اعداد: د. مرعي علي الرمحي

ان هذا البحث يقوم على دراسة واقع التعليم الجامعي والعالي في ليبيا واثره على سوق العمل الليبي باعتباره مؤسسة تربوية متخصصة في إعداد الشباب للمجتمع كونهم يمثلون الثروة البشرية الفعلية التي تسهم في إعمار البلاد وتطويرها .

الجزء الثاني

ثالثا: غياب الفلسفة العملية والأهداف داخل مؤسسات التعليم الجامعي والعالي

 بالرغم من ان الفلسفة العملية للمناهج المعمول بها داخل مؤسسات التعليم تمثل العمود الفقري الذي تقوم عليه تلك المؤسسات .  الا أن هناك دراسات علمية تؤكد أن هناك انتقاص  لهذه الفلسفة  ”  قيمياً ” بالرغم من انها هي التي تحدد قيمة ومكانة تلك المؤسسات العلمية .   

وبالتالي يمكن لنا القول ان أبرز عيوب الفلسفة التعليمية التي تعاني منها مؤسسات المعاهد العليا  والتعليم الجامعي في ليبيا في النقاط التالية :

–  عدم وجود فلسفة عملية محددة مكتوبة .

–  الفلسفة القائمة داخل تلك المؤسسات عبارة عن إشارات متفرقة ومختصرة جاءت في قانون تنظيم الجامعة الليبية عام 1955 م .

–  فقدان الانسجام والتوافق بين التوجهات الفلسفية للمؤسسات العلمية ومتطلبات سوق العمل الليبي بدليل ارتفاع عدد العاطلين بين خرجين الجامعات  والمعاهد العليا  

رابعا . إشكالية غياب التخطيط العلمي داخل مؤسسات التعليم الجامعي والعالي :

 كما هو معروف يعرف التخطيط بمعناه العام بانه ” فن الوصول إلى تحقيق الأهداف بأفضل طريقة ممكنة ”  

الا ان أن التعليم الجامعي والعالي  في ليبيا مازال يعاني من إشكالية غياب التخطيط الفعال . وعجز تلك المؤسسات العلمية عن تحقيق أهدافها التي تطمح إلى تحقيقها تلبيةً لمتطلبات المؤسسة الجامعية  و متطلبات سوق العمل . ومن المهم الاشارة الى تلك المشاكل العلمية المتمثلة في النقاط  التالية :  

–  عدم نجاح التخطيط في تزويد المجتمع بالكوادر البشرية المؤهلة في العديد من التخصصات لاسيما العلمية منها .

–  عدم قدرة التخطيط في تحقيق التوازن بين تخريج الكوادر واحتياجات سوق العمل “المجتمع” والذى اساسه غياب التنسيق بين جهات التخطيط في المجتمع و جهات التخطيط في الجامعات والمعاهد العليا  .

خامسا . غياب سياسة قبول ناجحة داخل ادارات التعليم الجامعي :

ان هذه المشكلة تعتبر من بين أهم المشاكل القائمة في كافة مؤسسات التعليم الجامعي والعالي تلك الإجراءات التي لم تكن تمتلك معرفة منطقية تجاه مسألة الأعداد التي تستوعبها تلك الجامعات . ويمكن تلخيص أهم تلك المشاكل المتعلقة بسياسات القبول بمؤسسات التعليم  العالي و الجامعي والعالي في التالي :

–   ان سياسات القبول لا ترتكز على مبدأ التخطيط العقلاني الرشيد الذي يربط بين حاجات سوق العمل وقدرة وإمكانيات الجامعات والمعاهد العليا على توفير الكوادر البشرية المؤهلة 

–   عدم اعتماد سياسات القبول على مبدأ “الرغبة الحقيقية للطالب” وفقاً للمعايير الدولية المعمول بها في الجامعات، بالإضافة إلى احتياجات سوق العمل والقدرة الاستيعابية لهذه المؤسسات.

–  افتقار سياسات القبول إلى الإرشاد والتوجيه التربوي والنفسي اللذين يساعدان الطالب في اختيار التخصص المناسب الذي يقيده في المستقبل

المطلب الثالثدور السياسات الحديثة التي تساعد على ربط  مؤسسات التعليم العالي و الجامعي بسوق العمل

في الواقع تتفق كافة الدراسات العلمية على حقيقة فكرية موضوعية مفادها: ( إن المسارات المختلفة للعملية التعليمية تهدف إلى توفير المعرفة والعلوم والتفاعل مع سوق العمل ) .

وبناء على ذلك  فانه من أجل الوصول إلى هذه الغاية المقصودة وتذليل الصعاب التي تعاني منها كافة مستويات العملية التعليمية الجامعية  ينبغي وجود حلول موضوعية قائمة على الدراسة العلمية للواقع العلمي وتملك النظرة الاستشرافية للواقع التعليمي في  ليبيا .

