أحمد علي الأطرش

ترى الورقة أنه على الدبلوماسية التونسية (الرسمية والأهلية) أن تقوم بدور أكثر إيجابية وفعالية، ليس عبر التصريحات والمجاملات فقط، في دعم مسارات الحل السلمي للأزمة الليبية، والتوصل إلى توافق بخصوص حكومة موحدة لكونها تصب في مصلحة تونس وأمنها كذلك.

الجزء الثاني

آفاق تطوير العلاقات الليبيةالتونسية

قبل الخوض في غمار طرح أفكار تتعلق بتطوير وتعزيز العلاقات بين البلدين الجارتين، وبشكل ينبغي أن يخدم مسار تحقيق المصالح المشتركة لشعوبها وليس لحكامها، ونظرًا إلى ما آلت اليه الأوضاع فيهما بعد ثورات/انتفاضات مطلع 2011، مع التحسن النسبي لها في تونس، والتأزم الحاصل في ليبيا، يجب الإجابة على السؤال المطروح على الساحة في هذه الآونة، ألا وهو: هل أصبحت ليبيا تشكِّل تهديدًا حقيقيًّا ومباشرًا ووحيدًاعلى أمن واستقرار تونس؟ للإجابة على هذا التساؤل، ينبغي توضيح جملة من الحقائق والمعطيات التالية:

1) لا مجال للإنكار، أو الاجتهاد بالإفصاح الاجتراري، عن حقيقة أن تأزم الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية في ليبيا حال دون قيام دولة بمفهومها العصري. إن انتشار الاسلحة والمروق وتمترس التطرف والإرهاب وتمدده عبر دول الجوار، وذلك بسبب ترهل بل غياب الرقابة على الحدود، وتنامي الجريمة المنظمة والتهريب والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وهيمنة ثقافة المنتصر والغنيمةوالانتقام والصراع على السلطة والنفوذ؛ ناهيك عن تكلس رواسب الحكم الشمولي في ليبيا، والتي عملت على كبت وتجريم الممارسات الديمقراطية وتغييب المؤسسات وحجر الوعي والثقافة السياسية، أسهمت إلى حدٍّ كبير في تكريس حالة هشاشة الدولة، بل تكاد تصل بها إلى مصافِّ الدول الفاشلة، مما ستنعكس تداعياته سلبًا على كافة دول الجوار، دون استثناء.

2) إن ما حصل في ليبيا أثناء فترة الحرب ضد ترسانات وأدوات النظام السابق كان بدعم إقليمي ودولي لا محدود، وتونس كان لها السبق في ذلك. لقد كانت (تونس)، بفعل الظروف المصاحبة لتلك الفترة، ودون مدعاة للشك، الرئة التي تنفست من خلالها الانتفاضة في غرب ليبيا، وخاصة منطقة جبل نفوسة. خلال تلك المرحلة الحاسمة والخطيرة، وفَّرت تونس، حكومةً وشعبًا، المساعدة والحماية والظروف الملائمة لنزوج العديد من الأسر الليبية من ويلات الحرب، وتحديدًا من مناطق غرب ليبيا. كما كانت (تونس) موقعًا استراتيجيًّا لفرق العمل الليبية التطوعية التي ناصرت ودعمت الثورةماديًّا وفنيًّا وإنسانيًّا، والممر الآمن للدعم اللوجستي وتحركات المقاتلين والأسلحة والذخيرة والأموال من الخارج (من ليبيين وغيرهم)، وبدراية وموافقة تونسية، لأنها كانت من مقتضيات تحقيق النصر ضد آلة حرب النظام الأوتوقراطي القمعي. إلا أن هذا لا ينفي حقيقة أن هذا المتنفس سمح أيضًا لرموز وقيادات النظام السابق بتهريب ما نهبوه من أموال خارج ليبيا، والتحرك لتشويه وكبح جماح الثورةعبر عدة سبل، حيث لا يزال نشطًا (مثل ما يسمى بـالجيش الإلكتروني“)، وذلك بغية الانتقام، وقطع السبيل أمام قيام دولة في ليبيا تخوفًا من مثولهم أمام المحاكم ومقاضاتهم.

