان من جرَّاء النزاعات والحروب والمجاعة والفقر والأمية وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد ونهب الثروات وتفشي الأمراض والكوارث (الطبيعية وغيرها) وغياب الديمقراطية والتبعية، وبقية العوامل المعيقة للتنمية المستدامة.

  • رغم ثبوت صحة الفرضية القائلة بأنه كلما زادت حدود أية دولة مع جيرانها كانت لها تجارب أكثر في الحروب، إلا أن هذا لا يلغي مدى أهمية توظيف عامل التجاور الجغرافي في تعزيز التعاون والتكامل والاندماج، وذلك في حال توافر الإرادة السياسية لقيادات شرعية وحكيمة وراشدة.

  • منذ عقود، هيمنت النزعة الأنانية والمزاجية والنرجسية للمتنفذين والنفعيين والانتهازيين في كلا البلدين على توجيه دفة مسار العلاقات الليبيةالتونسية صوب مصالح ضيقة؛ مما أدى ارتهانها لحالات من التأرجح وعدم الاستقرار/الثبات.

لذا، تسعى هذه المساهمة إلى تسليط الضوء على الحاجة القصوى، والكيفية المثلى، لإعادة صياغة، بل وعقلنة، هذه العلاقات بما يخدم المصالح العليا للشعبين، الليبي والتونسي، لا لتوظيفها من أجل المآرب الشخصية لحكامها وأتباعهم ورموزهم، وسماسرة الأزمات.

  • تسعى الدراسة إلى التركيز في الإجابة على السؤال الأهم، ألا وهو: “كيف نفعل، وليس ماذا نفعل؟، وذلك في مسعى للمشاركة الفاعلة، لا التقوقع في دائرة التأطير/الترف النظري، غير القابل للتطبيق على الصعيد العملي.

  • إن الخوض في موضوع العلاقات الليبيةالتونسية له من المسوِّغات ما يخوِّله أن يكون حالة دراسةيمكن التعويل عليها كأنموذج قابل للاستئناس (إن لم أقل: التعميم) على باقي دول الجوار، وأخص بالذكر هنا، ولعدة اعتبارات موضوعية، محيطنا المغاربي.

في تقديرنا، إن تعزيز التعاون البيني المغاربي، ومن ثمَّ تأطيره في سياق جماعي، وخاصة في خضم العلاقات مع دول جنوب غرب المتوسط الأوروبية، بدلًا من ارتهانه في التعاطي معها بصيغ انفرادية، سيضاعف من زخم المُكنة والمكانة التفاوضية المغاربية، وخاصة في المجالات ذات الاهتمام المشترك والمصالح المتبادلة؛ وعلى رأسها ملف الأمن، والمتمثل في قضايا الإرهاب والهجرة غير النظامية والتهريب وغسيل الأموال.

من هذا المنطلق، لا تتوقف الدراسة عند التكلس المتفشي في التوصيف التكراري/الماضوي رغم أهمية السرد التاريخي للأحداثبل تسعى في المقام الأول إلى تشخيص العلل والمعوقات؛ ومن ثم اقتراح حلول عملية ممكنة، مع محاولة استشراف المستقبل، وذلك في مسعى لإعادة بلورة العلاقات المغاربية بشكل عام، وبما يخدم ويضمن مصالح الشعوب، وليس الحكام.

في تقديرنا، أن على نخب المنطقة، وأخص بالذكر العناصر المستقلة والنزيهة منها، أن تسهم قدر ما أمكن، في وضع رؤى وتصورات فعالة قابلة للتطبيق، وتتحمل أوزار مسؤولياتها الكاملة من أجل خدمة الصالح العام في مسعى جاد لتجاوز الأزمات الراهنةوذلك بدلًا من الخنوع للخوف والسلبية، أو الدفاع عن مصالح فئوية ضيقة، أو الارتماء في أحضان الانتهازية والوقوع في مصيدة شراء الذمم، والاستكانة العمياء لمن هم في سدة الحكم.

بعد هذا التمهيد الذي تضمن أهداف وأهمية الدراسة والإطار النظري لها، ينبغي تناول مفاصلها وفق ما ورد في العنوان، أي تقسيمها إلى جزئيتين/مرتكزين، وهما: الواقع وآفاق التطوير.

