عماد حامدي

مع مغيب الشمس وهدوء المساء، يغادر رفيق حمدي الملقب بـ تشاش، مقهى مدينة عين دراهم في شمال غرب تونس، يستقل سيارته التي تسمى بـالناقة، استعداداً للتوجه إلى إحدى النقاط الفاصلة بين الحدود التونسية الجزائرية، تبعد بضعة كيلومترات عن نقطة انطلاقه من أجل تهريب البنزين، الذي أصبح مورد رزق أساسياً لعدد غير قليل من شباب المناطق الحدودية، رغم مخاطره وتأثيراته المدمرة على الاقتصاد.

يستطلع حمدي الطريق قبل الانطلاق إلى الحدود عبر إجراء بعض الاتصالات الهاتفية المشفرة، بكلمات لا يعرفها إلا المعنيون، للتأكد من خلو الطريق من الدوريات الأمنية

يشغل حمدي محرك سيارته، المليئة بالأوعية البلاستيكية الفارغة، التي سيقوم باستبدالها على الحدود بأخرى ممتلئة، وينطلق في رحلته، وهو يقدّر، ويعرف جيداً مدى خطورة الأمر، وصعوبته في حال القبض عليه أو حتى مجرد ملاحظته من قبل الدوريات الأمنية، إذ يتم إطلاق النار على كل مهرب لا يستجيب لإشارات التوقف.

وسبق أن تمكّنت الدوريات الأمنية والعسكرية من قتل بعض المهربين لعدم امتثالهم لتعليمات التوقف، التي تصدرها العناصر الأمنية قبل إطلاق النار.

الحياة في المناطق الحدودية

غادر تشاشمقاعد الدراسة مبكراً لعدم قدرة عائلته على التكفل بمصاريف دراسته، هو وإخوته الخمسة.

عمل نادلاً في مقهى وفي حظائر البناء من أجل دعم والده في توفير مصاريف ولوازم المنزل، إلا أنه لم يفلح في تخليص عائلته من الفقر، لذلك التجأ إلى العمل في مجال التهريب مع أحد أقاربه، فتعرف على المسالك الجبلية، واكتسب رصيداً هائلاً من الأصدقاء الجزائريين، الذين شجعوه على الدخول بقوة في هذا المجال من خلال العمل بصفة منفردة.

جمع تشاشأموالاً خلال السنة التي قضاها مع أحد أقاربه في التهريب، مكنته من شراء سيارة ليقتحم عالم التهريب، غايته في ذلك الخروج من مستنقع الفقر، وإنقاذ عائلته من العوز.

وينشط عدد من شباب الجهة في مجال التهريب غير عابئين بمخاطره، رغم تحذيرات تطالهم يومياً من السلطات الأمنية والعسكرية، التي كثفت دورياتها من أجل التصدي للمهربين والإرهابيين.

ويرى شباب الجهة الذين التقيناهم أن الحل الوحيد للتخلي عن مجال التهريب، هو تقديم الدولة للبدائل، وتوفير مواطن الشغل، وتحسين البنية التحتية المهترئة.

ولم يكن التهريب في تونس وليد اللحظة، بل هو نشاط قديم كان يشرف عليه كبار بارونات التهريب، وأصهار الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، لكنه تفشى بعد الثورة بصفة كبيرة عقب انهيار المنظومة التي كانت تتحكم به.

ويضع الشباب الذين تحدثنا معهم البطالة والفقر في قفص الاتهام، حيث أكدوا أن المناطق الحدودية تعيش ظروفاً اجتماعية صعبة لعدم توفر مرافق الحياة الأساسية وآليات التشغيل، التي من شأنها أن تحد من آفة الفقر، وتساعد الشباب العاطلين عن العمل في إدارة أمور عائلاتهم.

وانكبت الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956 على تنمية البنى التحتية في المناطق الساحلية، التي يقوم نشاطها على السياحة والصناعات المعملية، وذلك من أجل إنعاش اقتصاد البلاد، فيما أهملت الجانب الفلاحي الذي تتميز به معظم المناطق الداخلية، وهو ما أوجد تفاوتاً بين المحافظات.

