عمر كوش

آمال كبيرة تعلقها غالبية الشعب الليبي على التسوية السياسية التي تحظى برعاية أممية وتوافق دولي وإقليمي، وأفضت إلى اختيار ملتقى الحوار السياسي في (فبراير/ شباط) سلطة تنفيذية موحدة، خصوصاً بعد أن صوّت مجلس النواب الليبي، في 10 مارس/ آذار الجاري، لمنح الثقة للحكومة الانتقالية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، والسلاسة التي وسمت تسليم فايز السراج السلطة إلى الرئيس الجديد للمجلس الرئاسي، محمد المنفي، في 16 مارس/ آذار الجاري.

وتزداد طموحات الليبيين مع استمرار صمت المدافع وتواتر الخطوات السياسية في اتجاه إنهاء فصول أوضاعهم المأساوية، منذ صدر في 21 أغسطس/ آب 2020 إعلانان متزامنان عن وقف إطلاق النار من رئيس المجلس الرئاسي السابق، فايز السراج، ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح.

ثم توالت الخطوات باتجاه تمتين التسوية السياسية مع الإعلان عن اتفاق دائم لوقف إطلاق النار في عموم ليبيا في 23 أكتوبر/ تشرين أول 2020، وانعقاد ملتقى الحوار الليبي الذي تشكّل من طيف واسع من القوى السياسية والمجتمعية برعاية الأمم المتحدة، وانتخب سلطة تنفيذية، ممثلة في أعضاء ثلاثة لمجلس رئاسي يمثل أقاليم ليبيا الثلاثة، طرابلس وبرقة وفزان، ورئيساً لهذا المجلس، إضافة إلى رئيس حكومة انتقالية.

وإن كان تثبيت وقف إطلاق النار بمثابة اختبار لنيات جميع القوى والأطراف المتصارعة، ولإسهامها في إشاعة جو من الطمأنينة لدى كل الليبيين، إلا أن الحكومة الجديدة تنتظرها مهام عديدة، أبرزها تطبيق خريطة الطريق التي أقرّها ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف، والعمل على صياغة دستور جديد وقانون انتخابي، بغية تمهيد الطريق لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021.

لكن وعلى الرغم من ترحيب مختلف القوى الدولية والإقليمية، والأطراف الداخلية في ليبيا، بمنح الحكومة الجديدة ثقة البرلمان، وتعهدها بمدّ يد العون لها للقيام بمهماتها، إضافة إلى التفاؤل بالمرحلة السياسية المقبلة، إلا أن تحدّيات كثيرة تواجه السلطة الليبية الجديدة، وفي مقدمتها قدرتها على تجاوز إرث الماضي الذي خلفته سنوات من الحروب والمعارك والخراب والفوضى والصراعات القبلية والجهوية، إلى جانب الانقسام السياسي والإداري والعسكري، فضلاً عن انهيار منظومة الخدمات الضرورية لعموم الليبيين، وتفشّي ظواهر الفساد والتهريب والاتجار بالبشر وسوى ذلك.

وعلى الرغم من ملابساتٍ رافقت تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن نيلها ثقة البرلمان يضعها أمام تحدّياتٍ واستحقاقاتٍ كبيرة وعديدة تواجهها، وتؤثر على ممكنات تحقيقها مهامها، بالنظر إلى أن عمرها الافتراضي لا يتجاوز نهاية العام الجاري.

كما أنه لا يمكن الجزم بإمكانية تجاوز كل الصعوبات والتحدّيات المطروحة خلال فترة وجيزة، بسبب ضخامة المهام والمسؤوليات، إذ تشكّل مسألة توزيع عائدات النفط البالغة الحساسية مصدر توتر بين جميع الأطراف، كما أن مسألة حلّ المليشيات التي ما تزال في أماكنها، وترحيل عشرات آلاف المرتزقة، وكذلك جمع السلاح المنفلت في مختلف المناطق الليبية، تتطلّب توافقاً دولياً وإقليمياً قادراً على ممارسة الضغط اللازم على مختلف الأطراف والقوى الداخلية من أجل تحقيق كل ذلك، وجعله متحققاً على أرض الواقع.

ومع تحرّك عجلة التسوية السياسية في ليبيا، بفضل توفر عوامل داخلية وخارجية دفعت باتجاهها، فإن أنظار الليبيين تتجه إلى مرحلة جديدة تحقّق المصالحة الوطنية الشاملة، وتنهي تقسيم البلاد إلى مناطق نفود ومصالح قوى الأمر الواقع، وتقطع مع زمن الحروب والمعارك نحو تحقيق السلام والأمن والاستقرار واستعادة الوحدة وسيادة الدولة، والتي تقتضي حلّ كل المليشيات وتشكيل جيش وطني وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وإنهاء معاناة الليبيين على مختلف الأصعدة، وفي جميع المجالات والمناطق.

وبالتالي، يشكل الطموح الشعبي العام في الوصول إلى هذه المرحلة أهم تحديات السلطة الجديدة، وبوصفه أهم أولويات خريطة الحل السياسي، ومرتكز اتفاق جنيف للجنة العسكرية المشتركة الموقع في 23 أكتوبر/ تشرين أول الماضي.

نهاية الحرب لا يمكن تحقيقها إلا عبر إعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية

غير أن الرهان على انتهاء زمن الحرب الذي وعدت به السلطة الجديدة يقتضي النظر في حسابات الجهات المحلية وارتباطاتها بالقوى الخارجية وحسابات الربح والخسارة لديها، الأمر الذي يشي بأن الطريق نحو الاستقرار في ليبيا طويلة، وتعجّ بالحفر والمطبّات، فتجاوز مخلفات الحرب وآثارها في مختلف المجالات المعنوية والمادية لا يمكن أن يتم خلال مدة قصيرة، ويتطلب اتخاذ خطواتٍ جريئةٍ تنهي الاستقطاب المناطقي بين الشرق والغرب، وتعيد بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية في وقت قصير.

إضافة إلى أن نهاية الحرب لا يمكن تحقيقها إلا عبر إعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية، ويتطلب قراراً أممياً يلزم جميع القوى الدولية والإقليمية والمحلية.

ستحاول الأطراف الخاسرة من التسوية وضع العراقيل أمامها. وسبق أن شهدت ليبيا محاولات عديدة للتوصل إلى تسوية سياسية بين أطراف الصراع في ليبيا وعليها، بدءاً من اتفاق الصخيرات وصولاً إلى مؤتمر برلين، وانتهت إلى الفشل.

لذلك أخطر ما قد تواجهه التسوية العودة إلى دائرة الصراع الدامي، والذي يأمل الشعب الليبي طي صفحته، ويراهن على نجاح التسوية السياسية، كي يرى نهاية للكوارث والأزمات التي ألمّت به، آملاً في تحسين أوضاعه الإنسانية والمعيشية، وتوفير الخدمات وضرورات العيش الكريم، فهل سينجح الرهان؟

.

.

___________

توقيت مثير للتساؤل

صحيفة بريطانية تحيى قضية فساد تلطخ اسم الدبيبة

كشفت صحيفة صنداي تايمزالبريطانية في 14 آذار/مارس الحالي، في تقرير للكاتبين سامر الأطرش ومارك ماكاسكل، أن وثائق مسربة تظهر أن ابن عم رئيس الوزراء الليبي الجديد عبد الحميد الدبيبة متورط في عمليات احتيال مزعومة بقيمة 5 مليارات جنيه استرليني.

يأتي هذا الكشف بعد أيام قليلة من نشر ديوان المحاسبة الليبي لتقرير قديم يعود تاريخه إلى العام 2019، كشف فيع عن اختلاسات ووقائع فساد وإهدار للأموال الليبية بمبالغ وصلت إلى مليارات الدولارات، وهو التقرير الذي استعرضه رصيف22 في تغطية خاصة.

وربما كان هذا ما دفع الليبيون عن سر نشر هذا التقرير البريطاني في هذا التوقيت، وتسليط الضوء على الدبيبة بشكل يضعه في نفس مربع حكومة الوفاق التي نافس قياداتها الدبيبة في انتخابات اختيار رئيس الحكومة المؤقتة، التي فاز بها الدبيبة نفسه.

إلا أن طبيعة العمل الصحفي وما أعلنته الشرطة الاسكتلندية عن كونه نتيجة تحقيقات استمرت خمس سنوات، بما ينفي التصور بأن التقرير مجرد دعاية سلبية ضد الحكومة الليبية الجديدة.