واقع العلاقات الليبيةالتونسية

قبل الولوج في تشخيص ما آلت إليه الحالة الراهنة للعلاقات بين ليبيا وتونس، ومن ثم التوصل إلى مقترحات تتضمن كيفية تصويب وتطوير التعاون بين هاتين الدولتين الجارتين، والأهم من ذلك، وكما أسلفنا الذكر، عقلنتهابدلًا من استمرار ارتهانها لنهج المزاجية/العشوائية، ينبغي التوقف، ولو في عجالة، لتوضيح ملامح أبرز المحطات التاريخية لهذا الإرث من العلاقات.

لقد شهدت العلاقات بين البلدين حالات عديدة من المد والجزر، كما أشرنا، ولكنها لم تصل إلى حدِّ الصدام المسلح، أو القطيعة التامة لأمد طويل، وذلك لاعتبارات عدة يمكن حصرها في طبيعة المكون الجغرافي/المجتمعي (خاصة بين منطقتي الجنوب التونسي وشمال غرب ليبيا)، مع ضرورة مراعاة تأثير لغة المصالح لا محالة.

في هذا الصدد، يمكن الوقوف، وبشيء من الاختصار والتركيز، عند المحطات التالية:

  • خلال مرحلة ما قبل استقلال البلدين، أي أثناء حقبة مقاومة الاستعمار الإيطالي لليبيا والفرنسي لتونس، سجلت العلاقات بين الشعبين درجة من الدعم والتآزر، وذلك في مسعى للتحرر، وإنهاء الاحتلال.

  • عقب الاستقلال (ليبيا 1951/ تونس 1956)، وتحديدًا أثناء فترة حكم الحبيب بورقيبة لتونس (1957-1987) والملك محمد إدريس السنوسي لليبيا (1951-1969)، يمكن وصف العلاقات بين الدولتين بمحدودية التفاعل. مردُّ هذا عدة أسباب، لعل أهمها انشغال وتركيز حكومتي البلدين في ترتيب شؤونهما الداخلية، إثر قرون من الاستعمار المباشر؛ ناهيك عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها في تلك الفترة، والمتمثلة في ندرة الموارد والثروات، وبالتالي محدودية دور المصالح المادية في توجيه دفة مسار العلاقات بينهما.

  • أثناء فترة تزامن بدايات حكم القذافي لليبيا، مع ما تبقى من عهد بورقيبة (1969-1987)، تميزت العلاقة بدرجات من حدَّة التوتر، رغم بعض المحاولات الارتجالية التي وُلدت ميتة (كما حصل مع عدة دول عربية أخرى) من قبل القذافي لتوحيد البلدين في صيغة اندماجية، وذلك في جزيرة جربة التونسية، في يناير/كانون الثاني عام 1974، وتحت ذرائع وشعارات قوميةمختلفة كانت تخيم بظلالها على الخطاب السياسي في تلك الحقبة، ولعل أبرزها تحرير فلسطينوتحقيق الوحدة العربيةوتعزيز المد القومي العربي“.

  • السبب، في تقديرنا، يكمن في تصادم الرؤى والأيديولوجيات بين الطرفين، أي بين تبني نهج المؤسساتية والبراغماتية السياسية” من الجانب الرسمي التونسي؛ مقابل تغليب أساليب الشخصنة والمزاجية والعبث في السياسة الليبية، بالإضافة إلى ضغوطات فرنسية على تونس كما يرى البعض.

  • خلال هذه الفترة، وإثر تخلي نظام بورقيبة السريع والمفاجئ عن تحقيق طموحات القذافي بخصوص ما تم التوافق حوله في إعلان جربة، أي بعد حوالي يومين، تصاعدت وتيرة التوتر بين البلدين، مما حدا بحكومة بورقيبة إلى اتهام نظام القذافي، وبشكل واضح ومباشر، لزعزعة الأمن والاستقرار في تونس، والتدخل في شؤونها الداخلية.

ومن ردود فعل القذافي حيال إحباطاته المتكررة في خلق زعامة إقليمية تحت مبرر الدفاع عن القومية العربية، صدر في ليبيا القانون رقم 6 لسنة 1987 تحت اسم قانون مكافحة الهجرة، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين الأول 1987، أي قبل أيام معدودة من نهاية حكم بورقيبة في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987.