حراسّ الحدود

وينشط المهربون خاصة على الجانب الحدودي بين تونس والجزائر وبين ليبيا وتونس، ويرتكز التهريب خاصة على المواد الغذائية والبنزين والسجائر والمواد الإلكترونية وتربية الماشية.

يقول تشاشلرصيف22 إن الوضع الاجتماعي الصعب لهذه العائلات، وعدم تحمل الدولة لمسؤوليتها أمام هؤلاء، يحتمان عليهم البحث عن حلول من أجل العيش الكريم، وهو ما وجدوه في التجارةمع الجانب الجزائري.

ويرفض تشاشأن يطلق عليه وعلى زملائه اسم مهربين، مشدداً على أنهم يقومون بمبادلات تجارية مع أشخاص من الجانب الجزائري، حيث يتم تزويدهم من تونس ببعض المواد الغذائية، التي تعرف بارتفاع أسعارها في الجزائر، مقابل الحصول على البنزين، الذي يتميز بثمنه المنخفض مقارنة بثمنه في تونس.

وتعيش عائلات المناطق الحدودية التونسية على الفلاحة وتربية الماشية، في مناخ لا تتوافر فيه بنية تحتية جيدة، وصناعات معملية واستثمارات، إذ يفر المستثمرون من تلك المناطق نظراً لطابعها الوعر، وعدم توفر الظروف الملائمة لذلك، حسب ما تؤكده ريم (36 عاماً) وهي معلمة تعليم ابتدائي سبق أن اشتغلت في منطقة حدودية بالجهة تسمى حليمة.

وترى ريم أن سكان المناطق الحدودية هم الحراس الحقيقون لهذه البلاد، وهم جنود الصف الأول أمام الإرهاب، لافتةً إلى المجموعات الإرهابية التي اقتحمت مدينة بن قردان في 7 أذار/ مارس 2016، وهي أقوى عملية إرهابية عرفتها البلاد، راح ضحيتها 18 شهيداً، وأكثر من 50 إرهابياً، وتم خلالها العثور على مخازن كثيرة للأسلحة والذخيرة الحية.

التهريب أو الموت جوعاً

وتشجع عائلات ساكنة في مناطق محاذية للحدود أبناءها على القيام بالتهريب أو بـ التجارةكما يطلقون عليها، حسب صالح المزريقي (34 عاماً) الذي ينشط في مجال التهريب. يقول لرصيف22 إنه يجد كل الدعم والتشجيع من عائلته لسلوك طريق تهريب البنزين من الحدود الجزائرية لأنه مصدرهم الوحيد للرزق، أو سيموتون جوعاً.

ويقطن المزريقي في منطقة ريفية بجهة حليمة، التابعة لمعتمدية فرنانة من محافظة جندوبة شمال غربي تونس، ويمتهن تهريب البنزين والمواد الإلكترونية منذ أن كان في سن الـ16 من عمره، إذ غادر مقاعد الدراسة مبكراً، وانضم الى والده وإخوته في تهريب البنزين، الذي يلقى رواجاً كبيراً في تونس، نظراً لسعره المنخفض، إذ يباع الـ 20 لتراً من المازوت بأقل من 10 دولارات، وهو سعر مناسب للجميع في ظل غلاء الأسعار.

ورغم إجراءات الغلق التي فرضتها الدولة التونسية ونظيرتها الجزائرية على خلفية تفشي فيروس كورونا، فإن ذلك لم يثن صالح وأصدقاءه عن مواصلة عملهم، إذ أنشأوا نقاطاً جديدة على الحدود لتبادل السلع مع المهربين الجزائريين، ويستعملون في تلك المناطق الوعرة الحمير والبغال.

يقول إلياس (28 عاماً)، وهو صديق لصالح، إنه يلتقي أصدقاءه من الجانب الجزائري في نقطة حدودية، حيث يزودونه بعشرات الأوعية البلاستيكية التي تم نقلها عبر الدواب الى الحدود، ويسلم إليهم بدوره بعض المواد الغذائية التونسية.

