محمد سي بشير

تشكّل زيارتا عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي، رئيسي الحكومة والمجلس الرّئاسي الليبيين، على التوالي، فرنسا، الخطوة التي كشفت كنه التطورات في لبيبا، أخيرا، من انتخاب برلمان والتئام اجتماعاته، أوّل مرّة، ثمّ اختيار الرجلين، بتزكيةٍ من فرقاء صنعوا المشهد الليبي، على مدار سنوات، بدليل أنّ الزيارات الأولى لهؤلاء كانت إلى بنغازي، لمقابلة اللواء خليفة حفتر ثمّ القاهرة وانتهاء بباريس.

تحاول المقالة الربط بين هذه التطورات وما يُنتظر أن تُسفر عنه تحركات فرنسا أخيرا في كلّ من السّاحل وغرب المتوسط تستهدف جميعها، وفق ما يراه الكاتب هنا، إضعاف الجزائر ومنع انبعاث الاتحاد المغربي أو تنسيق أمني/ استراتيجي مغاربي لاحتواء تداعيات تلك التحرّكات.

كشفت مجلّة جون أفريك، المقرّبة من الدّائرة التي تصنع سياسة فرنسا في القارة الإفريقية، عن مكالمة هاتفية بين الرئيس الفرنسي، ماكرون، والمنفي، ركزت على صلة خاصّة بشأن مضمون الملفّات التي بحثها الرجلان لاحقا في قصر الإليزيه في باريس.

ووصفت المجلة المنفي بأنه فرانكفوني، وذكرت أنّ الحديث جرى بينهما باللغة الفرنسية، موحية إلى أنّه سيكون الحامي لمصالح فرنسا والجهات التي حاولت، منذ سنوات، إخضاع ليبيا لحكم خليفة حفتر وفشلت.

ولكنها، مع صعود بايدن إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وبإرادة تغيير مقاربة التّعامل مع الملفّات الساخنة، تمّ تغيير خريطة طريق حل الأزمة الليبية، من حلّ مسلّح إلى حلّ سياسي، ولكن بقيادة الأطراف نفسها، بالنظر إلى عدة أهداف ومكاسب يسعى الجميع إلى تحقيقها.

تمّ تغيير خريطة طريق حل الأزمة الليبية، من حلّ مسلّح إلى حلّ سياسي، ولكن بقيادة الأطراف نفسها

يوحي هذا الخبر بأنّ ما جرى في ليبيا هو تحوّل في المقاربة المتّبعة، ولكن بالأدوات نفسها، وصولا إلى تكريس قيادة في ليبيا تكون إلى دائرة القرار في بنغازي أقرب منها إلى دائرة القرار التي كانت تتحكّم في شؤون طرابلـس.

وبخاصّة أنّ ذلك يتمّ على خلفية مصالحة تركية – مصرية، تنطلق من ملفّات رسم الحدود البحرية في شرق المتوسّط والتعاون في منتدى الغاز لشرق المتوسّط، لتصل إلى إقرار تلك القيادة الجديدة في طرابلس، من دون أن يعلن حفتر أو مساندوه تغيير إدراكهم صورة من سيحكم في ليبيا في أعقاب الانتخابات المزمع إجراؤها في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

لا ينبغي التقليل من قيمة تحليل هذه الأخبار، خصوصا أن ماكرون، وفق نشرية أفريك أنتلجنس، المقرّبة من الدوائر الاستخباراتية الفرنسية، أعاد إلى قصر الإليزيه، أخيرا، مستشاره بول صولر، وهو شخصية بخلفية استخباراتية ضليعة في أكثر من ملف ليبي، انطلاقا من قضية تصفية القذافي، في 2011، إلى تسليح حفتر، على الرغم الخطر الأممي على توريد السلاح إلى المتقاتلين في ليبيا وانتهاء بتوفير المساندة الدبلوماسية للطرف المناوئ لرئيس الحكومة السابق، فائز السراج، وطرابلس.