ومن بين أهم تلك السياسات البديلة  نحدد التالي  :

أولاً  : السياسة المثلى في قبول الطالب .

كما هو معلوم تبدأ الخطوات الأولى لنجاح العملية التعليمية في الجامعات الليبية في الاختيار المبدئي للطالب والمتمثلة في :

عدم التقيد بنتائج الشهادة الثانوية أو التخصصية. بل العمل على إجراء نظام قبول حديث مبني على عقد اختبارات تحريرية وشفوية للطالب تمشياً مع متطلبات فروع التخصص .

ربط سياسات القبول بالاحتياجات الفعلية لمتطلبات سوق العمل الليبي .

وجود سياسة قبول واضحة المعالم مستقرة نسبياً وتتغير بمقدار احتياجات المجتمع والتطورات العلمية .

الامتحانات المعمول بها في الشهادة الثانوية ينبغي أن تركز على “قدرات الاستعدادات” الطالب الحقيقية التي تساعده على اتباع التفكير العلمي .

وجود نوع من النشاط الإعلامي الذي يوفر المعلومات والبيانات عن التخصصات المتعلقة بكل كلية داخل الجامعات الليبية .

ثانيا .السياسة المثلى لتفعيل دور عضو هيئة التدريس الجامعي

ان مسالة الأداء الأمثل للأستاذ الجامعي داخل مؤسسته التعليمية تحتاج الى توفير السياسات العلمية التالية والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية  :

(1)- الأستاذ الجامعي الوطني  .

–  تحقيق التواصل العلمي بين أعضاء هيئة التدريس الوطنيين بنظائرهم في الجامعات الأخرى من خلال: ” المؤتمرات ؛  الندوات ؛ التفرغ العلمي ؛  الاشتراك في الدورات  ” .

–  توفير الحاجات الأساسية لأعضاء هيئة التدريس والتي من بينها ” الرعاية الصحية  ؛ توفير السكن اللائق ؛  التشجيع في المشاركات العلمية والندوات؛ نشر مؤلفاته ؛  تمكينه من سنوات التفريغ العلمي  “.

–   استمرار الإيفاد من أجل تنوع المدارس العلمية وتفعيلاً لبرامج الدراسات العليا في الداخل والخارج.

–   تقنين العبء الدراسي بحيث يكون البحث العلمي وخدمة المجتمع جزءاً منه

(2) الأستاذ الجامعي الأجنبي

وفى هذا الجانب ينبغي التقيد بالمعايير العلمية لاختيار أعضاء هيئة التدريس من خارج الجامعة والمتمثلة في:

–   التأكد من الكفاءات العلمية.

–   الاطلاع على خبرة التدريس الجامعي.

–   التحقق من الجامعة التي تخرج منها.

–   وجود استبيان عن نشاطاته العلمية قبل التعاقد.

–  الابتعاد عن الاختيار العشوائي الذي يؤدي إلى تدني مستوى التعليم الجامع والعالي

ثالثا . توفر  السياسة الموضوعية الرشيدة داخل الادارات  الجامعية .

 ان فن الإدارة يمثل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها كافة المشروعات والمؤسسات والبرامج والخطط والسياسات البسيطة و الاستراتيجية كونها تمثل العصب الرئيسي الذي يحرك كافة الوسائل والأدوات التي تؤدي إلى التنسيق و الجودة  والكفاءة والإنجاز في أداء الأعمال المراد القيام بها. لذلك تعتبر الإدارة جزء مهم في تحقيق أهداف العملية التعليمية باعتبارها تعمل على تحقيق التالي :

–  تساعد الادارة الموضوعية الرشيدة في التنظيم والتخطيط والمتابعة لبرامج وأهداف مؤسسات التعليم.

–  تعمل الادارة الموضوعية الرشيدة على خلق “آلية” إدارية تدير كافة شؤون التعليم العالي والتشاركي بأسلوب تنسيقي أمثل.

–  تحقق الادارة الموضوعية الرشيدة قدر أكبر من مبدأ الاستقرار في القوانين واللوائح التي تنظم طبيعة عمل مؤسسات التعليم الجامعي والعالي.

–  تعمل الادارة الموضوعية الرشيدة على إنشاء جهاز أعلى للتعليم العالي يكون مسؤول على عمليات الادارة في مضامينها العامة والمتمثلة في التنظيم و التخطيط والتوجيه و التنسيق والمتابعة  لمؤسسات التعليم الجامعي والعالي 

رابعا. العمل على ايجاد سياسة  مثلى تجاه برامج البحث العلمي  .

كما هو معلوم يمثل البحث العلمي أحد الخصائص التي تميز المجتمعات الإنسانية عن بعضها البعض.  بل اصبحت المجتمعات الإنسانية تتمايز فيما بينها بمقدار ما تمتلكه من قيم علمية ابتكارية تسهم من خلالها في تطوير نمط معيشتها وصولاً إلى مرحلة ( الرفاهية ) التي تسعى إليها كافة الجهود الإنسانية من خلال السياسات السياسية و الاقتصادية والاجتماعية. بل والسياسات العلمية تحديداً كونها الوسيلة الأمثل والأقرب في الوصول إلى تلك الغاية.

