إسماعيل دبارة

رغم حماسة عواصم أوروبية كثيرة في الانتصار للمتمردين على حساب نظام القذافي في 2011، خسرت أوروبا نفوذها في ليبيا، ما مكّن قوى اقليمية على غرار روسيا وتركيا من سدّ الفراغ وايجاد موطئ قدم لها على سواحل لا تبعد سوى 200 كلم عن سواحلها.

الجزء الأول

الحراك السياسي الأخير في ليبيا قد يفرض على الأوروبيين محاولة استعادة النفوذ، في بلد تربطه بأوروبا الكثير من المصالح المشتركة. تحليل إسماعيل دبارة لموقع قنطرة.

يتابع العالم باهتمام تسلّم حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في ليبيا مهامها بعد حراك سياسي لافت يتجه نحو المصالحة الوطنية، لينهي عقدا كاملا من الفوضى والحروب بين طرفين متنازعين رئيسيين.

المصالحة بين الفرقاء الليبيين بدأت قبل أسابيع في سويسرا، من خلال التصويت على ممثلي السلطة التنفيذية المؤقتة جاءت لتعيد الأمل ليس لليبيين وحدهم في بناء دولتهم وانهاء الانقسام واعادة الاعمار والتحرر من سطوة الميليشيات، بل جاءت النتائج لتعطي الأوروبيين فرصة جديدة للخروج من دور المتفرج حيال هذه الأزمة، التي تعني ضفّتي البحر الأبيض المتوسط، نحو مزيد من الفعل والمساهمة في ايجاد مسارات تخدم استقرار المنطقة خاصة مع تزايد النفوذين التركي والروسي في المنطقة بما يبشّر بصدام جديد قد لا تُحمد عقباه.

في الأشهر الماضية حصل تقدم سياسي لافت في هذا الملفّ تمثل بحوار ليبي – ليبي في سويسرا وألمانيا والمغرب وتونس ومصر وعواصم أخرى، انتهى إلى اختيار رئيس حكومة ومجلس رئاسي جديد، ترافق مع تراجع أصوات المدفعية والطيران المسيّر وتزامن أيضا مع انتعاش قطاع النفط الحيوي للاقتصاد الليبي.

وجاءت نتائج تصويت أعضاء الملتقى في جنيف مفاجئة بإفراغ المشهد السياسي من كافة الوجوه القديمة المتورطة في النزاع والمتعطشة للحرب والحسم العسكري، واستبدالها بوجوه أخرى جديدة لا تمتلك سطوة سياسية وعسكرية نافذة كالشخصيات المؤثرة قبل تصويت جنيف، لكنها قد تغرق هي الاخرى في الولاءات أو تستجيب للضغوط القصوى، التي بات الحرس القديم في الشرق والغرب الليبيين يمارسها على السلطة الجديدة.

وتأتي هذه الحكومة بعد شهور من وقف إطلاق النار بين الطرفين الرئيسيين في الحرب الأهلية. وتمثل على ما يبدو أفضل أمل لليبيا منذ أعوام للخروج من الأزمة بعد عشرة أعوام من الفوضى.

لكن ثمة مشكلات كبيرة باقية، ففي الشوارع لا تزال السلطة في قبضة جماعات مسلحة محلية تنهب ثروة البلاد. ولم تسحب القوى الخارجية التي دعمت طرفي النزاع مقاتليها أو أسلحتها، كما قد يعرقل الزعماء السياسيون الليبيون، الذين يخشون من فقدان النفوذ، العملية الانتقالية أو يفسدونها. ويظل استحقاق توحيد المؤسسة العسكرية مهمة تقترب من المستحيل أمام الحكومة الجديدة التي نالت ثقة النواب.

قوى الشرلم تختف

لم تنجح الانتخابات الأخيرة في ايجاد توافق بين أطراف النزاع الليبي، لكنها أفرزت تشكيلة غير متورطة في النزاع الدموي المستمر منذ سنوات. هذا الوضع لا يبدو مريحا للمتابعين في الداخل والخارج، فمن أضخم التحديات التي تواجه السلطة التنفيذية الجديدة، أنها ليست حكومة تمثّل المتقاتلين على الأرض، وأن الترحيب بإزاحة المتنفّذين وأصحاب القول الفصل في الصراع الليبي، لا يبدو في محلّه.

وحمل المشهد الليبي قبل الحراك السياسي الأخير نوعا من التوازن المفهوم، فالشرق على رأسه السيد عقيلة صالح، الذي يحظى بشرعية دولية إلى جانب دعم مصري وروسي لافت، يمثل القوة السياسة التي دعمت وتحالفت مع قوة عسكرية وازنة ممثلة في الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، الذي يمتلك ترسانة عسكرية تسيطر على كامل الشرق الليبي، وأجزاء من الوسط والجنوب وتدعمه عواصم كثيرة.