حتى عندما تم إبعاده مستشارا في السفارة الفرنسية في عمّان، والأردن بلد مقرّب من الدّائرة المساندة لبنغازي، فتبقى أعينه مركّزة على الملّف الليبي إلى حين عودته إلى باريس، ليصير مستشارا لماكرون في الشّؤون اللّيبية، في الوقت الذي يتمّ فيه تحضير ملفات الانتخابات وإعادة الإعمار، إضافة إلى إشراف فرنسا على عملية عودة ليبيا إلى الإنتاج النفطي، في المستقبل القريب.

جاء إيراد هذا المعطى لإبراز مدى الحيوية الذي توليه فرنسا لبقاء الأمور، في ليبيا، على ما كانت عليه، وإن بتعديل على سيناريو المخرج السياسي إلى انتخابات، ولكن مع دوام الخط السياسي لطرابلس، مستقبلا، في إطار الخيار والمصالح وفق إدراك فرنسا وحلفائها في الملف الليبي.

وانطلاقا من هذا التحرّك الفرنسي، يجب التّعريج على الرّابط بين المخرج السّياسي للأزمة في ليبيا والوضع المتدهور في السّاحل، وبخاصّة في أعقاب النّتائج التي انتهى إليها الاجتماع الثنائي الفرنسي أخيرا مع مجموعة الدُّول الخمس في السّاحل التي ما فتئت تقع في الفشل في مواجهة الخيار الأمني الحصري الذي تريده فرنسا للصراع السّاحلي. ولكن مع بعض “‘البهاراتالاستراتيجية التي لا يمكن للصّورة أن تكتمل بدونها.

تريد فرنسا، حتما، الخروج الآمن من التردّي الساحلي أو التقليل من الخسائر والفشل في كل من مالي والنيجر (شهدتا أخيرا عمليات إرهابية ذهب ضحيتها مئات من المدنيين)، وذلك بالتعويل على إعادة قضية الصحراء الغربية إلى الواجهة، من ناحية، ثم الحديث عن إمكانية التّنسيق الأمني في الساحل، مستقبلا، مع كل من الجزائر والمغرب، من ناحية أخرى، وهما مقاربتان تحفّهما مخاطر كثيرة، وتبرّر القول إن التطورات الأخيرة في ليبيا هي عين التهديد للجزائر وليست حلّاً للأزمة.

وقد تفطنت كل من الجزائر والمغرب لتلك المناورات الفرنسية لجرّهما إلى الانخراط في فشل إدارتها المعركة ضد الإرهاب هناك، حيث أبقيا قضية الصحراء الغربية في إطار الخلاف الإعلامي/ السياسي، ولم يطوّراه، كما كانت فرنسا تتمنّى، إلى صراع استراتيجي.

ودليل ذلك قدرة البلدين على التوصل إلى حل قضية المزارعين المغاربة في أراض جزائرية على الحدود، دونما تصعيد من أي من الجانبين. كما تفطّن البلدان إلى أنهما الخاسران الكبيران لما يجري في ليبيا من تغير سياسي/ استراتيجي، حيث تفقد المغرب جهودها للإصلاح بين الليبيين من دون استفادة من ثمرات إعادة الاعمار، في حين تفقد الجزائر الكثير بوجود فرنسا الدائم، مستقبلا، على الحدود الجنوبية الشرقية، إضافة إلى وجودها في الجنوب، في كل من مالي والنيجر، وانتصار الحل الذي وقفت ضده أعواما، لأنه بيد من كانت تتحدّث بأن ما يقومون به في ليبيا هو تدخل صارخ وصريح بالقرب من حدودها الجنوبية الشرقية.