 ويجب التذكير ان واقع المؤسسات العلمية في ليبيا يعاني شأنه شأن معظم المؤسسات العلمية في العالم اليوم من بعض المشكلات التي حالت دون تفعيل نشاط وبرمج البحث العلمي لهذه المؤسسات ولعل أهمها يتمثل في :

–   ضرورة أن تكون الأبحاث العلمية القائمة داخل المؤسسات العلمية متمشية مع متطلبات المجتمعات القائمة فيها تدعيماً للنشاط الاقتصادي لاسيما متطلبات سوق العمل الانية

–   ايجاد موازنة مالية فاعلة  تدعم متطلبات البحث العلمي داخل مؤسسات التعليم الجامعي والعالي بالقدر الذي يحقق أهداف العملية التعليمية في شقها العملي.

 – العمل على  تقليل نصاب أعضاء هيئة التدريس من أجل تفعيل دورهم في النشاط البحثي من خلال الاستمرار في  القيام بالمهام التالية :

أالاستمرارية في البحث العلمي ” النظري ، التطبيقي “

بالمساعدة في تحقيق الزيادة في عدد المنشورات من خلال إزالة الصعاب أمام التأليف والنشر. وينصح بإنشاء دار للنشر تخص المؤسسات الجامعية والمعاهد العليا الليبية”.

جتوفير الوسائل العملية في سبيل تطوير الابتكار الإنساني والمتمثلة في توفير المعامل والمختبرات للمجالات ( التطبيقية ، الإنسانية ) بالإضافة الى تجهيز المعامل بمصادر المعلومات والبيانات وربطها بمصادر المعلومات والبيانات العلمية وفق إحداث الإصدارات وتجهيز المعامل بأحدث الأجهزة الالكترونية تحسيناً لظروف التكلفة وكسباً للوقت .

دالزيادة في درجات المشاركة العلمية من خلال توسيع برامج التعاون العلمي والتقني ما بين الجامعات الليبية – الليبية وما بين الليبية والأجنبية والعمل على خلق إشكال مواءمة بين الجامعات الوطنية والأجنبية وتشجيع سياسة التخصصات في شتى العلوم الإنسانية والتطبيقية داخل الجامعات ودعمها مادياً و معنوياً وصولا بالخريج القادر على مباشرة عمله داخل سوق العمل الليبي بعد تخرجه مباشرة

توصيات البحث

    من خلال ما تم تناوله فى هذا البحث العلمي فقد تم التوصل الى جملة من التوصيات  التي يمكن ايجازها في النقاط التالية :

  1. ضرورة الربط الكامل بين السياسات الاقتصادية ومخرجات العملية التعليمة والتدريب ومتطلبات العملية الانتاجية والخدمية داخل الدولة الليبية .

  2. تحديد استراتيجية واضحة المعالم والاليات التي تتضمن القيام ببرنامج عمل لتطوير التعليم عموما من خلال التالي :

  • تطوير المناهج .

  • نوعية اعضاء هيئة التدريس .

  • وسائل التعليم المصاحبة .

  • البنى التحتية للمؤسسات التعليمية .

  1. اصلاح وتطوير الادارة التعليمية بكل مستوياتها . ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب .

  2. استحداث نظام تعليميا تتلاءم مخرجاته مع احتياجات سوق العمل من خلال القيام بالإجراءات التالية :

  • توجيه المناهج الدراسية نحو متطلبات سوق العمل

  • تعليم اكثر وافضل اللغات الاجنبية وتقنيات الحاسوب .

  • تحسين طرق التدريس للمعلمين وتكيفها نحو متطلبات سوق العمل .

  • توفير المعامل والمكتبات ومستلزمات الحاسب الألى وتوجيه الخرجين وتعليمهم العمل الجماعي والتفاعلي .

  • ايجاد السلوك الملائم وتوجيه البيئة الاجتماعية لتحسين مواقفها من العمل والانتاج .

  • الاستفادة من تجارب البلدان المتقدمة فى مضمار التنمية البشرية بخصوص تحسين جودة القوى العاملة .

  1. الحد من تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية السلبية السائدة بخصوص النظر الى الوظائف . وخلق ثقافة جديدة بخصوص فرص العمل تؤدى الى توجيه الافراد الى العمل بكل المهن والوظائف التي تخدم المجتمع .

  2. استحداث نظام تعليمي يتضمن في مناهجه الدراسية دراسات في مهارات التواصل والاتصال .

  3. العمل على زيادة الانفاق على التعليم والبحث العلمي وربط قطاع التعليم بقطاعي الصناعة والزراعة .

***

د. مرعي علي الرمحي ـ استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة بنغازي

____________

مواد ذات علاقة