بينما يترقب العالم استقراراً ليبياً مأمولاً؛ الأطراف الإقليمية المتصارعة على الأراضي الليبية مستمرة في ممارسة استقطاب غير معلن. بعدما اختار الليبيون في جنيف الأسبوع الماضي سلطة تنفيذية جديدة وموحدة لإدارة عموم البلاد، لا يزال هناك تحدٍّ شائك، هو وجود جيشين في المنطقتين.

بتوقيع الاتفاق انتهى وضع ليبي امتد نحو عقد، شهدت فيه البلاد انقساماً سياسياً ظهر في تقاسم الحكم كرهاً بين حكومتين، واحدة في المنطقة الغربية وأخرى في المنطقة الشرقية. وكان الصوت الأبرز في الشرق هو الجنرال خليفة حفتر، الذي بات مصيره مجهولاً بعد الاتفاق الأخير. وقد رحب حفتر بتشكيل السلطة الجديدة، لكن هل يتنازل عن رئاسة قواته إذ اختار رئيس الحكومة الجديدة وزيراً للدفاع غيره؟ وإذا تم اختياره، هل يقبل العسكريون في غرب ليبيا أن يكونوا تحت إمرته؟

يعتبر المحللون أن المشكلة الرئيسية هي وجود جيش في الشرق بقيادة حفتر، مدعوم من قوى إقليمية، وآخر في غرب البلاد تسانده قطر وتركيا التي تتشبث ببقاء قواتها في ليبيا.

سُلطة جديدة

صوّت ممثلون عن أقاليم ليبيا الثلاثة، برقة وفزان وطرابلس، في منتدى نظمته الأمم المتحدة في جنيف، الجمعة 5 شباط/ فبراير، على اختيار قائمة موحدة تتضمن ثلاثة أعضاء للمجلس الرئاسي بقيادة محمد يونس المنفي، واختير عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة.

لا ينتمي المنفي والدبيبة علناً لأي حزب أو جماعة. وعليه، لا يتمتعان بظهير سياسي. إذ كان رئيس المجلس الجديد وهو من شرق ليبياسفيراً في اليونان بقرار من سلفه فايز السراج، وكان في شبابه داعماً لنظام العقيد الراحل معمر القذافي.

أما رئيس الحكومة الجديدة، فهو رجل أعمال من غرب ليبيا، وكان عمه من رجال نظام القذافي. ويُحكى أن الدبيبة نفسه صار مقرباً من تركيا، لأنه يستثمر أمواله هناك، كذلك هو مقرب من الإخوان كونه من مدينة مصراتة معقل الجماعة، لكن لا يوجد أي دليل على انتمائه إلى أي من الطرفين.

يُؤخذ في الحسبان أن السلطة التنفيذية الجديدة مؤقتة، مهمتها إدارة البلاد التي مزقتها الحرب حتى إجراء انتخابات في كانون الأول/ديسمبر المقبل. ولن يترشح أعضاء السلطة الجديدة. ويُتوقع أن تُجرى الانتخابات في موعدها، لأن القوى الفاعلة على الأرض خرجت من الحكومة، وعليه لن تسعى للتمديد أو المماطلة كما حدث في الماضي.

ووافق ممثلو القوى السياسية جميعهم، قبل التصويت، على تعيين نساء في 30٪ من جميع المناصب الحكومية العليا، وحل الحكومتين الموجودتين حالياً وما نتج عنهما من مؤسسات تنفيذية موازية.

من المنتصر؟

صحيح أن ليبيا تشهد انقساماً بين حكومتين في الشرق والغرب، لكن أحد أهم أسباب هذا الوضع هو الانقسام الإقليمي، الذي ظهر مع الربيع العربي، إذ تدعم تركيا وقطر الإسلاميين في غرب ليبيا، وهم يسيطرون على العاصمة طرابلس عبر حكومة الوفاق المعترف بها دولياً.

أما الحكومة الأخرى التي تدير المنطقة الشرقية من بنغازي، برعاية الجنرال خليفة حفتر، قائد ما يعرف بـ الجيش الوطني الليبي، فقد حظيت بدعم واسع في حربها التي شنتها ضد جماعات مسلحة وحكومة الشرق، باعتبار الأخيرة ممثلة لـالإسلاميين، بدعم من روسيا وفرنسا، إلى جانب الدعم العربي ممثلاً في الإمارات ومصر والسعودية.

