إسماعيل دبارة

رغم حماسة عواصم أوروبية كثيرة في الانتصار للمتمردين على حساب نظام القذافي في 2011، خسرت أوروبا نفوذها في ليبيا، ما مكّن قوى اقليمية على غرار روسيا وتركيا من سدّ الفراغ وايجاد موطئ قدم لها على سواحل لا تبعد سوى 200 كلم عن سواحلها.

الجزء الثاني

مصالحومصالح مضادة في ليبيا

يرتبط الفرنسيون والايطاليون أساسا، بعلاقات مهمة بليبيا، تشمل الجوانب التاريخية والجغرافية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فكلا القوتين أثّرتا تاريخيا على التراب الليبي كما أن نفوذيهما لم ينقطع لا سياسيا ولا اقتصاديا منذ نهاية القرن التاسع عشر الى اليوم بأشكال مختلفة.

للفرنسيين نفوذ هائل في منطقة فزان بالجنوب الليبي، في حين يتمركز نفوذ الإيطاليين في المنطقة الغربية، قبل أن تدخل القوات العسكرية الإيطالية لطرابلس الغرب سنة 1911 والتي بقيت فيها بأشكال متفاوتة من فترة لأخرى حتى استقلال ليبيا سنة 1951.

وخلال عهدي الملك ثم القذافي، تباينت علاقات الفرنسيين والايطاليين مع ليبيا بين التقارب والتباعد والصدام.

حضر الفرنسيون والايطاليون بقوة في 2011، من خلال دعم عمليات الناتو والمشاركة فيها ضد نظام القذافي وأيضا عبر الوقوف وراء قرارات دولية وأممية عدة تنتصر للمدنيين الليبيين. لكنّ روما تعتبر ليبيا منطقة نفوذ لها نظراً لقربها الجغرافي وماضيها كقوة مستعمرة.

ولذلك كانت تنظر دائماً للتدخل الفرنسي، الذي كان عراب الإطاحة بنظام القذافي، بعين الريبة والتوجّس. ويحتدم التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا مع سعي شركات النفط، وخاصة (توتال) الفرنسية و(إيني) الإيطالية، للفوز بعقود استثمار الذهب الأسود، ويزداد التنافس حدة مع ظهور لاعبين جددا على غرار روسيا وتركيا.

وفي النزاع بين حكومتي الشرق والغرب، بدت باريس أكثر وضوحا في انحيازها للمحور المصري، السعودي، الاماراتي، الداعم للواء المتقاعد خليفة حفتر. أما روما فقد ظهرت مرتبكة بعدم وضع بيضها كاملا في سلة حلفائها في العاصمة الليبية، وظهر الارتباك أكثر عندما عجزت ايطاليا عن منع أو ايقاف هجوم حفتر على العاصمة طرابلس، الى حين التدخل التركي العسكري الذي أفقدها الكثير من نفوذها ومصداقيتها لدى حكومة الشرق.

أما بخصوص بريطانيا، فقد تدخلت عسكريًا في ليبيا للإطاحة بالقذافي في 2011، ووجّه تقرير أعدته لجنة الشؤون الخارجية البريطانية اللوم إلى رئيس الوزراء السابق، ديفيد كاميرون، بسبب هذا التدخل، معتبرة أنه سارع إلى العمل العسكري في ظل وجود معلومات استخبارية غير دقيقةإلى جانب تضخيم القلق حول المدنيين والتصرف بناء على افتراضاتسمحت لاحقا بتدهور الأوضاع وظهور تنظيم داعش“.

ولفت التقرير إلى أن عواقب تصرفات كاميرون ظهرت على شكل فشل سياسي واقتصاديفي ليبيا واندلاع حروب بين القبائل والجماعات المسلحة وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان وتعاظم دور تنظيم داعشفي شمال أفريقيا.

ولبريطانيا مصالح اقتصادية جمّة في ليبيا، إذ تمتلك شركة بريتيش بتروليومالبريطانية حصة تقدر ب 42% من النفط الليبي، ولديها امتيازات للتنقيب في مناطق الغرب على غرار غدامس وسرت.

ولدى الحكومة البريطانية أموال ليبية مجمدة منذ 2011 تُقدر بـ 9.2 مليار جنيه إسترليني، وترغب بريطانيا في استقطاع جزء منها تحت مسميات عدة كتعويضات عن دعم نظام القذافي لمتطرفين وضرائب وغيرها، وتتحدث تقارير كثيرة عن وجود لوبي بريطاني نافذ ينشط في قطاعات اقتصادية عدة في ليبيا ويزداد وزنه وتأثيره يوما بعد يوم.

أما بخصوص الدور الألماني، فلعل مؤتمر برلينصار البوابة الأبرز للاهتمام الألماني المتعاظم بهذا الملف الشائك، ويرتكز الدور الألماني في التعامل مع الأزمة الليبية منذ اندلاعها وتزايد الأطراف المنخرطة فيها على ضرورة وقف إطلاق النار، واستبعاد الحل العسكري للصراع، والدفع نحو إيجاد حل سياسي جذري للأزمة عبر استدعاء جميع الأطراف المتحاربة وداعميهم من الخارج، ودفعهم للجلوس على طاولة المفاوضات.

ما يحسب لألمانيا حسب المتابعين هو أنها تلعب دورا مزدوجا تكامليا، يتركز الدور الأول داخل أوروبا ذاتها، حيث تعمل برلين على تقريب وجهات النظر بين الدول الأوروبية الأكثر ارتباطا بالملف الليبي وبالتحديد إيطاليا وفرنسا المتخاصمتين، بهدف توحيد الموقف الأوروبي، والحدّ من المزيد من التنافس الأوروبي ــ الأوروبي داخل ليبيا.

