علي عبداللطيف اللافي

وتيرة الاحداث في ليبيا اكثر مما يتوقع البعض فالبلد الذي كان يعاني الصراعات يتحول بخطى حثيثة نحو سلم اجتماعي، وعشية مباشرة “ديبية” لمهامها تعلن مؤسسة النفط انهاء احتجاز العائدات وتحويلها للبنك المركزي الليبي.

بل أن مؤشرات الانفراج المعيشي في بلد كانت لغة الحروب سائدة فيه منذ اشهر تحت مظلات حرب بالوكالة خاضتها اطراف ليبية بدعم من أذرع إقليمية تشتغل لصالح اجندات دولية كل همها في الأخير هو نهب الثروات الليبية والمرور اليسير للعمق الافريقي.

ولكن ماهي عمليا حيثيات وتفاصيل الانفراج المعيشي في ليبيا اليوم خاصة وان صراع السنوات السبع المحتدم منذ صائفة 2014 قد عمق ازمة الخدمات الاجتماعية والسيولة وغياب غير المبرمج للكهرباء وانقطاع الانترنت في أكثر من مرة في اليوم الواحد؟

1- حيثيات انتهاء احتجاز عائدات النفط

تم منذ يومين أنهاء احتجاز المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، لعائدات تصدير الخام الذي استمر لأكثر من أربعة أشهر، بل أن المؤسسة الأبرز في ليبيا قد قررت إعادة تحويل تلك العائدات إلى المصرف المركزي، وتزامن ذلك مع يوم تسلم حكومة الوحدة الوطنية التي نالت الثقة وسط الأسبوع الماضي لمقراتها ومهامها.

هذه الخطوة ستقلص فعليا من الصعوبات الاقتصادية التي واجهتها الدولة بسبب الانقسامات التي طالت مؤسسات الدولة خلال الفترة الماضية، فيما يأمل الليبيون تحسن الظروف المعيشية التي تضررت بشكل بالغ بسبب الصراع.

وأعلن رئيس مجلس إدارة مؤسسة النفط”مصطفى صنع الله”، في منشور له بداية الأسبوع الحالي عقب لقائه رئيس الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد محمد الدبيّبة” في طرابلس، أن “الترتيبات الوقتية” التي اتخذتها المؤسسة بشأن إيداع عائدات النفط في حسابها بالمصرف الليبي الخارجي “انتهت بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية”.

وقال إن “الإجمالي التراكمي للإيرادات النفطية المحتجزة منذ رفع حالة القوة القاهرة وحتى العاشر من مارس/ آذار 2021 بلغ 7.76 مليارات دولار متضمنة حقوق الشركاء وحقوق المؤسسة ولا تشتمل الإتاوات والضرائب”.

2- أولى الترتبات انفراج معيشي مُرتقب، وآمال في السلم الاجتماعي

كل المراقبين والمحللين والمتابعين أعربوا عن تفاؤلهم بخطوة مؤسسة النفط الليبية مشيرين في قراءاتهم وتحاليلهم إلى أن عودة إنتاج النفط إلى الارتفاع وصعود الأسعار العالمية أخيراً يُعزز عمليا مالية الدولة ويساهم في تنفيذ المشروعات التنموية لتحسين الخدمات الأساسية.

إن إنهاء الانقسام يعزز إنتاجية النفط التي يتوقع أن تصل إلى مليوني برميل يوميا في الفترة المقبلة، كما أن حجب الإيرادات كان قراراً غير صائب من قبل المؤسسة الوطنية للنفط عندما تم اتخاذه منذ أشهر ، ومعلوم أن قطاع النفط في ليبيا يُسيطر منذ ستينيات القرن الماضي على الأنشطة الاقتصادية المختلفة، بل أنه أصبح المصدر الرئيسي للدخل القومي في البلاد حيث يُوفر نحو 95% من الإيرادات المالية، حسب البيانات الحكومية، وكانت عائداته تتراوح سنوياً بين 40 مليار دولار و45 ملياراً قبل عام 2013 وفقًا لتقارير سابقة للبنك الدولي.

يعرف الجميع أن العائدات هوت في السنوات الثلاث الماضية وعمليا رفعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية خلال الأسبوعين الماضيين توقعاتها لإيرادات العام الحالي في ظل ارتفاع الأسعار عالمياً إلى 30 مليار دولار، بدلا من 15 مليار دولار متوقعة سابقا.

بالتال فمتوسط الإنتاج المتوقع يتراوح بين 1.3 مليون برميل يومياً إلى 1.5 مليون برميل، وصولا إلى مليوني برميل في 2023 من خلال تطوير بعض الحقول، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن ليبيا تحتاج لأن يبلغ سعر برميل النفط 57 دولاراً لتحقيق التوازن المالي هذا العام، و70.3 دولاراً العام المقبل.

فعليا تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في أفريقيا، حيث تبلغ 48.4 مليار برميل. وكان رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، قد قال في تصريحات سابقة منذ أسابيع إن خسائر الإنتاج والبنى التحتية للنفط والفرص الضائعة على الدولة بسبب الإقفال غير القانونية للحقول والموانئ خلال السنوات التسع الماضية ناهزت 231 مليار دولار.