تحقيق بريطاني يكشف شبكة جمعت بين شركات اسكتلندية وابن عم رئيس الوزراء الليبي الجديد لاختلاس 5 مليارات جنيه إسترليني من أموال الليبيين

ست سنوات من التحقيق

ذكر تقرير الصحيفة البريطانية أن الشبكة تضم عدد من الشركات الاسكتلندية ومسؤول حكومي ليبي سابق، وأكثر من 90 حسابًا مصرفيًا، وذلك وفقًا لوثائق بحوزة الشرطة الاسكتلندية.

وعرضت تفاصيل التحقيق الذي استمر ست سنوات، باسم «Adelanter»، في إحاطة إعلامية قدمتها الشرطة الاسكتلندية، وشاركتها مع السلطات الليبية في عام 2018.

ويكشف التقرير أن شركة اسكتلندية واحدة حصلت على عقود بقيمة 150 مليون جنيه استرليني من مؤسسات حكومية ليبية، منها منظمة تطوير المراكز الإدارية، المكلفة بتطوير البنية التحتية.

بين عامي 1989 و2011، ترأس علي دبيبة، البالغ من العمر 74 عامًا، هذه المنظمة المتهمة بالفساد. وهو مسؤول حكومي في عهد القذافي، ومُتهم بتضخيم تكلفة مشاريع البناء وإرساء العطاءات على شركات كان على صلة بها.

خلال رئاسته، يُعتقد أنه تم منح أكثر من 3000 عقد، تقدر قيمتها بنحو 25 مليار جنيه استرليني. وتقول الصحيفة البريطانية أن هذا المسؤول المتهم بالفساد قد زاد نفوذه منذ انتخاب ابن عمه عبد الحميد رئيسا للوزراء في ليبيا الشهر الماضي.

في عام 2014، استعان المسؤولون الليبيون بمكتب المدعي العام الاسكتلندي لتعقب الأموال التي زعموا أن دبيبة سرقها ومعه شريك واحد على الأقل. ويدرس المدعون الاسكتلنديون نتائج تحقيق شرطة اسكتلندا، وسط شائعات عن إمكانية اتخاذ قرار قريبًا.

في إحاطة صاغها المحققون الاسكتلنديون في ذروة تحقيقهم في عام 2018، تبين أن ملايين الجنيهات ربما تكون قد مرت من ليبيا عبر عشرات الشركات واستخدمت لشراء عقارات في المملكة المتحدة أو تهريبها إلى أماكن أخرى في الخارج.

ركزت تحقيقات الشرطة بشكل كبير على خمس شركات اسكتلندية يُزعم أنها مرتبطة بقريب الدبيبة بين عامي 2008 و 2010. إحداها، ماركو بولو ستوريكا، المسجلة في شركة محاسبين في إدنبرة، زُعم أنها حصلت على عقود بقيمة 150 مليون جنيه استرليني من قبل إدارة علي دبيبةلتجديد المواقع التراثية في ليبيا.

تأسست الشركة في عام 2008 على يد رجال أعمال اسكتلنديين شاركوا في إدارة العديد من الشركات الأخرى إما مع علي دبيبة أو أفراد عائلته. ونفى رجال الأعمال في السابق علمهم بالتورط في نشاط غير قانوني.

تم حل ماركو بولو ستوريكا في عام 2015 ، ولم يتم جرد الحسابات المالية الكاملة مطلقًا. ويعتقد المحققون الاسكتلنديون أن حوالي 50 مليون جنيه استرليني قد مرت من ليبيا عبر الشركة إلى شركات خارجية واسكتلندية.

رفض مالكولم فلين، مدير ماركو بولو ستوريكا بين عامي 2008 و2013، التعليق على الادعاءات بأن ملايين الجنيهات مرت عبر الشركة إلى خارج ليبيا.

وقال: “لم يتم إجراء مقابلة معي من قبل أي شخص بخصوص هذا التحقيق وتم إلغاء العقد في المراحل المبكرة للغاية. لقد كان مشروعًا مهمًا وآمل أن يتولى الآخرون تنفيذه في المستقبل“.

وفقًا لمصدر في الشرطة، يُعتقد أن عائلة دبيبة تمتلك أصولًا عالمية لا تقل عن 62 مليون جنيه استرليني. وتشير الوثائق المسربة إلى تورط دبيبة في اختلاس أكثر من 5 مليارات جنيه استرليني.