من خلال ما سبق، وبعد مرور سنوات على الانتفاضات، وما آلت إليه الأوضاع في كلا البلدين، يجب التذكير بأن الاستمرار في توجيه الاتهامات لا يجدي نفعًا، ولا يشكِّل مخرجًا للأزمات التي نعانيها جميعًا، لأن الواقع يفرض على الكل (أقصد كل الأطراف المعنية) أن يكونوا جزءًا من الحل، وليس المشكل فقط. عند استحضار التاريخ، والكف عن القفز على الحقائق، يمكن رصد الملاحظات التالية:

أولًا: خلال فترة الحصار الدولي على الشعب الليبي في مطلع التسعينات من القرن المنصرم، وأثناء السنوات العجاف (1980-1988) التي مارس خلالها النظام السابق أبشع صور القهر والظلم والعسف والإعدامات العلنية والتصفيات الجسدية ضد الليبيين، وخاصة المناوئين لنرجسيات وسياسات معمر القذافي، بما في ذلك التطبيقات المجحفة والمعيقة لعجلة التنمية وفق ما ورد من في كتابه الأخضر، مرفقًا بممارسة شتى طرق العبث بالاقتصاد الليبي (منها على سبيل المثال لا الحصر: الاستيلاء على الممتلكات والأموال/ التأميم شبه الكامل للقطاع الخاص/ استشراء وتفاقم حجم الفساد المالي والإداري والأخلاقي). كما دُمِّر خلالها ما تبقى من بنى تحتية (خاصة قطاع الصحة)؛ كانت تونس، واستمرت على هذا الحال حتى اللحظة، الملاذ السهل بالنسبة لليبيين سواء فيما يتعلق بالعلاج أو التجارة أو الاستثمار أو التبضع أو السفر عبر مطاراتها أو السياحة أو تهريب العملات الصعبة والوقود والسلع المدعومة.

بالمقابل، ومن خلال لغة الوقائع والمعطيات الرقمية، شهدت تونس (وخاصة جنوبها المهمش، حسب ادعاءات ومطالبات قاطنيه) تحسنًا معيشيًّا وازدهارًا اقتصاديًّا ملحوظًا لا يمكن تجاهله. لكن جُلَّ مردود الانتعاش الذي حصل في الجنوب التونسي، والذي حصل، ولا يزال، بمباركة مستترة من قبل السلطات التونسية لكونه يزيح عبء تحملها لمسؤولية تحسين معيشة سكان الجنوبيعد نتيجة للتهريب مما أسهم إلى حدٍّ كبير في ترسيخ الاقتصاد الرماديأو اقتصاد الظلالذي تنجم عنه تشوهات وانعكاسات وخيمة على المدى البعيد، لأنه يعتمد على ظروف وأزمات مرحلية تعيشها ليبيا، لا على أساس نظرة استراتيجية واقعية.

ثانيًا: رغم ما حصل من انعكاسات سلبية على الاقتصاد الليبي، جرَّاء تنامي ظاهرة تهريب الأموال وكافة السلع المدعومة، بما في ذلك الوقود والمحروقات، من قبل شبكات تهريب مشتركة تتخذ من المناطق المتاخمة على الحدود معاقل لها، وتمارس الجريمة المنظمة جهارًا، ودون رادع، لم نشهد أي استهجان أو استياء من قبل من يكيلون الاتهامات حيال ما يجري من أضرار جمة على مقدرات الشعب الليبي.

قد يتحجج البعض بأن كل دولة تبحث عن مصالحها بذريعة أن هذا ما هو إلا ضرب من البراغماتية السياسية، وهم محقون في ذلك دون أدنى شك، وهذا ليس محل سجال أو خلاف، ولكن هذا لا يعني البتة الاستمرار في التعامل مع ليبيا كما سبق، مما يستوجب الأمر مراعاة ترسيخ القاعدة الذهبية في علاقات الدول والتي مفادها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة“.

ثالثًا: لقد نوهنا ونبهنا في العديد من المناسبات والإسهامات، بما في ذلك ضمن المناشط الفكرية التي شاركنا بها في تونس، واللقاءات التي أجريناها مع وسائل الإعلام التونسية، وبكافة أطيافها، أن الوقت قد حان لإعادة بلورة/عقلنة العلاقات الليبيةالتونسية، والتأسيس لمرحلة جديدة، عبر حوار أكاديمي مشترك، ينطلق من الاعتراف بحقيقة أن الطرفين جزء من المشكل، ويتحلى بالموضوعية والشفافية والجدية، ليجمعهما بغية البحث عن مخرج عملي لهذه الأزمات والمختنقات، وتكثيف الجهود من أجل تنوير الرأي العام وتوعيته وفق رؤية حضارية موحدة، ومن ثم دفع السلطات المعنية لتحمل المسؤولية، وتبنِّي مقاربة التعاون والمصير المشترك.

في هذا السياق، أزعم بأن أهم الأفكار التي يجب أن تُطرح في هذه المرحلة العصيبة ضرورة استيعاب أن الإرهاب والتهريب صنوان متلازمان كلما تقتضي الحاجة والظرف إلى التماهي بينهما، وبالتالي أرى أن من ضمن أنجع السبل لمكافحة الإرهاب العمل على محاربة التهريب.