والثابت اليوم أن انفراج أزمة الإيرادات النفطية خطوة جيدة تحسب للحكومة الجديدة، ذلك أن توفير الموارد المالية سيعني القدرة المباشرة على تدبير احتياجات استيراد السلع الأساسية والأدوية والتي تصرف من احتياطيات ليبيا من النقد الأجنبي المتراجع بالأسس لمستويات غير مطمئنة.

عمليا ورغم تحسن إنتاج النفط في الأشهر الأخيرة، إلا أنه يظل أقل من مستوياته البالغة 1.6 مليون برميل قبل عام 2012، حيث بلغ مساء الاثنين الماضي 1.26 مليون برميل، وفقا لإدارة التسويق في المؤسسة الوطنية للنفط، وعمليا لا يزال هناك الكثير من الانقسامات بين الفصائل المختلفة، التي يرى محللون أنها لن تُحل بسهولة قبل الانتخابات المقررة في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

وستعمل الحكومة الجديدة بكل جهدها لاستعادة الخدمات الرئيسية بعد عقد من الاضطرابات منذ الإطاحة بالقذافي، ولكن حكومة دبيبة ستكون قادرة على انهاء انقسام المؤسسات بين الشرق والغرب وهو ما يُعزز الآمال والتي من شأنها أن تبث الاستقرار بقطاع النفط في ليبيا وأن تقلل احتمالات إشعال أي اطراف للقتال، وهو ما يعني عدم إغلاق الموانئ والحقول، والمصافي مجدداً مثلما كانت تأتيه المليشيات سواء التابعة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر أو تلك التابعة لمناوئيه.

يؤكد تقرير حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأميركي “ستراتفور”، أن “إنتاج النفط الليبي سيظل على الأرجح مستقراً، وستظل احتمالات الصراع الأوسع منخفضة”، ووفقا لرئيس المؤسسة الوطنية للنفط، فان المؤسسة تُخطط لتشغيل حقول بترول جديدة في الأشهر المقبلة في حوضي “سرت”، في وسط البلاد، و”غدامس” في الغرب، كما تعمل على إعادة تشغيل الحقول المغلقة نتيجة الهجمات التي تعرضت لها، مشيرا إلى أن هذه الخطط الطموحة ستعتمد على استمرار السلام، وحصول المؤسسة الليبية للنفط على موازنة كافية من الحكومة لإصلاح البنية التحتية للطاقة.

وفعليا تُعول مؤسسة النفط على شركات الطاقة الأجنبية مثل توتال، وإيني، وريسبول لزيادة الإنتاج، فيما ينتظر أن تتلقى دعما من حكومة الوحدة الوطنية لتحقيق ذلك، حيث عينت الحكومة الانتقالية وزير بترول وغاز، وهو منصب لم يُشغل من سنوات، ليتولى ممثل ليبيا السابق في منظمة الدول المنتجة للنفط “أوبك”، محمد أحمد عون، الحقيبة الوزارية، ومعلوم أنه تحت قيادة صنع الله (تولى منصبه في 2014)، كانت مؤسسة النفط الليبية واحدة من المؤسسات القليلة القادرة على العمل عبر انقسامات ليبيا السياسية، وتمكنت من إحكام سيطرتها على صادرات البترول برغم محاولات المقاتلين السيطرة على الحقول، وخطوط الأنابيب والموانئ في مناطقهم.

وقد أكد “صنع الله” في آخر تصريحاته أن المؤسسة مستعدة للعمل مع الحكومة الجديدة، وستظل محايدة سياسياً، مضيفا أن “الدور السيادي المتمثل في ترؤس وزير النفط والغاز محمد عون وفد دولة ليبيا لدى منظمة أوبك في الاجتماعات الوزارية وفي المحافل الدولية الأخرى أمر هام وحيوي، ويجب أن تكون ليبيا في مصاف الدول الرائدة في الصناعة النفطية”.

كل ما سبق يؤكد أن انفراجا معيشيا بشكل متنام خلال الأسابيع والأشهر القادمة لا في ليبيا فقط بل في كل دول المنطقة وخاصة دول الجوار المباشر (الجزائر – تونس – مصر – النيجر) وستتحول ليبيا الى قاطرة ترفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلدان المغاربية بشكل رئيسي وكل دول الساحل والصحراء بشكل ثانوي.

بل أن ذلك سيتطور للتأثير المباشر في تنامي اقتصاديات تلك البلدان خاصة اذا ما استطاعت حكومة “دببيبة” وشركائها الإقليميين والدوليين في مجابهة التحديات الرئيسية على غرار الهجرة غير الشرعية والإرهاب الداعشي المتمثل في خلايا نائمة في الصحراء الافريقية إضافة الى احتواء المقاتلين والثوار وتوحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية ووضع أسس دستورية تقام عليها انتخابات 24 ديسمبر 2021 خاصة وان هذا الإنجاز الأخير يعتبر اهم الأولويات مثله مثل توفير الخدمات اليومية ( السيولة – الكهرباء – الخدمات الصحية) ومجابهة فيروس كورونا في مناطق ليبيا الثلاث.

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

__________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة