الزهراء لنقي

من يدقق في بعض التطورات التي طرأت على المشهد الليبي ومواقف بعض الأطراف، يتساءل مستغربا عما إذا كانت هناك محاولة لإجهاض العملية السياسية الراهنة، وتكريس وضع يخدم أجندات خاصة، وذلك من خلال إفشال دور ملتقى الحوار السياسي عامة واللجنة القانونية خاصة كجهة ضامنة لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر 24 ديسمبر 2021.

إن صح هذا الأمر فستكون له تداعيات وخيمة على الاستقرار، وسيمثل انتكاسة وإهدارًا لجميع الإنجازات التراكمية التي تحققت. وهذا يدعونا إلى تخاذ موقف حازم وجاد أهم أسسه التمسك بخارطة الطريق والدور الرقابي للملتقى.

بالتزامن مع تسمية السلطة التنفيذية من قبل ملتقى الحوار السياسي في جنيف، حدث تغيير في قيادة بعثة الأمم المتحدة السياسية للدعم في ليبيا، وذلك بتعيين مبعوث جديد هو السيد يان كوبيتش محل المبعوثة بالإنابة السابقة السيدة ستيفاني ويليامز، وهو ما اقترن بحصول انقطاع في عمل ملتقى الحوار السياسي.

لاحظنا تجميدًا للعملية السياسية. وقد عبر عن ذلك رئيس المفوضية العليا للانتخابات السيد عماد السايح بقوله: إن مشاورات البعثة الأممية مع اللجنة القانونية بملتقى الحوار السياسي بشأن القاعدة الدستورية المتعلقة بالانتخابات شبه متوقفة.

وقد أشار أيضًا إلى أن هناك غموضًا في الوضع الحالي وفي مواقف بعض الأطراف السياسية تُجاه إجراء الانتخابات. كما تبين أن المفوضية تخلي مسؤوليتها تمامًا بالنسبة لتأخير إنجاز هذا الاستحقاق. وقد طالب حكومة الوحدة الوطنية بأن تكون لديها إرادة فعلية لوضع خطة تنفيذية للعملية الانتخابية.

هذا وقد برزت خلال الآونة الأخيرة ثلاثة توجهات تدعو إلى القلق يمكن إجمالها على النحو الآتي:
1 . الادعاء بانتهاء مهمة الملتقى بمجرد تسمية السلطة التنفيذية.

2 . المطالبة بإنهاء دور اللجنة القانونية وتأليف لجنة قانونية من خارج ملتقى الحوار السياسي من قبل مجلس النواب بتيسير البعثة الأممية لتباشر إعداد القاعدة الدستورية والتشريعات اللازمة للانتخابات، وذلك بالمخالفة للآجال المحددة في خارطة الطريق. هذا مع أن مجلس النواب يعد أحد أطراف المصلحة في استدامة الوضع الراهن.

3 . المطالبة بالاقتصار على الانتخابات البرلمانية والتمديد للسلطة التنفيذية الحالية لمدة أربع سنوات زيادة على المدة المحددة، وهي ثمانية أشهر وإلزام مجلس النواب المقبل بمنح الثقة لهذه السلطة التنفيذية مع أن ملتقى الحوار السياسي هو من سماها ضمن سياق توحيد مؤسسات الدولة للإشراف على الانتخابات فقط.

المنطلقات لملتقى الحوار السياسي الليبي

في يناير 2020، أطلقت عملية برلين ودعت لاستحداث مسار سياسي استنادًا على الاتفاق السياسي لمعالجة الانسداد السياسي. وقد صادق مجلس الأمن على ذلك بموجب القرار رقم 2510. وقد تمخض عن ذلك تأسيس ملتقى الحوار السياسي.

استندت مبادرة برلين على المادة 64 من الاتفاق السياسي التي نصت على الآتي: «للحوار السياسي الليبي، بعد إقرار هذا الاتفاق، أن ينعقد استثناء، بناء على طلب من أي طرف من أطراف الاتفاق للنظر فيما يعتقد أنه خرق جسيم لأحد بنوده

صدر التكليف لملتقى الحوار السياسي بأن يضع خارطة الطريق للمرحلة التمهيدية للحل الشامل الرامية لإجراء انتخابات في 24 ديسمبر 2021. وقد نصت المادة الأولى من خارطة الطريق في الفقرة الأولى على أن «الهدف الأسمى للمرحلة التمهيدية هو تعزيز الشرعية السياسية عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس دستوري».

ولذلك فإن دور ملتقى الحوار السياسي هو أن يحقق عودة الشرعية للأمة الليبية باعتبارها صاحبة السلطات. وهو ما يعني أن تكون جميع الأجسام التمثيلية والسيادية الجديدة منبثقة عن إرادة الأمة الليبية.

تتضمن استحقاقات هذه المرحلة التمهيدية إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وذلك بفصل المجلس الرئاسي عن الحكومة وتسمية كل منهما. وقد حصل ذلك بعد وضع معايير للترشح وآلية للاختيار توافق ملتقى الحوار السياسي عليها. كما صيغت وثيقة تحدد اختصاصات السلطة التنفيذية وأولويات عملها. وقد جاء في الباب الخاص بالسلطة التنفيذية في المادة الأولى منه أنه: «تتقيد السلطة التنفيذية الموحدة المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية عبر المواعيد المحددة للمرحلة التمهيدية للحل الشامل».

لم يكتفِ ملتقى الحوار السياسي بتحديد الهدف الأسمى للمرحلة التمهيدية، وهو تعزيز الشرعية السياسية عبر إجراء انتخابات بل وضعت خارطة الطريق الإطار الزمني للوصول للانتخابات العامة. فقد جاء في المادة الثالثة من خارطة الطريق:

1 . تبدأ المدة الزمنية للمرحلة التمهيدية للحل الشامل اعتبارًا من الإعلان عن مخرجات ملتقى الحوار السياسي بتونس شهر نوفمبر 2020.

2 . تنتهي المرحلة التمهيدية للحل الشامل خلال ثمانية عشر شهرًا كحد أقصى على أن تُجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق الاستحقاق الدستورييوم 24 ديسمبر 2021.
3 .
يتولى ملتقى الحوار السياسي متابعة التقدم في قضايا المرحلة التمهيدية حسب المواعيد المحددة.

كما جاء في المادة الرابعة من خارطة الطريق فيما يتصل بالالتزام بالمواعيد الآتي:

. تعمل جميع مؤسسات الدولة على الوفاء بالتزاماتها وفق المواعيد المقررة، وهي مسؤولة عن أعمالها أمام الشعب الليبي.

. في حال تعذر إصدار القرارات المطلوبة في المواعيد المحددة، يؤول البت فيها إلى ملتقى الحوار السياسي الليبي.

. يجتمع ملتقى الحوار السياسي بشكل دوري خلال المرحلة التمهيدية، وتكون اجتماعاته بتيسير ودعم من البعثة الأممية.

. في حالة الضرورة، يلتئم ملتقى الحوار السياسي الليبي على اقتراح خمسة وعشرين عضوًا من أعضائه أو بدعوة من البعثة الأممية.

الترتيبات الدستورية ودور اللجنة القانونية

تعد الترتيبات الدستورية استحقاقًا رئيسيًّا للمرحلة التمهيدية. وهي جزء لا يتجزأ من خارطة الطريق. وهي تأتي استنادًا على ما قررته المادة الأولى من خارطة الطريق في الفقرة الأولى من أن الهدف الأسمى للمرحلة التمهيدية هو تعزيز الشرعية السياسية عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس دستوري“. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تأتي استنادا على ما نصت عليه خارطة الطريق في المادة الرابعة بأن:

الفقرة (1) تلتزم المؤسسات المعنية بالعملية الدستورية بالاتفاق على الوصول إلى إنجاز الاستحقاق الدستوري في فترة لا تجاوز 60 يومًا من تاريخ بدء المرحلة التمهيدية.

الفقرة (2) يقوم ملتقى الحوار السياسي الليبي بتشكيل لجنة قانونية تتابع التقدم في إنجاز الاستحقاق الدستوري، ويحدد ملتقى الحوار السياسي الليبي تركيبة اللجنة القانونية ومهامها.

الفقرة (3) «يعود لملتقى الحوار السياسي الليبي البت في إنجاز الاستحقاق الدستوري، والتشريعات الضرورية لإنجاز الانتخابات في حال انقضت المهلة المحددة في الفقرة الأولى من هذه المادة دون تحقق النتيجة المطلوبة».