لذا، يجب على الطرفين التنسيق والحزم بخصوص الفساد المالي والإداري المستشري في بعض القطاعات الأمنية لكلا البلدين، لكونها المعنية بالأساس للقيام بهذه المهمة الضبطية الملحَّة. كما تجب الإشارة إلى أن المهرِّب لا يعترف بالتخصص في تهريب سلعة معينة؛ وبالتالي لا يجد غضاضة أو يتوانى عند توافر الفرصة والظرف المناسب لتهريب أي شيء يدر عليه مزيد الثروة والمال، وخاصة ما قلَّ وزنه وغلا ثمنه، ومنه السلاح والذخائر والمخدرات، والبشر أيضًا.

رابعًا: تأسيسًا على ما سبق، يجب التركيز على تعزيز وتطوير التعاون المعلوماتي/الأمني، وفرز الخلايا المندسة التي تخترق مفاصل الدولة الحساسة، والمتمثلة بشكل أكبر في شبكات الفساد والتطرف والدولة العميقة، والعمل على تفعيل التنمية المكانية، لأننا على قناعة بأن التشبث باستمرار تفعيل فكرة الجدار أو السد العازلسوف لن تجدي نفعًا، وذلك لعدة أسباب، لعل أبرزها:

أن الأعمال الإرهابية المؤلمة التي وقعت في تونس لم تقتصر على ارتباطها بتأمين الحدود مع ليبيا فقط، لأن ما حصل من جرائم عدائية ضد الجيش التونسي في جبل الشعانبي المحاذي للحدود مع الجزائر، وكذلك القضاء أو القبض على عناصر وخلايا إرهابية في ولاية قفصة ومدن تونسية أخرى عقب جرائم باردو وسوسة ووسط تونس العاصمة لها امتدادات في مالي وبعض دول جنوب الصحراء يوضح مدى القصور في اختزال المشهد الأمني بهذه الطريقة.

أضف إلى ذلك، أنه لا ينبغي تجاهل السواحل البحرية غير المؤمَّنة بشكل كامل وفعال، والتي تشكِّل بديلًا متاحًا للتسلل والتهريب والإرهاب.

أن التهريب، ومنذ عقود، كما أشرنا سلفًا، شكَّل المصدر الأساسي للاسترزاق بالنسبة لجل قاطني المناطق الحدودية، وبالتالي كانت الخشية أن تكون ردود فعل المهربين عكسية حين الشروع في تنفيذ هذا العازل، (وهذا ما حصل) حيث إن الأحداث المتكررة من الإضرابات والاحتجاجات وأعمال العنف التي تقع في الجنوب التونسي كلما زاد الضغط الرسمي على التهريب أو انسيابية الحركة عبر المنافذ ما هي إلا مؤشر لتأكيد هذه الفرضية. هذا يتطلب ألا تخضع هذه المناطق وقاطنوها، بما في ذلك المتاخمة على الحدود في البلدين، لتكميم الأفواه عبر منحها فرص تحسين معيشتها بطرق غير مشروعة والتعيش على الاقتصاد الرمادي والأزمات وأساليب الابتزاز والمساومات السياسية، بل يجب أن يقوم الجانبان، الليبي والتونسي، بإقامة شراكة تكاملية ومشاريع تنموية حقيقية

أن تمترس الفساد عبر المنافذ سوف يتصلب عوده لأن منظومات الفساد هي المستفيد الأكبر من تضييق الخناق على المواطنين، والمهربون على وجه التحديد.

ختامًا، في هذه المرحلة ينبغي توخي الموضوعية في الطرح، والعمل المشترك لحماية أمننا ومكتسباتنا جميعًا من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة، ولدعم مسيرة توطيد العلاقة بين البلدين الشقيقين، بما يخدم المصالح المشتركة.

كما أقترح أن تقوم الدبلوماسية التونسية، الرسمية والأهلية، بدور أكثر إيجابية وفعالية، ليس عبر التصريحات والمجاملات فقط، في دعم مسارات الحل السلمي للأزمة الليبية، والتوصل إلى توافق بخصوص حكومة موحدة لكونها تصب في مصلحة تونس وأمنها كذلك، لأنه يمكن الجزم بأن هناك من يتربص ويسعى جاهدًا وعبر كافة السبل لدس السم في العسل، وبث الفتن ونشر الإشاعات الهدامة لتكريس وهم الترحم على الماضي، وتأجيج الخلافات بين شعبين تربطهما أواصر متينة مدججة بحتمية المعطي الجغرافي/التاريخي/المجتمعي، والمصلحي أيضًا.

***

د. أحمد علي الأطرش، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة طرابلس، ليبيا

______________

مواد ذات علاقة