ويشير إلى أن الحمال الجزائري، وهو الشخص الذي يجلب له الحمولة، يقوم بإدخالها إلى التراب التونسي باستعمال الحمير مقابل عشرة دينارات تونسية (ثلاثة دولارات ونصف) للحمولة الواحدة، أي 700 دينار جزائري.

ويقوم المزريقي وصديقه بوضع الحمولة داخل السيارة بكل حذر، وسط ظلام دامس يخيم على المكان لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إشعال ضوء السيارة خوفاً من الدوريات الأمنية إلا عند مغادرة نقطة اللقاء.

ولا يخشى المهربون الذين خبروا تلك المسالك الوعرة والأودية الدوريات الأمنية، إذ يعملون بكل الطرق على تجاوزها رغم صعوبة الموقف، بحسب المرزيقي.

تخريب الاقتصاد

بلغ إجمالي حجم التهريب بين تونس وبلدان الجوار حوالي 3.02 مليار دينار (1.13 مليار دولار) سنوياً، وفق آخر بيانات حكومية، كما تكبدت خزينة الدولة خسائر جبائية تقدر بـ 1.2 مليار دينار.

الخبير في الشأن الاقتصادي عبد الجليل بدوي، يؤكد لرصيف22 أن التهريب له تأثير كبير على الاقتصاد، وهو آفة تقضم الدولة من جميع الجوانب، وستؤدي بسرعة إلى تآكلها وانهيارها.

ويرد بدوي أسباب تنامي هذه الظاهرة إلى تفكيك مؤسسات الدولة، الذي انطلق منذ اعتماد مشروع الإصلاح الهيكلي سنة 1986، ودخول البلاد في مرحلة الانتقال الليبرالي، الذي تم بناؤه على أساس مفهوم النيوليبرالية، التي تهدف إلى تبني سياسة اقتصادية تقلل من دور الدولة، وتزيد من دور القطاع الخاص قدر المستطاع، وتسعى لتحويل السيطرة على الاقتصاد من الحكومة إلى القطاع الخاص، بدعوى أن ذلك يزيد من كفاءة الحكومة ويحسن الحالة الاقتصادية للبلد.

ويضيف بدوي أن هذا المبدأ قاد إلى اعتماد عدة إجراءات لتقزيم الدولة في مستوى دورها التنموي والاجتماعي، وفي مستوى تفكيك مؤسساتها، وهذا الجدل عاشته الدولة في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2020، عندما رفض البنك المركزي تمويل عجز الميزانية، واعتبر نفسه وفق قانون 2016 مستقلاً عن الدولة، وهذا يدخل في إطار تفكيك الدولة.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن هذه السياسة قلصت من دور الدولة، وبالتالي أضحت عاجزة عن الإحاطة بالتراب الوطني، لذلك تلجأ في معظم الأحيان إلى الوسيلة القمعية لمعالجة بعض الظواهر الاجتماعية، وقد فشلت في احتواء معظمها، ولعل التهريب أبرزها“.

وقد أدى ضعف الدولة، حسب قوله، إلى تفشي ظواهر التهريب التي تنبع أسبابها بدرجة أولى من عجز الدولة على توفير الظروف الملائمة لتشغيل الشباب، وفي مرحلة ثانية نتيجة لتفكيك مؤسساتها، وإضعافها حتى تركت فراغاً هائلاً استغله القطاع غير المنظم، الذي أصبح يسيطر على منابع الثروة.

ويختم بدوي أن التوجه الذي يجب أن تتبعه الدولة هو الحد من القطاع غير المنظم، وإدخاله في مسار تنظيمي تحت الرقابة حتى يتم تدارك سلبياته في المجال الاقتصادي والمالي والصحي.

***

عماد حامدي ـ صحافي تونسي مهتم بالشأن السياسي والرياضي، حاصل على الماجستير في الصحافة المكتوبة والإلكترونية والإجازةالتطبيقية في ميدان الصحافة وعلوم الأخبار

_____________


مواد ذات علاقة