أما الدور الثاني فيتمثل في طرح بعض المبادرات السياسية لحل الأزمة، كان من أبرزها مؤتمر برلينوالذي أسفر عن التزام الأطراف المعنية بإنهاء التدخل الأجنبي، ودعم حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وتجنب أي تصعيد إضافي في المنطقة.

مؤتمر ميونخ للأمنالأخير، ساهم بشكل أو بآخر في استكمال الجهود الدولية لإنهاء التدخلات الأجنبية في ليبيا، وتعزيز مخرجات نتائج مؤتمر برلين، وإنضاج الظروف التي أدت لانتخاب سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا، خاصة وأنّ القوى الخارجية الداعمة لأطراف النزاع كانت حاضرة في المؤتمر.

أسباب قوية … كيف خسرت أوروبا ليبيا

في مقال له بصحيفة لوفيغاروالفرنسية، يقول الكاتب رينو جيرار إن فرص نجاح الانتخابات المرتقبة في ليبيا بتاريخ 24 ديسمبر 2021، في اعادة الاستقرار وسيادة القانون التي تحتاجها البلاد تبقى ضئيلة للغاية. فيما تعد قوية للغاية، الفرص التي تحافظ بها تركيا وروسيا اللتين أبرمتا صفقة سراعلى قواعدهما العسكرية في ليبيا، من أجل زيادة سيطرتهما على شرق البحر الأبيض المتوسط.

ويرى الكاتب في مقاله الذي عنونه بـكيف خسرت أوروبا ليبيا؟ أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تنجح في بلد لا يتفق الفاعلون السياسيون فيه على الدخول في اللعبة، وهو ما لم يتوفر في الجماعات المسلحة التي أطاحت بالقذافي.

شدد الكاتب على أنّ ليبيا صارت ملاذا مثاليا للجريمة المنظمة، في حين لم تتمكن أوروبا من أن تكون لاعبا أساسيا في مجريات الأحداث بهذا البلد رغم أهميته بالنسبة لها، ورغم حماستها المفرطة في بداية النزاع للتدخل ودعم المنادين بسقوط الديكتاتور.

وبعد عشر سنوات من رحيل القذافي، يبدو وكأنّ أوروبا أصبحت الخاسر الأكبر في ليبيا وفي شرق البحر البيض المتوسط، إذ كانت العواصم الأوروبية تتوجس من بعضها حيال النفوذ داخل هذا البلد الثري والممزق، رغم تشاركها في مخطط الإطاحة بنظام القذافي، فإذ بها تتفاجأ بلاعبين جددا، الأول هو مصر والثاني تركيا، والثالث روسيا.

ومن الأسباب القوية التي تدفع الأوروبيين لاقتناص فرصة الحراك السياسي الأخير من أجل توسيع دورها في ليبيا، هو التدخل الروسي، إذ تعد ليبيا ورقة رابحة لروسيا لمحاصرة أوروبا من الجنوب. وتكريس روسيا لنفوذها في ليبيا كضامن للاستقرار سيؤثر حتما على سير أية مفاوضات مستقبلية بين موسكو والاتحاد الأوروبي.

ولدى الرئيس الروسي بوتين رغبة كبيرة في تأسيس قاعدة عسكرية دائمة في ليبيا، تُضاف إلى قاعدتي حميميم وطرطوس في سوريا، بما يجعل روسيا منافسا خطيرا لحلف الناتو في المتوسط، ويُهدد أمن أوروبا بشكل مباشر، أو على الأقل يمثل ورقة ضغط عليهم تقوِّض خياراتهم أمام ملفات شائكة تنتظر التفاوض.

ذات الأمر ينطبق تقريبا على التمدد التركي في ليبيا، الذي قد يهدد أمن الدول الأوروبية من محاور عدة، لعل أبرزها تدفق المهاجرين والجهاديينواستغلال مصادر الطاقة لابتزاز الجانب الأوروبي، ناهيك عن صفقات اعادة الاعمار في ليبيا وهي مغرية لكافة الاطراف.

ومع تزايد تدفق المهاجرين واللاجئين من ليبيا وما قد يستتبعه من امكانية تسلل الإرهابيين لأوروبا؛ التي تعد المقصد الأساسي لمعظم راكبي البحر من شمال إفريقيا ودول جنوب الصحراء الكبرى، فضلا عن استغلال الجماعات الإرهابية حالة الفوضى الناتجة عن استمرار الصراع للتحرك صوب أوروبا والاندساس بين اللاجئين وتهديد الأمن فيها، بات موضوع امساك زمام الملف الليبي من جديد وبصرامة أكبر، أمرا ملزما للأوروبيين بعد تذليل الاختلافات في وجهات النظر، إذ أن استمرار الانقسام في المواقف بين إيطاليا وفرنسا تحديدا، خاصة مع تباين وتعارض مصالح الدولتين في ليبيا، يفرض صياغة موقف موحد ومشترك تجاه الأزمة من شأنه استعادة النفوذ الأوروبي في ليبيا الذي تراجع كثيرا مقابل صعود قوى وافدة عن المنطقة وتبحث فيها عن موطئ قدم يخدم مصالحها.

***

إسماعيل دبارة ـ صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة.

________

مواد ذات علاقة