السؤال الذي بادر إلى أذهان الجميع عقب الإعلان عن السلطة الجديدة: إلى أي من القوى الإقليمية، المتصارعة في ليبيا، سينحاز مجلس المنفيوحكومة دبيبةاللذين يتخذان من طرابلس مقراً للحكم؟

في تقرير نشره الباحث الليبي محمد الجارح، في 7 شباط/فبراير الجاري، عبر مركز الأبحاث المستقل ليبيا دسك، رأى أن المنتصرين الواضحين في العملية السياسية هم الفصائل الإسلامية الليبية وتركيا.

كانت عملية التصويت في جنيف مصممة بأكملها لاختيار القائمة الخاسرة التي تضم وزير الداخلية في حكومة الغرب فتحي باشاغا المرشح إلى رئاسة الوزراء، ورئيس مجلس النواب في الشرق عقيلة صالح المرشح إلى رئاسة المجلس الرئاسي. ومع ذلك، أحبط بعض الممثلين تلك الخطة، مستغلين حالة الكراهية الواسعة لعقيلة صالح المدعوم من مصر وحلفائها، وفتحي باشاغا الذي أظهر أيضاً تقارباً مع القاهرة وباريس أخيراً على الرغم من تحالفه مع تركيا.

حفتر يرحب بالاتفاق، والمتحدث باسم قواته يعلن أن الاتفاق مهدد بالوجود التركي.

يذكر الجارح أن رئيس الوزراء المكلف عبد الحميد دبيبة، الذي ينحدر من عائلة ثرية في مدينة مصراتة، ليست لديه ميول أيديولوجية قوية، لكن له علاقات قوية مع الحكومة التركية من خلال تعاملاته التجارية في تركيا، واسم عائلته دبيبةتحيط به ظلال الاتهامات بالفساد والمحسوبية التي تعود إلى عهد القذافي.

ولفت محمد الجارح في تحليله إلى أن المنفيالمولود في طبرق، شرق ليبيا، من المفترض أنه يمثل حكومة بنغازي، إلا أنه، بحسب التقرير، متحالف أيديولوجياً مع السياسيين الإسلاميين، إذ كان عضواً مؤسساً للمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، وهذا يعني أنه لا يمثل التيار السياسي في مسقط رأسه في شرق ليبيا.

ونشر المنفيتغريدة غازل فيها مصر، قال فيها: “أبدأ مسيرتي في الوطن بزيارة بعد غد للعصية بنغازي، ثم لدرة الشرق طبرق، وستكون أول زيارة خارجية للقاهرة، أكبر الجيران، فيما وصف دبيبة تركيا بـالحليفة والصديقة، وقال إنها من الشركاء الحقيقيينلليبيا، وذلك في أول مقابلة صحافية مع وكالة الأناضول التركية.

حذر الجارح في تحليله من أن الانحياز إلى تركيا قد يؤدي إلى زيادة فرص اندلاع حرب أخرى في ليبيا بين الإسلاميين في الغرب والشرق بقيادة حفتر الذي رحب بتشكيل السلطة الجديدة، مؤكداً على ضرورة إجلاء القوات التركية.

في تصريح لوكالة سبوتنيك الروسية، أكد ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن الحكومة الليبية الجديدة، برئاسة الدبيبة، تدعم الدور التركي في بلادها، لافتاً إلى أن الاتفاقيات التي عقدتها أنقرة مع حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، لن تتأثر بانتخاب الحكومة المؤقتة“.

بالعودة إلى تحليل الجارح، فإنه يرى أن الخاسريْن الواضحيْن هما مصر وفرنسا، إذ وضع كلا البلدين رهانهما على عقيلة صالح، الذي كان يترأس القائمة الخاسرة.

ولفت إلى أن عقيلة وحفتر يتنافسان على قيادة معسكر الشرق، وغضب الجنرال من رهان القاهرة وباريس على رئيس مجلس النواب، مشيراً إلى أن فرنسا خاسرة بدرجة أكبر لأن الحكومة الجديدة غريبة عنها تماماً ولها روابط أكثر أهمية مع تركيا.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تصريحاته أن هذه السلطة مؤقتة، مشيراً إلى أن القاهرة ستدعمها. أما الرئيس الفرنسي، فقد دعا محمد المنفي إلى زيارة باريس في أقرب وقت ممكن.