هذا، وقد باشرت اللجنة القانونية عملها ضمن هذا الإطار منذ 20 ديسمبر. وقد وضعت لائحة داخلية تنظيمية تحدد الاختصاصات والصلاحيات. وجرى تقديم سبعة مقترحات بهذا الخصوص. ثم باشرت اللجنة العمل لإعداد قاعدة دستورية توافقية تستند على تعديل الإعلان الدستوري. وجدير بالذكر أنني تحفظت على مقترح القاعدة الدستورية لأسباب جوهرية تحتاج إلى مقال خاص.

ومع ذلك كان هناك حرص على مواصلة العمل ضمن اللجنة انطلاقًا من الاقتناع بأهمية عمل الفريق.

إلا أنه قد حدث جدل وانقسام في اللجنة بشأن علاقة القاعدة الدستورية بالمسار الدستوري ومحاولة البعض تحصين مشروع الدستور والهيئة التأسيسية لمدة خمسة سنوات أخرى أي حتى منتصف العشرية المقبلة.

وقد جعلنا ذلك نستعين برأي البعثة الرسمي وعلى رأسها المنسق العام والمبعوث الخاص في المسألة. وقد حُسمت المسألة من خلال بيان أنه ليس من اختصاص اللجنة تناول المسار الدستوري، وإنما التركيز فقط على وضع قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات.

وفي جميع الأحوال، فإن القاعدة الدستوري يجب أن تتوخى مبادئ أساسية أيًّا كانت طبيعتها. ومن هذه المبادئ الآتي:

1 . تجاوز صيغ «التلازم التعسفي» بين أي استحقاقات قد ينتج عنه تأزيم يمكن تجنبه. من الأمثلة على ذلك فك الارتباط بين إجراء الانتخابات الوطنية والاستفتاء على مشروع الدستور.

2 . رفض دسترة الخلافات والمغالبة.

3 . تجنب إجراء الاستفتاء في هذه المرحلة والتي قد تسهم في زيادة التوتر والانتكاسة مثل الانتخابات.

4 . تمكين الليبيين من المشاركة وممارسة التصويت والانتخاب باعتباره واجبًا وحقًا في آن، وذلك فيما يتعلق بالسلطة التشريعية والتنفيذية.

5 . استقلال السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وعدم تداخلهما، وهو أُس الانهيار الكامل للدولة وأحد أسباب تفشي الفساد السياسي خلال العشرية الماضية.

6 . شمول العملية السياسية والقاعدة الدستورية وضمان تمثيل التوازنات الجغرافية (الأقاليم الثلاثة) وصون حقوق جميع المكونات الثقافية وتمثيل المرأة في المجالس التمثيلية المقبلة بنسبة لا تقل عن 30% حسب قرار مجلس الأمن 1325.

7 . الحاجة إلى ضمان سلامة جميع الاستحقاقات والانتخابات نفسها وأن تكون قانونية وشرعية.

شروط ينبغي تحققها لضمان تحقيق الترتيبات الدستورية

وحتى يتسنى إنجاز الترتيبات الدستورية، لا بد من توافر مناخ مناسب يتيح ذلك. وفيما يأتي أهم الشروط التي ينبغي توافرها لإيجاد هذا المناخ:

الاستمرار في توحيد مؤسسات الدولة. ويتحقق ذلك من خلال تنفيذ بنود خارطة الطريق تنفيذًا صارمًا ودقيقًا وسريعًا مع ضمان احترام الآجال التي نصت عليها.

تكثيف الجهود المبذولة لبسط الأمن. ولعل أهم الخطوات التي يجب اتخاذها في هذا الصدد إنهاء فوضى السلاح وهيمنة الكتائب المسلحة. إنه من المستقر بداهة أنه ينبغي تجنب إجراء الانتخابات في مشهد يسوده فوضى السلاح والإفلات من العقاب.

تعزيز التوافق والوحدة المجتمعية والالتزام المسبق بنتائج الانتخابات. ويتحقق ذلك من خلال التخلي عن خطاب الاستقطاب الحاد الذي يعزز الانقسام. ولعل الآلية المثلى لتنفيذ ذلك هي إبرام ميثاق وطني ينبثق عن ملتقي الحوار السياسي.