تفاصيل التحقيق نشرت بعد أيام من انتشار تقرير ليبي قديم يتهم حكومة الوفاق السابقة بالفساد والاختلاس

لا جديد

يتساءل العديد من الليبيين عن أسباب نشر التقرير في الوقت الحالي، إذ سبق وأن نشر أحد هؤلاء الصحافيين ذات الكلام في العام الماضي.

علق تيم إيتون الزميل ببرنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمعهد الملكي للشئون الدولية تشاتام هاوس”  على التقرير بأن التحقيق في مزاعم الاحتيال المنسوبة إلى وكالة تطوير المراكز الإداريةالتي رأسها علي الدبيبةنسمع صداها منذ سنوات، لكن الكلام هنا عن أكثر من 5 مليارات جنيه استرليني، وهذ مبلغ ضخم وجديد.

وقال في سلسلة تغريدات: “وقد ورد، على سبيل المثال، أيضًا في التحقيقات التي أجريت في أوراق بنما ‘تعقب المحققون حوالي 100 شركة مسجلة في جزر فيرجن البريطانية ومالطا وليختنشتاين والمملكة المتحدة للدبيبة وأبنائه أو شركائه المفترضين‘“.

ولفت الباحث أن على الدبيبية ليس هو نفسه، الذي يشغل منصب سياسي الآن (في إشارة إلى ان المسؤول الآن هو عبدالحميد الدبيبة)، لكن  بالطبع هناك أهمية سياسية لأن هو نفسه يقصد علي الدبيبة المتهم بالفساد أيضًا محور مزاعم بشأن شراء الأصوات في اجتماعات الأمم المتحدة التي أدت إلى تعيين ابن عمه، عبد الحميد، كرئيس للوزراء.

في تغريدة على تويتر، قال الصحفي التونسي سامر الأطرش إن علي دبيبة، كان أحد المندوبين في المنتدى الذي اختار عبد الحميد، وعاد إلى ليبيا بعد فوز ابن عمه ويمكن رؤيته يقف بجانبه في أحد الخطابات، كما التقى بشخصية سياسية واحدة على الأقل لمناقشة تولي منصب حكومي.

وكشف تقرير أممي مُسرّب يؤكد حصول ثلاث أفراد على الأقل على رشاوى مقابل انتخاب عبدالحميد الدبيبة لرئاسة الوزراء، بالإضافة إلى وجود دلائل على عرض علي الدبيبةمئات الآلاف من الدولارات على المندوبين الليبيين للتصويت لعبد الحميد الدبيبة في المنصب. إلا أن رئيس الوزراء الليبي المنتخب قال إنه لا يعرف بالرشوة المزعومة، وقال مكتبه إن التسريب عبارة عن أنباء كاذبة“.

من جانبه، علق الباحث المختص في الشأن الليبي جلال الحروشي أن التقرير لم يقدم أي معلومات جديدة أو مختلفة عن تلك التي تم نشرها بين عامي 2014 و2018.

وتساءل الباحث الليبي محمد الجارح في تغريدة : “هل قدم الدبيبة إقرار بذمته المالية؟ مع كل شبهات الفساد، من المهم التأكيد على تقديم إقرار الذمة المالية؟

في رأي الكاتب الليبي فرج فركاش فإن تقرير التايمز في المجمل يتحدث فقط عن السيد علي الدبيبة واشخاص آخرين من الدائرة المقربة لنظام القذافي والتحقيق عن عملية تضخيم كلفة المشاريع وعمليات احتيال. “وهو من نفس الكاتب الذي كتب عن الموضوع سابقا“.

وقال فركاش لرصيف22: “موقفنا بكل وضوح هو أن أي شخص تثبت عليه تهمة فساد وفق إجراءات قانونية صحيحة وأمام القضاء يجب أن لا يتولى أي منصب حكومي، لكن محاولة ربط الدبيبة ‘الصغير‘ (عبدالحميد الدبيبة) بالدبيبة ‘الكبير‘ دون سند قضائي، ربما تكون محاولة من بعض الأطراف للتشويش على المسار السياسي وخلط الأوراق وقد تدخل في حيز الابتزاز السياسي“.

ولفت إلى أن السماح بدخول عبدالحميد الدبيبة من الأول لحلبة السباق في انتخابات الحوار السياسي الذي نظمته الأمم المتحدة في جنيف ولا وجود اعتراض عليه يدل على أنه ليس هناك أدلة ثابتة أو حكم قضائي ضده.

____________

مواد ذات علاقة