وعلى المربع الآخر، تسيطر حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا على الغرب الليبي برئاسة فايز السراج، المدعوم من تركيا، والذي تمكن من تحقيق نصر استراتيجي بمساعدة السيد فتحي باشاغا، الذي يوصف بكونه رجل أنقرة في طرابلس، إلى جانب آمر غرفة عمليات طرابلس، اللواء أسامة الجويلي، وكلاهما ساهم في صدّ هجمة خليفة حفتر على طرابلس وتغيير موازين القوى على الأرض بدعم عسكري تركي ضخم.

تلك الوجوه كافة كانت أحد أسباب استمرار الانقسام السياسي بين حكومتي الشرق والغرب ويُعتقد على نطاق واسع أن بعضها مورط بشكل مباشر في جرائم حرب، ويجد اليوم رئيس الحكومة الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة نفسه أمام استحقاق توحيد مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش الذي يسيطر على الجانب الأقوى منه خليفة حفتر، ثم تأتي بعدها إدارة شؤون البلاد حتى 24 ديسمبر 2021، وهو موعد إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وسط شكوك كثيرة حول امكانية صمود هذا المسار السلمي حتى يبلغ برّ الأمان.

قبل عشر سنوات، في عام 2011، دعم حلف الناتوالجماعات المتمردة في ليبيا في ثورتها ضد القذافي. لكن آمال تحقيق الديمقراطية والاستقرار في هذا البلد الذي شهد حربا أهلية، تبدوا أنها ماتزال بعيدة المنال.

أين الأوروبيين من هذا الحراك؟

تحتلّ الأزمة الليبية منذ العام 2011 تاريخ الثورة على نظام القذافي، صدارة أجندة أعمال دول أوروبا سواء كان الأمر على المستوى الوطني أو على مستوى الاتحاد، ويرجع ذلك بالأساس إلى التداعيات الخطرة للأزمة الليبية على أمن دول أوروبا، التي لا تبعد أكثر من 200 كلم عن الشواطئ الليبية.

ورغم الاندفاع الأوروبي في المساهمة في اسقاط معمر القذافي ودعم المتمردين في بداية النزاع، إلا أنّ ردود افعال الأوروبيين تراجعت فيما بعدُ، واختارت غالبية العواصم في القارة العجوز التفرج والتعليق على الاحداث وفي اقصى الحالات معاقبة المتاجرين بالسلاح والبشر، ما فسح المجال لتركيا وروسيا للدخول منطقة لم تكن يوما من أولوياتهما، فاقتحمتاها عسكريا وسياسيا وفرضتا أمرا واقعا جديدا عليها.

قبل الحراك السياسي الأخير الذي يتجه نحو المصالحة وتوحيد أجهزة الدولة ومؤسساتها وتفكيك الميليشيات، لطالما أعلنت المفوضية الأوروبية أنه لا بديل عن نتائج مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية“. والمتحدث الرسمي باسم المفوضية للشؤون الخارجية، بيتر ستانو عبّر عن ذلك بالقول: “الوضع على الأرض يتغير باستمرار، وموقفنا واضح ولم يتغير نحن دائما نكرر دعوتنا لإيقاف فوري لإطلاق النار وإيقاف الصراع والعودة للحل السياسي لجميع الأطرافليس هناك حل عسكري للأزمة، فقط الحل السياسي هو الحل الوحيد“.

وقبل انتخابات جنيف، يطالب الأوروبيون بإصرار بوضع حد للقتال في ليبيا ويبدون تصميمهم على تطبيق حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا، مع رفض كامل لإرسال تركيا لجنودها ومرتزقتها إلى ليبيا.

وبعد الاعلان عن تركيبة السلطة التنفيذية الجديدة، أكد سفير الاتحاد لدى ليبيا خوسيه ساباديل أن أوروبا ستقدم الدعم الكامللها، في حين عبر رئيس الحكومة الجديدة، عن تطلعه للاستمرار في العمل المشترك البناء مع الاتحاد الأوروبي، وتنفيذ وتفعيل الاتفاقيات المشتركة الموقعة أثناء عمل الحكومات السابقة، متمنيا عودة البعثات الدبلوماسية والشركات الأوروبية إليها لاستكمال المشاريع التي كانت تشرف عليها، واستكشاف فرص استثمار جديدة بالبلاد.

ورغم محاولات الأوروبيين في الظهور بمظهر الكتلة المتماسكة والمتجانسةحيال التطورات في ليبيا، إلا أنه من المستحيل الحديث عن موقف أوروبي موحد حيال هذا الصراع المؤثر في المنطقة، إذ أن كلا من فرنسا وايطاليا التين كانتا مُتحمّستيْن لإنهاء حكم القذافي، تجدان نفسيهما حاليا في خلاف بينيّ واضح حول تطويع الميليشيات المنفلتة وسبل التعامل مع الفوضى التي اعقبت رحيل النظام السابق. في حين تبدو مواقف لندن وبرلين وبروكسل أقرب للمتفرج الجالس على ربوة عالية منتظرا انتصار هذا الطرف على ذاك.

***

إسماعيل دبارة ـ صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة.

________

مواد ذات علاقة