د تضمن هذا القانون السماح لمواطني الدول العربية بالدخول إلى ليبيا ببطاقات الهوية الشخصية فقط، بدل جوازات السفر. هذا أدى إلى توافد الكثير من العرب غير المهرة، وخاصة من دول الجوار العربية، بغية تحسين ظروفهم المعيشية، أو الإفلات من العقاب في بلدانهم الأصلية جرَّاء جرائم اقترفوها فيها؛ ناهيك عن توظيفهم سياسيًّا لاحقًا كأداة لتهديد حكوماتهم من قبل نظام القذافي حال تعارض مصالحه مع توجهاتهم، وهذا ما حصل في وقائع وحالات عديدة لا يتسع المجال للخوض في تفاصيلها.

كما يجدر التنويه إلى أن هذه الفترة، وتحديدًا بتاريخ 10 يونيو/حزيران 1977، شهدت الاتفاق بين البلدين على إحالة القضية محل التنازع، والمتعلقة بالجرف القاري إلى محكمة العدل الدولية، والتي سنعرِّج عليها لاحقًا في هذه الدراسة.

  • أثناء عهد حكم زين العابدين بن علي (1987-2011)، وما تبقى منه، ومن حكم القذافي (1988-2011)، شهدت العلاقات نوعًا من الانفراجات الناجمة عن توافقات ظرفية نفعية/مصلحية بين القيادتين/السلطتين العسكريتين، مصحوبةً بابتزاز متبادل، وليس من طرف واحد كما يظن البعض.

حصل هذا بفعل عدة عوامل، منها: تأزم الأوضاع الداخلية في تونس، والحصار الدولي الذي فُرض على ليبيا (أو بالأحرى على الشعب الليبي)، وذلك في مستهل عقد التسعينات من القرن المنصرم.

أثناء تلك الحقبة، ووفقًا لصحيفة الشروق التونسية، “…أصبحت ليبيا تدريجيًّا الشريك الاقتصادي الأول لتونس عربيًّا وإفريقيًّا، والشريك الخامس لتونس عالميًّا. وتشير الأرقام إلى بلوغ المبادلات التونسية مع ليبيا ما يناهز 7٪ من مجموع مبادلات البلاد مع الخارج، عام 2010، كما بلغ عدد المؤسسات التونسية المستثمرة في ليبيا، أي لها فروع في دولة الجوار، حوالي 1000 مؤسسة، وبلغ عدد التونسيين العاملين في ليبيا حوالي 150 ألف عامل“.

وأضافت الصحيفة أن هذا المشهد الجديد من الوئام بين الدولتين لم يُخْفِ في المقابل استمرار بعض التوترات؛ من ذلك: عدم التزام الطرف الليبي بما تم التوصل إليه من اتفاق حول حدود المياه الإقليمية بينهما (الجرف القاري)، تنفيذًا للحكم الصادر عن المحكمة الدولية بداية الثمانينات؛ الأمر الذي حرم تونس من جزء مهم من الخيرات النفطية في هذا الجرف. وفي عام 2010، اتخذت الحكومة الليبية إجراءات جمركية كانت لها تأثيرات سلبية على عدد كبير من التجار التونسيين“.

  • إثر انتفاضات شعبي البلدين ضد ابن على والقذافي في مطلع عام 2011، وخاصة إثر امتعاض الأخير العلني والصريح مما حصل في تونس، وفي محاولة لإجهاض الثورة، وخشية على نفسه وعلى نظامه من السقوط، تعاظمت وتيرة التآزر الوجداني بين الشعبين، مما حدا بالقيادات التونسية، عقب رضوخ ابن علي للمطالبات والضغوطات الشعبية بالتخلي عن السلطة (بشكل سلمي وسريع وسلس) إلى نصرة الانتفاضة الشعبية المسلحة في ليبيا ضد النظام السابق، والذي استمر لعدة أشهر، ولا تزال تداعياتها تهيمن على الأوضاع في ليبيا، حيث تعتبر الكلفة، من حيث الخسائر البشرية والمادية والنفسية، باهظة الثمن نسبيًّا.

يتبع في الجزء الثاني

***

د. أحمد علي الأطرش، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة طرابلس، ليبيا

______________

مواد ذات علاقة