حاولت فرنسا، أيضا، المناورة لجرّ المغرب والجزائر إلى مستنقع الساحل حيث حضر البلدان اجتماع فرنسا والدول الساحلية الخمس بصفتهما ملاحظين (مراقبين). ولكن، وفق فرنسا، قد تكون، في الأفق، مؤشّرات تنسيق أمني مع البلدين في الساحل، وهو ما نفاه البلدان، حيث إن ذلك لا يتعدّى مجرد التعاون لاحتواء الإرهاب والجماعات الإرهابية عند الحدود، باعتبار أن للجزائر والمغرب أكبر جيشين في جنوب المتوسط، ويمكنهما، لوجستيا، دعم عمل القوات الفرنسية وحليفاتها الإفريقية الساحلية، دونما حاجة للانخراط في فشل فرنسا الساحلي.

وقد يتبادر إلى ذهن من يشاهد ما يجري من خلاف جزائري مغربي بشأن قضية الصحراء الغربية طرح سؤالٍ عن فائدة الحديث عن البلدين، وكأنهما يعملان بالتنسيق بينهما، لتكون مواقفهما متوافقة إلى هذا الحد في ملف المناورات الفرنسية في غرب المتوسط، شمال إفريقيا والمنطقة الساحلية – الصحراوية، ليكون الجواب إن البلدين هما قاطرة انبعاث البناء المغاربي الذي يعوّل عليه لاحتواء المد الفرنسي للسيطرة على المنطقة.

وعلى الرّغم من كل تلك الخلافات، إلا أن مصالحهما تتقاطع عند وجوب الحفاظ على خط الرجعة الذي يسمح لهما، حقا لا مجازا، بالتعاون، مستقبلا، لتكوين تنسيق أمني، سياسي، اقتصادي واستراتيجي بعيدا عن قضية الصحراء الغربية التي يمكن تركها للزمن، ليكون الحل وفق الشرعية الدّولية، لأن مجرد انبعاث الاتحاد المغاربي ومكاسبه، خصوصا الاقتصادية والاستراتيجية منها، سيجعل من القضية ملفا ثانويا، لن يكون الحائل دون اتجاه البلدين نحو هذا المسار الحتمي الاستراتيجي.

المناورات الفرنسية التي توسّعت إلى حلفاء الجزائر، تركيا (بإضعاف اقتصادها) وروسيا (بالعقوبات ضدها من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي)، دفعا لها نحو الانخراط الحتمي في خططها في الساحل وفي ليبيا، لن تصل إلى ثني الجزائر عن إعادة تقييم سياساتها مع المستوطن القديم.

وخصوصا أنّ هناك ملف الشراكة مع الاتحاد الأوروبي على المحكّ، إضافة إلى أنّ التسلّح الجزائري النوعي، الجوي والبحري، في الأعوام الأخيرة، في إدراك فرنسا، هو تخطيط للدّفاع عن مصالح الجزائر في غرب المتوسّط استفادة من دروس صراعات شرق المتوسط، بالنظر إلى أنّ الخرائط الجيولوجية الدقيقة قد تكشف عن احتياطات طاقوية إضافية للجزائر، تجعل منها فاعلا طاقويا أكبر في المستقبل، سواء في هذا النوع من الطاقة أو الطاقة البديلة، الشمسية، بصفة خاصة، بعد تطور تكنولوجيا الألواح الشمسية وعوائدها الاقتصادية الكبيرة.

تدرك فرنسا أن التربّص بالجزائر أمر صعب، لكنها تحاول وتحاول، من دون ملل. ونحتاج، لاحتوائها، مشروعا قوميا ومغاربيا يكون بالمرصاد، بداية بالكشف عن تلك النوايا، والوقوف لها بالندّية مع التفكير استراتيجيا، مستقبلا، في منعها من تصدير التهديد إلى منطقتنا، كما تحاول، الآن، من خلال ليبيا والساحل، وفي ملفات أخرى كثيرة.

***

محمد سي بشير ـ أستاذ جامعي وباحث جزائري

____________

مواد ذات علاقة