صياغة آليات العملية الانتخابية صياغة عادلة ومرنة تضمن مشاركة الجميع لضمان إقبال المرشحين على المشاركة والمواطنين على التصويت قبل إجراء الانتخابات. ويتضمن ذلك إعطاء الأولوية لحل مشكلة ترشح المهجرين والنازحين.

وجود مراقبة أممية وضمانات دولية لتحقيق التسليم السلمي للسلطة. ويتضمن ذلك تحديد عقوبات للمعرقلين والإعلان عنها مسبقًا.  

وجود مراقبة مجتمعية. ويتحقق ذلك من خلال اضطلاع منظمات المجتمع المدني بدورها وانخراطها وإسهامها في التوعية. كما يتأتى من خلال انخراطها في المراقبة.  

إزالة الغموض الذي يعتري خارطة الطريق وترميمها. ويتحقق ذلك من خلال تعزيز وضوح صلاحية ومهام ملتقى الحوار السياسي وإطاره التنظيمي ولائحته الداخلية لتعزيز صموده المؤسسي خلال المرحلة التمهيدية، حتى لا يزيد من حالة الاضطراب المؤسسي الذي تعاني منه البلاد. كما يجب التفكير في إنشاء آلية لفض الخلافات المتعلقة بتفسير النصوص ولا يتكرر سيناريو مأزق تعديل الاتفاق السياسي.

التزام جميع الأطراف المعنية بالمرحلة التمهيدية بالشفافية الكاملة التي تضمن صون شرعية الجهود المبذولة. ويتضمن ذلك المواجهة الصارمة لجميع الممارسات غير القانونية وممارسات الفساد بجميع صوره لا سيما نفوذ المال السياسي.

توصيات

بناء على جميع ما تقدم، فإننا نوصي بالآتي:

أن تحث البعثة الأممية مجلس النواب على الانعقاد لإقرار مخرجات الحوار وتضمينها كحزمة واحدة وتضمينها في الإعلان الدستوري.

متابعة قيام أعضاء السلطة التنفيذية المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة بتقديم إقرارات الذمة المالية إلى الجهات الرقابية، وذلك حسب شروط الترشح لمهام السلطة التنفيذية.

ضرورة استمرار وجود ملتقى الحوار السياسي، وذلك لمواصلة الضغط على المجلسين للتوصل إلى توافق بشأن القاعدة الدستورية واختيار المناصب السيادية السبعة، وإلا تتم الإحالة كل من المسألتين إلى ملتقى الحوار السياسي في أسرع وقت ممكن.

ضرورة أن يجتمع ملتقى الحوار السياسي في أسرع وقت ممكن لإرسال رسالة إلى كلا المجلسين مفادها أنه سيستمر في مراقبة مداولاتهما. ومن الضروري عقد اجتماع في أوائل أبريل لاتخاذ قرار بشأن (1) القاعدة الدستورية، (2) اختيار المناصب السيادية السبعة، و(3) تحديد آلية المراقبة التي سيتم استخدامها لرصد إنجازات السلطة التنفيذية الجديدة حسب خارطة الطريق.

فحسب ما جاء في خارطة الطريق فأنه في حالة الضرورة، يلتئم ملتقى الحوار السياسي الليبي على اقتراح خمسة وعشرين عضوا من أعضائه أو بدعوة من البعثة الأممية. وقد تم تجميع 40 توقيعًا من أعضاء ملتقى الحوار لانعقاد جلسة، ولم يلقَ ذلك صدى لدى القيادة الجديدة لبعثة الأمم المتحدة.

ضرورة صون الملكية الليبية للمسار السياسي، وعدم السماح بأن يكون تغيير قيادة البعثة الأممية مسوغًا لتغيير نهج واستراتيجية العملية السياسية. فقد جرى بذل جهود حثيثة وكبيرة في ملتقى الحوار. وقد تحققت إنجازات عديدة وتراكمت. ونحن بحاجة إلى البناء عليها للوصول للهدف الأسمى للمرحلة التمهيدية وهو تعزيز الشرعية السياسية عبر الانتخابات.

من الضروري أن تكون هناك إرادة دولية واضحة لإنجاز استحقاقات خارطة الطريق وصولًا للانتخابات في موعدها المقرر، وذلك بانخراط دولي على رأسه البلدان المنخرطة في مسار برلين.

____________

مواد ذات علاقة