شرعية الحكومة

على الرغم من أن القوى الإقليمية والليبية سارعت إلى الترحيب بالسلطة الجديدة، ومنهم خليفة حفتر نفسه، شككت وسائل إعلام محسوبة على الإمارات وحفترفي نزاهة التصويت الذي جرى في جنيف للاختيار بين المرشحين، إذ أشاروا إلى تاريخ دبيبةفي شراء الأصوات.

في هذا السياق، قال الباحث والمحلل السياسي طارق المجريسي في تغريدة على تويتر، إنه من المحتمل أن يكون هناك رفض للحكومة من قبل عقيلة صالح وآخرين، تظهر من خلال الهجمات على نزاهة العملية، والاتهامات بشراء الأصوات التي ظهرت خلال الاجتماع الأول بين الطرفين في تشرين الثاني/نوفمبر، ووعدت الأمم المتحدة بفتح تحقيق في الاتهامات بتورط الدبيبة“.

وأبدى رئيس وزراء الحكومة الليبية المؤقتة عبدالله الثني الاستعداد لتسليم السلطة للحكومة الجديدة لكن إذا تم اعتمادها من مجلس النواب بشكل قانوني، وعليه سيظل مصير السلطة الجديدة على المحك.

حفتر وفاغنر

في رأي المحلل السياسي الليبي فرج فركاش، هناك تطمينات تلقاها حفتر من مقربين من المنفي، وقد سارع إلى مباركة انتخاب السلطة الجديدة، بل أقر أحمد المسماري الناطق باسم قوات حفتر أن المجلس الرئاسي الجديد يمثل الآن القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية التي يقودها في شرق البلاد، وإن عاد المسماري لاحقاً لإطلاق تصريحات، أبرزها الإعلام في مصر والإمارات، ترفض الوجود التركي وتهدد بانهيار الاتفاق نتيجة العلاقة بين السلطة الجديدة وتركيا.

وقال فركاش لرصيف22: “في اعتقادنا، يرجع هذا إلى وعود بأن حفتر ستكون له الكلمة أيضاً في تسمية مرشحيه لبعض الوزارات الحساسة، وأهمها ربما وزارة الدفاع“.

ورأى الكاتب الليبي أن تهديد البيان الخماسي الأخير من الدول الغربية بعقوبات، وربما العزلة الدولية للمعرقلين للاتفاق، ساهم أيضاً في سرعة ترحيب بعض القوى الفاعلة في الداخل الليبي بنتائج ملتقى الحوار السياسي.

وقال فركاش: “في تصوري أن حفتر يريد وزير دفاع موالياً لضمان الدعم المالي والعسكري. أما موضوع قيادة الجيش فلن تحسم إلا من خلال توحيد الجيش، ربما من خلال مجلس عسكري مصغر تتساوى فيه الأطراف في كيفية اتخاذ القرار حتى لو ترأسه شكليا حفتر. عدا ذلك، أعتقد أن حفتر سيستمر في الشرق ولكن تحت قيادة المجلس الرئاسي“.

غموض يحيط بمستقبل حفتر السياسي، والموقف الروسي الحقيقي من الاتفاق في ظل وجود قواتها غير الرسمية على الأراضي الليبية.

ومن الموضوعات الشائكة وجود قوات روسية مرتزقة تابعة لشركة الفاغنر في ليبيا، وتسيطر على مدينة سرت وقاعدة الجفرة، ودعمت قوات حفتر في الهجوم على العاصمة طرابلس في العام الماضي.

في هذا الشأن، قال فركاش: “سيتوقف مصير الفاغنر على مدى تعاون روسيا وقبولها مخرجات الحوار السياسي، ويتبين هذا في الأيام المقبلة عندما يحاول مجلس الأمن إصدار قرار ملزم للأطراف الداخلية والخارجية، للتشديد على خروج جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب“.

وأضاف فركاش : “لو عرقلت روسيا صدور هذا القرار فسنعلم أن روسيا ما زالت تشعر بتهديد أمريكي/أوروبي وأن المخرجات لا تخدم مصالحها“.

___________

مواد ذات علاقة